تحاليل سياسية

الإثنين,29 فبراير, 2016
إعتذار الخليفي ثمرة ناضجة لمصالحة سابقة

الشاهد_في زمن سطوة الصراع السياسي بدل التدافع و التنافس النزيه غلبت على المشهد السياسي في تونس في السنوات التي تلت هروب المخلوع و إنتصار الثورة جلبة كثيرة و حمولات عنف إيديولوجي إختفت وراءها عدّة شخصيات و وجوه سياسيّة لإقصاء غيرها عبر شيطنتهم و تشويههم و قد وصل الأمر ببعضهم حدّ التهجّم على الثورة نفسها التي سمحت لهم بحريّة التعبير التي صادرتها الدكتاتوريّة ليعودوا عبرها محاولين مصادرة أبرز عناوينها من حريّة و حقّ في الإختلاف و تنافس ديمقراطي نزيه.

 

النسيج التونسي المتماسك الذي زاده نهج التوافق و إدارة الإختلاف بالحوار باعتباره الوسيلة و الأداة الأكثر حفاظا على الديمقراطية و تكريسا لها قوّة، يظلّ مستهدفا بشكل خاصّ من خطابات الإقصاء و ثقافة الثأر و عدم الإعتراف بردّ الإعتبار للضحايا و هي خطوات جريئة تحتاج إلى شجاعة كبيرة من الطرفين و حتّى من الطرف الثالث الذي راوح بين الصمت و عدم العلم بما يحدث في الحقيقة، فمقولة “بقدّاش الكيلو نضال” التي أطلقها سمير بالطيب ربّما كانت أكثر إيلاما و عنفا لضحايا الفساد و الإستبداد من الفساد نفسه فحتّى التشريعات الإنسانيّة الوضعيّة تعترف و تنصّ على ردّ الإعتبار.

عندما كانت الديمقراطيّة و الثورة بكلّ عناوينها إنبعاثا جديدا لحياة سياسيّة سويّة تضمن فيها المبادئ الرئيسيّة للكرامة الإنسانيّة كان التخلّي عن منطق الثأر مقابل إعتذار و مكاشفة و محاسبة لمن أراد تتبع المسارات القضائية، كان ذلك خطوة شجاعة و قويّة من الضحايا نحو الإلتزام بحقوق الإنسان و بالحريات و بالنظر إلى المستقبل الذي تجتمع فيه أجيال جديدة على قواعد و مبادئ و قيم سامية أكبر من الإنتقام بل أنها تنفيه و تعترف بالتعايش في سقف قانون يحمي الجميع و يضمن حرياتهم و حقوقهم.

تعطلت عجلة العدالة الإنتقاليّة في تونس و بالتوازي معها إشتغلت آلة كبيرة لتشويه الثورة و الضحايا معا و كان لقلّة قليلة شجاعة الإعتذار من التونسيين جميعا بدون إستثناء فالشعب نفسه مطالب بأن يعتذر لبعضه على ما حدث زمن الطغيان و قد حدث ذلك في الثورة و بها و إن كان غير مسؤول عنه بشكل مباشر، و من هذا المنطلق أساسا كان ما أقدم عليه القيادي بنداء تونس أسامة الخليفي بقوله “نعتذر عن كل ما حصل في الماضي حتى و إن كنّا غير مسؤولين عنه ” شجاعة كبيرة و كان ما قوبل به هذا الإعتذار من هجمة هوجاء دليل آخر على أنّ قيمة الموقف الرمزيّة أساسا باعتباره متجاوزا لعقليّة “منظومة أنا أو لا أحد” الإستئصاليّة التي لا يعجبها العجب و لن يعجبها حتّى تسحق كلّ من يؤسّسون لما يجعلها و أصحابها معزولين بحكم تطرّفهم و بحكم عدم إختلاف طبائعهم عن طبائع الإستبداد نفسه بل لعلّهم يستعملون آلياته و خطاباته و حتّى تهمه المعدّة سلفا ضدّ كلّ من يختلفون معه.

لا يخفى على المتابعين أن هذا الإعتذار كان ثمرة ناضجة لمصالحة سابقة بين الضحايا و الدولة و كان لنهج التوافق في ذلك فضل القطع مع الدكتاتورية باعتبارها ثقافة فاسدة و مع الإستبداد و الإقصاء باعتباره جريمة و التأسيس لمناخات التعايش و الإختلاف المثمر باعتبارها ضامنا للديمقراطيّة.