مقالات مختارة

الأحد,3 أبريل, 2016
إدغار موران للعربي الجديد : لسنا أمام شباب تائه فحسب، بل أمام مثقّفين تائهين أيضًا

الشاهد_ يجب العودة إلى الوراء قليلًا، إلى المرجعية التاريخية. أثناء حرب أفغانستان، لم يحاول الأميركيون تشجيع الجماعات الأفغانية العلمانية أو المعتدلة بقيادة الزعيم أحمد شاه مسعود، ولم يدعموها، بل شجّعوا الجماعات المتطرّفة التي كانت تحركها أفكار دينية متزمتة وساندوها.

وكانت نتيجة ذلك، “ولادة” أسامة بن لادن وتنظيمه المتطرّف، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن سياسة الكيل بمكيالين هذه، التي كانت الدول العربية ولا تزال ضحيتها، شجّعت على نمو الحركات الإسلامية والجهادية.

بالإضافة إلى فشل النموذج الاشتراكي، بما فيه النظامين البعثي و”الديمقراطي” في البلدان العربية، ما فاقم من حدّة الأزمة، علاوة على أن هذه الدول نفسها، كانت مسرحًا لكثير من رهانات الحكّام المستبدّين.

وفي ظني، فإن سلوك الاحتقار والنبذ، قاد العديد من المواطنين إلى الانتفاض وإلى حراك راديكالي، حراك غير فردي، بل شمولي. عاينّا عن كثب إذن، ما يشبه فكّ عقدة الخوف كشكل من أشكال التحرر، الأمر الذي دفع بعض الناس، إن لم نقل غالبيتهم، إلى البحث عن الذات لدى الأسلاف، وفي العودة إلى الأصول الأوليّة للإسلام، وهو ما اعتبره الغرب إحياءً لعقلية الحقبة الصليبية.

تداعيات هذه الردّة وصلت حتّى إلى الشباب في ضواحي المدن الأوروبية، فقد وجد هؤلاء الشباب في أقوال بعض الفقهاء أو المرشدين الدينيين وفتاواهم، مفاتيح لخوض الجهاد وارتداء عباءة الصحابة. نحن أمام إعادة إنتاج لزمن ورسالة هما بحاجة إلى إبداع وابتكار جديدين. إذ إنّ التكرار والإعادة، كما يقول فرويد، هما أحد نظائر الموت.

نحن إذن، لسنا أمام شباب تائه فحسب، بل أمام مثقّفين تائهين أيضًا. لأن التطرّف لا يقتصر فقط على التطرّف الديني، بل يتعداه أيضًا إلى التطرّف الثقافي، بحيث إن أكبر المتطرّفين كانوا دائمًا ضمن المثقفين. وقد نعاين انبثاق “دكاترة للتطرّف”، ويحدث هذا في ظرف قاتم، الحرب السورية تعدّ إحدى مراحلها القصوى؛ فهي حرب أهلية بعدة فاعلين، وحرب دولية بعدة زبائن ووكلاء في آن واحد.

ولو أضفنا الحرب في اليمن، والحرب في العراق، الذي جرى تفتيته على أثر الغزو الأميركي، مع التكملة التي ألحقها تنظيم داعش، بحربه المقدّسة التي انخرط فيها المئات من الشباب المسلم والشباب الغربي المؤسلم، لتخيّلنا هذا الظرف القاتم.

وقد سبق لأندريه مالرو أن قال إن “الشجاعة مسألة تنظيم”، ويمكنني القول أيضًا إن “التطرّف مسألة تنظيم ونظام”؛ فهو انغلاق “هلوسي” داخل تنظيم إرهابي. لقد تعرّفت شخصيًا على بعض عناصر الألوية الحمراء الإيطالية التي كانت تعرّف نفسها كتنظيم إرهابي. كان عالمها ومجالها مغلقين. لم يكن لدى هذا التنظيم إحساس بمادية العالم الخارجي، بل كان غير مكترث البتة بإنسانية الآخر. الأفراد المنتظمون إليه يملكون إحساسًا واحدًا؛ إحساس الرفاق. ومن الصعب التخلّص من أسر هذا العالم. لكن بعض العناصر تمكنت من الخروج ومغادرة هذا العالم. وهذا المظهر، أقصد “جوّانية التطرّف”، لا نجده لدى الإرهابيين فحسب، فحين كنت مناضلًا في الحزب الشيوعي الفرنسي، صادفتُ شيوعيًا متطرّفًا؛ صديقي الفيلسوف جان توسان دو سانتي، الشيوعي التوتاليتاري بامتياز، قال لي ذات مرّة وببرودة أعصاب: “إن تطلّب الأمر قتل مئات الآلاف من الأشخاص بواسطة القنبلة الذرية السوفييتية، فيجب القيام بذلك”.

في كلتا الحالتين: في حالة التطرّف الديني والتطرّف الشيوعي، نحن إزاء تصوّر قروسطي، وإزاء نكوص بدائي للفكر. سبق لي في مؤلّف بعنوان “في طبيعة الاتحاد السوفييتي”، أن أوضحت بأن الشيوعية هي عبارة عن قناع يحجب الحقيقة التي تدّعي تسميتها والتعريف بها. لأن الاتحاد السوفييتي، ذلك المفهوم السحري والغامض، يعتبر أكبر تجربة وأخطر سؤال عشته في حياتي.

ولو تذكّرنا أنه في القرن الخامس عشر كانت أوروبا الغربية مسيحية وتحت سلطة مسيحية دموية، إذ إن السيادة وقتها كانت للحروب الصليبية، ولمحاكم التفتيش، ولإعدام اليهود في محارق جماعية، فلا نجد أية صعوبة للقول إن العنف والبربرية هما القاسم المشترك للإنسانية. وبناءً على ذلك، فإن تنظيم داعش يندرج ضمن هذه المنظومة.

المفارقة، هي أن الغرب يبدي امتعاضه وتقزّزه من بشاعة داعش، لكنه نسي أو تناسى بأنها صنوٌ ورديفٌ لما اقترفه في السابق. ثمّ أليست حروب بوش الأب والإبن، حروب بدائية وذات عقلية صليبية؟ على أية حال، فإن داعش هو قوس دامٍ آيل إلى الزوال. وفي ظنّي، فإن الرهان على التربية والتنشئة، وبالأخص تربية الشباب، هو مسألة أساسية وحيوية. هنا في فرنسا، لم تجتمع هذه الشروط بعد للقيام بهذا العمل.

 

 



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.