وطني و عربي و سياسي

الثلاثاء,8 سبتمبر, 2015
إقالة جنرالات الجزائر.. تمهيد الساحة للرئيس القادم بعد بوتفليقة

الشاهد_يرتكز النظام الجزائري منذ تأسيسه بعد الاستقلال عام 1962 على كلا من الجيش والرئاسة والاستخبارات العسكرية بسبب دور الجيش والاستخبارات خلال حرب التحرير الجزائرية، ولهذا أصبحت هذه المؤسسات هي مركز القرار والمتحكمة في البلاد، والتي تختار أيضا رئيس الجمهورية، في انتخابات رئاسية تبدو غالبا صورية ويفوز فيها مرشح الجيش.

 

ومنذ الحرب الأهلية في الجزائر التي أعقبت انقلاب الجيش علي العملية الديمقراطية 1990 ومنع الجبهة الاسلامية للإنقاذ من حكم البلاد، بدأت تحدث خلافات نسبية بين المؤسسات الثلاث، بحيث يحدث تحالف بين مؤسستين لإضعاف المؤسسة الثالثة في اتخاذ القرار، أو العكس فيما يشبه لعبة الكراسي الموسيقية.

 

وبينما ظهر توافق بين المؤسسات الثلاثة فيما يخص اختيار الرئيس الحالي (بوتفليقة) ليكون هو الرئيس الثامن للجزائر منذ استقلالها، في أبريل 1999، حدث خلاف بين هذه المؤسسات في إبريل 2013 حين رفضت مؤسسة الاستخبارات العسكرية ترشيح بوتفليقة لولاية رئاسية رابعة في الانتخابات الرئاسية التي جرت في إبريل 2014، مبرره ذلك بوضعه الصحي، ما دفع الرئيس بوتفليقة للإقدام على سلسلة إقالات لعدد من جنرالات الاستخبارات وتحويل مؤسسات تابعة لها إلى أمرة قيادة أركان الجيش.

 

وجاء القاء القبض على المسؤول الاول عن مكافحة الارهاب سابقا في المخابرات الجزائرية (الجنرال حسان واسمه الحقيقي عبد القادر آيت عرابي) يوم الجمعة الماضي بموجب مُذكرة توقيف أصدرتها المحكمة العسكرية للبليدة، وبعد أسابيع على تغييرات هامة في قيادات الجيش والمخابرات، كجزء من هذا الصراع بين الرئاسة والجيش (الذي يقوده نفس شخص الرئيس الذي هو أيضا وزير الدفاع)، من جهة، وجهاز المخابرات العسكرية من جهة ثانية.

 

وهو ما فسره مراقبون جزائريون على أنه استكمال لسلسلة خطوات تشير لأن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة والمقربين منه استعادوا السيطرة على جهاز المخابرات والعديد من مهامه.

 

وسبق أن نشرت صحيفة لوموند الفرنسية في أغسطس الماضي تقريرا حول السقوط المفاجئ والمدوي للجنرال حسان، قالت فيه إن “عملية إضعاف جهاز المخابرات زادت وتيرتها بنهاية يوليو 2015، بعد أن انتشرت شائعات غير مؤكدة حول حدوث محاولة للتسلل إلى القصر الرئاسي في زرالدة، حيث تم على إثر هذه الحادثة إقالة ثلاثة مسؤولين كبار، هم قائد الحرس الجمهوري، وقائد الإدارة العامة للأمن الرئاسي، وقائد إدارة مكافحة التجسس“.

 

وفي غمرة هذه التغييرات، قرر الرئيس بوتفليقة تجريد المخابرات من مهمة تأمين الحماية للرئاسة، وإسناد هذه المهمة للحرس الوطني. ولكن الإجراء الأكثر إثارة للجدل كان الإعلان عن حلّ وحدة العمليات الخاصة، التي تمثل القوة الضاربة لجهاز الاستخبارات في حربه على الجماعات المسلحة.

 

 

المعركة الحقيقية مع رئيس جهاز المخابرات

إقالة جنرالات الجزائر.. تمهيد الساحة للرئيس القادم بعد بوتفليقة unnamed (6)

في 27 اغسطس ألقى القبض على الجنرال “حسان” وأودع السجن العسكري بالبليدة، قرب العاصمة الجزائرية، بحسب الصحف الجزائرية، وكان مستغربا أن الصحف الجزائرية هي التي أعلنت عن اعتقاله وإيداعه رهن الحبس المؤقت، ثم أعلنت أنه قد تم إطلاق سراحه، من دون توجيه أية تهمة إليه، ثم أكدت نبأ اعتقاله.

 

 

ولخصت صحيفة “الوطن” الناطقة بالفرنسية مغزى هذا الخبر بالقول ان: “الجنرال حسان اصيب في معركة الاضرار الجانبية لحرب الخنادق بين الرئاسة، والمخابرات الجزائرية”، التي تسمي (دائرة الاستعلام والامن)، في إشارة لأن المعركة الحقيقية هي بين الرئاسة وجهاز المخابرات حيث سعي بوتفليقة لعزل العديد من أعضاء الجهاز وأخرهم “حسان” ما أظهر رئيسه “توفيق” بلا أنصار، ما قد يدفعه للاستقالة مستقبلا أو أن يقال لاحقا.

 

 

فالجنرال “حسان” كان قائد “مصلحة مكافحة الارهاب” في المخابرات التي تضم فرقة نخبة مسلحة جيدا وتملك شبكة واسعة من المخبرين، وسبق أن أقاله الرئيس بوتفليقة (يشغل ايضا منصب وزير الدفاع)، بشكل مفاجئ في بداية 2014، بعدما قام في 2013 بالحاق فرقة النخبة بقيادة الاركان بالجيش بدل المخابرات.

 

 

وهناك جذور تاريخية للصراع بين الرئيس بوتفليقة (78 عاما) وجهاز الاستخبارات جعلته يسحب من الجهاز الضبطية القضائية، فعقب عودة بوتفليقة من رحلة علاج في فرنسا استمرت 88 يوما، فوجئ بمذكرة اعتقال دولية أصدرتها الشرطة القضائية التابعة للاستخبارات العسكرية بحق وزير الطاقة السابق شكيب خليل وهو صديق طفولة لبوتفليقة فغضب الرئيس بوتفليقة وسحب الشرطة القضائية من أمرة الاستخبارات، وكانت هذه أول ضربة موجعة لقائد الاستخبارات الجنرال توفيق.

 

 

سلسلة إقالات في عام ونصف

وقبل اسابيع من توقيف هذا الضابط (حسان) المقرب من مدير المخابرات الفريق محمد مدين المعروف باسم “توفيق”، والمتهم بالتستر على معلومات أمنية، وتكوين جماعة مسلحة، والتحضير لانقلاب عسكري، قام بوتفليقة أيضا بتغييرات في مناصب هامة في قيادة الجيش والمخابرات.

 

 

هذه التغييرات مست لواءين من المقربين من الفريق توفيق رئيس جهاز المخابرات، هما: مدير مكافحة التجسس ومدير الامن الرئاسي، وتم أيضا إلحاق “الامن الرئاسي” بقيادة الاركان المفترض أنها بيد الرئيس الذي يجمع بين منصب الرئاسة ووزير الدفاع.

 

 

كذلك قالت صحيفة “الوطن” الجزائرية ان “العديد من الضباط خاصة الذين نجحوا في مكافحة الارهاب احيلوا على التقاعد المسبق بينما سنهم بين 38 و50 سنة”، ما يشير لعملية تطهير موسعه من قبل الرئيس والجيش التابع له لرئاسة المخابرات وجعلها تابعة أيضا للرئيس والجيش ومعاونيهم.

 

 

وشملت هذه الإقالات حينها الجنرال جبار مهني، والجنرال بشير طرطاق الذي التحق بالرئاسة.

بموجب هذه الإقالات المتتالية، فقد جهاز المخابرات – خلال سنة ونصف -العديد من رجاله وصلاحياته التي كانت تجعله يمثل “السلطة الحقيقة” في بلد كان فيه لقيادة الجيش الكلمة الاخيرة في اختيار الرؤساء، وربط مراقبون بين هذا وبين تحذير الرئيس بوتفليقة حذر منذ وصوله الى السلطة في 1999 من انه لن يكون “ثلاثة ارباع رئيس”.

 

 

وقد دفعت هذه التغييرات الاخيرة العديد من المحللين الجزائريين والأجانب لاعتبار ما جري مؤشر على ان الرئاسة أصبحت تتحكم في السلطة بالكامل في الوقت الحالي، وأن الصراع يشارف على النهاية، وأن بوتفليقة استعاد “السلطة الخفية” للمخابرات التي تمثل “دولة داخل الدولة”.

 

 

ويقود الفريق توفيق (76 سنة) جهاز المخابرات منذ 1990، وهو رجل خفي لا يظهر في الاعلام ولا في المناسبات الرسمية، حتى ان الجزائريين لا يعرفون شكله.

 

 

تهيئة الاجواء للرئيس المقبل؟

ويري مراقبون أن مرض بوتفليقة والشك في سيطرته الكاملة على السلطة، ربما وراء سعي المقربين منه في الرئاسة والجيش للقيام بحسم هذه الصراعات مع المخابرات – باسم الرئيس – كي يسهل مستقبلا، في حالة غياب بوتفليقة، على من سيخلفه، ويحكم بدون صراعات على السلطة.

 

 

ويشيرون في هذا الصدد لرئيس اركان الجيش ونائب وزير الدفاع الفريق “قايد صالح”، (74 سنة) المدافع القوي عن ولاية رابعة لبوتفليقة، الذي تم تحويل كل المهام المسحوبة من المخابرات له، كمرشح قوي للرئاسة أو داعم على الاقل لأي من القياديين الحاليين: الوزير الأول، عبد المالك سلال، ومدير ديوان الرئاسة، أحمد أويحيى، الذي لاحظت صحيفة “الخبر” الجزائرية اشتعال حرب طموح الرئاسة بينهما.

 

 

فعندما اتهم المقربون من الرئيس، الفريق “توفيق” رئيس جهاز المخابرات بعدم دعم ترشح بوتفليقة لولاية رابعة فاز بها في ابريل 2004، وتم شن هجمة غير مسبوقة حينئذ من الامين العام لحزب جبهة التحرير الوطني “عمار سعداني” الداعم القوي لبقاء بوتفليقة في السلطة، على “توفيق”، أنتهي الامر بسحب سلطة “الضبطية القضائية” من المخابرات، والتي كانت تسمح للجهاز بالتحقيق في قضايا الفساد، ثم تم ايضا سحب “مديرية امن الجيش” وكذلك “مديرية الاعلام” واسندت لصالح الرئاسة والجيش، وأصبحا من سلطة رئيس اركان الجيش ونائب وزير الدفاع الفريق “قايد صالح”، الذي يرجح أن يكون هو الرئيس المقبل بعد بوتفليقة.

 

 

ويلاحظ هنا أن قائد أركان الجيش الفريق “أحمد قايد صالح” هو من أعطى الأوامر لاعتقال الجنرال حسان.

وربما لهذا تساءلت صحيفة “لاتريبون” ان كان تفكيك جهاز المخابرات يرمي الى اعادته الى “مهامه الاساسية اي الاستعلامات” ام الى “اضعافه لدفع مديره على الاستقالة” أم أن السبب الحقيقي هو “خدمة طموح سياسي أسمي لا يتم الافصاح عنه” في ظل بقاء قضية خلافة الرئيس بوتفليقة مطروحة.

 

 

ومع أن الرئيس بوتفليقة الذي يحكم منذ 15 سنة أكد في يوليو الماضي انه باق في السلطة الى نهاية ولايته الرابعة في 2019، وقد يعوقه مرضه عن هذا، إلا أن المؤكد أن تصفية حسابات الرئاسة والجيش مع الاستخبارات، سوف تجعل انتقال السلطة المقبلة تتم ربما بدون الجنرال توفيق رئيس المخابرات أو بدعم منه لو أراد البقاء في منصبه.

 

 

ربما لهذا سربت المصادر الرسمية الجزائرية لصحيفة (الشروق) المقربة من النظام نقلا عن مصادر وصفتها بـ “الموثوقة”، نفيها أن يكون هناك أي صراع بين مؤسسات الدولة، وأن التغييرات التي أجراها بوتفليقة مؤخرا هي “قرارات توافقية جاءت بالتنسيق بين رئيس الجمهورية وزير الدفاع القائد الأعلى للقوات المسلحة وبين الفريق أحمد قائد صالح نائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، وبين الفريق محمد مدين (توفيق) قائد مؤسسة الاستخبارات، دون أن يكون أي صراع روجت له بعض الأوساط“.



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.