سياسة - عالمي دولي

السبت,22 أغسطس, 2015
إدارة أوباما طلبت من أوكرانيا عدم مقاومة غزو بوتين لها

الشاهد_عندما استولت قوات الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، على شبه جزيرة القرم في أوكرانيا أوائل عام 2014، ناقشت الحكومة الأوكرانية المؤقتة ما إذا كان عليها الرد على “الرجال الخضر الصغار” الذين كانت روسيا قد نشرتهم أم لا. ولكن الرسالة القادمة من إدارة باراك أوباما كانت واضحة، وهي: تجنّبوا المواجهة العسكرية مع موسكو.

وكانت رسالة البيت الأبيض إلى كييف من باب المشورة، وليس الأمر، واستندت إلى مجموعة متنوعة من العوامل، وفقًا لما قاله لنا مسؤولون أمريكيون وأوكرانيون مؤخرًا. وكان هناك حينها عدم وضوح حول ما كانت روسيا تفعله حقًا على أرض الواقع. ولم يكن الجيش الأوكراني في حالة تمكنه من مواجهة قوات العمليات الخاصة الروسية، التي كانت تحتشد في شبه جزيرة القرم. وعلاوةً على ذلك كله، كانت الحكومة الأوكرانية في كييف إدارة مؤقتة فقط، حتى تقوم البلاد بالتصويت في الانتخابات بعد بضعة أشهر. وقال مسؤولون أوكرانيون لنا إن الحكومات الأوروبية الأخرى أرسلت إلى كييف رسالة مماثلة للرسالة الأمريكية.

ولكن مصدر القلق الرئيس كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وكما قال لنا مسؤولون أمريكيون في الآونة الأخيرة، كان البيت الأبيض يخشى من أن قتال الجيش الأوكراني في شبه جزيرة القرم من شأنه أن يعطي بوتين مبررًا؛ لشن تدخل عسكري أكبر في أوكرانيا، وذلك باستخدام منطق مشابه لما فعلته موسكو في عام 2008، عندما غزا بوتين أجزاء كبيرة من جورجيا، في رد على هجوم استباقي من قبل حكومة التبليسي. وما زالت القوات الروسية تحتل مقاطعتين في جورجيا حتى يومنا هذا.

وعند النظر إلى الوراء مرة أخرى، يشير العديد من الخبراء والمسؤولين اليوم إلى أن قرار عدم الوقوف، والقتال في شبه جزيرة القرم شكّل بداية لسياسة أوكرانيا التي تعتمد على افتراض أن تجنب الصراع مع موسكو؛ من شأنه تخفيف عدوانية بوتين. ولكن هذا التقدير كان خاطئًا. وبعد نحو عامين، أصبحت القرم طي النسيان، القوى الانفصالية المدعومة من روسيا تسيطر على مقاطعتين أوكرانيتين كبيرتين، والوقف الهش لإطلاق النار بين الجانبين معرضٌ لخطر الانهيار.

وقال دامون ويلسون، وهو نائب رئيس البرمجة في المجلس الأطلسي: “جزء من النمط الذي نراه في السلوك الروسي هو الاختبار، والسبر عندما لا تواجه موسكو المعارضة“. وأضاف: “طموحات روسيا تنمو؛ عندما لا يتم الطعن بها منذ البداية. كان لدى بوتين سياسة من الإنكار عندما لعب في شبه جزيرة القرم. كان من الممكن أن تكون هناك فرصة لروسيا للرجوع إلى الوراء“.

وعندما استولت قوات العمليات الخاصة الروسية، والوحدات العسكرية، وضباط المخابرات، على شبه جزيرة القرم، كانت موسكو قد فاجأت الحكومة الأمريكية. وكان محللو المخابرات قد أطلعوا الكونغرس قبل 24 ساعة فقط من الغزو، قائلين إن زيادة القوات الروسية على الحدود الأوكرانية مجرد خدعة. وكانت الحكومة الأوكرانية، التي تم تجميعها معًا بعد فرار الرئيس فيكتور يانوكوفيتش من كييف إلى روسيا نتيجة الاضطرابات المدنية، في حالة أزمة. وكانت البلاد تستعد للانتخابات؛ وكان جيشها متهالكًا إلى حد كبير، وغير مستعد للحرب.

وكان هناك جدل داخل حكومة كييف كذلك. وجادل البعض حينها بأن على الأمة أن ترسل قواتها إلى شبه جزيرة القرم للرد. وكجزء من هذه العملية، طلبت الحكومة الأوكرانية من واشنطن تحديد الدعم الذي ستوفره الولايات المتحدة لجيشها. وكان الأوكرانيون يعرفون أن أي عملية عسكرية للدفاع عن شبه جزيرة القرم، لا يمكن أن تحصل على فرصة كبيرة للنجاح من دون مساعدة أمريكية سريعة، وضخمة.

وقال آندرو فايس، وهو خبير روسي ونائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي: “لا أعتقد أن الجيش الأوكراني كان معدًا بشكل جيد لإدارة تحدي التوغل العسكري الروسي الكبير في أراضيه“. وبالفعل، كان هذا أيضًا رأي الكثيرين في مجتمع الجيش، والمخابرات الأمريكية في ذلك الوقت.

وكان هناك أيضًا بوتين. وفي الأسابيع والأشهر التي سبقت عملية شبه جزيرة القرم، كان الرئيس الروسي يثير سكان بلاده حول التهديد الذي يواجهه المتحدثون باللغة الروسية في أوكرانيا، وغيرها من الجمهوريات السوفيتية السابقة.

وقال ويلسون، الذي كان مدير أوروبا في مجلس الأمن القومي عندما غزت روسيا جورجيا في عام 2008: “لقد كانوا في مواجهة فخ. أي رد فعل عنيف أوكراني ضد أي من هؤلاء الناطقين بالروسية كان سيلعب في صالح رواية بوتين، التي تقول إن إجراءات أوكرانيا تهدد الحياة الروسية، وسيكون لديه بالتالي ذريعة ليقول إنه قام بإرسال قوات روسية لإنقاذ الروس المهددين“.

وقد امتنع البيت الأبيض عن التعليق على أي من الاتصالات الداخلية مع الحكومة الأوكرانية. وقال مسؤول كبير بالإدارة إن الولايات المتحدة لا تعترف باحتلال روسيا، ومحاولة ضم شبه جزيرة القرم. وأشار المسؤول إلى سلسلة من العقوبات التي وضعتها الولايات المتحدة وأوروبا على روسيا منذ بداية أزمة أوكرانيا. وأضاف: “نحن لا نزال ملتزمين بمواصلة الضغط على روسيا؛ للوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية مينسك، وإعادة وحدة أراضي أوكرانيا، بما في ذلك شبه جزيرة القرم“.

ومنذ ضم شبه جزيرة القرم في مارس 2014، دعت مجموعة من كبار المسؤولين داخل الإدارة الأمريكية -دون جدوى- أوباما للموافقة على تقديم المساعدة للجيش الأوكراني. وبحسب ما ورد، شملت هذه المجموعة من المسؤولين وزير الخارجية، جون كيري، ومسؤولة أوروبا في الوزارة، فيكتوريا نولاند، ووزير الدفاع، آشتون كارتر، والجنرال فيليب بريدلوف، القائد الأعلى لحلف الناتو.

وفي اجتماعات مغلقة، قال أوباما للمشرّعين إن قراره بعدم تسليح الأوكرانيين يرجع جزئيًا إلى الرغبة في تجنب المواجهة العسكرية المباشرة مع روسيا، وفقًا لما قاله لنا نائب جمهوري التقى مع أوباما للنقاش حول هذا الموضوع. وقد تعهدت الولايات المتحدة بقدر كبير من المساعدات غير الفتاكة للجيش الأوكراني، ولكن تسليم هذه المساعدات تأخر في كثير من الأحيان. وفي الوقت نفسه، استمر التدخل العسكري الروسي المباشر في شرق أوكرانيا على مستوى عالٍ.

ويعترف حتى مسؤولو روسيا السابقون في إدارة أوباما بأن قرار أوكرانيا العام الماضي بالتنازل عن شبه جزيرة القرم لصالح موسكو، والذي كان يبدو منطقيًا في ذلك الوقت، أدى إلى مزيد من العدوان من جانب بوتين.

وقال مايكل ماكفول، الذي شغل منصب سفيرًا إلى روسيا في عهد أوباما، وهو الآن باحث في معهد هوفر في جامعة ستانفورد: “هل خدمت الهزيمة المدمرة في شبه جزيرة القرم مصالح الحكومة المؤقتة؟ ربما لا“. ولكنه أضاف إن السهولة التي استطاع بوتين أخذ القرم بها أثرت على الأرجح في قراره بتوسيع حملة روسيا في شرق أوكرانيا: “أعتقد أن بوتين استغرب من سهولة حصوله على القرم. وبالتالي، عندما قال له أحدهم دعونا نرى ماذا يمكننا أن نفعل أيضاً، قرر بوتين المقامرة“.

ولا تزال إدارة أوباما تسعى لإعادة العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا. وبعد فترة طويلة من الجفاء، شكلت زيارة كيري لبوتين في شهر مايو بدايةً لجهد واسع؛ لبحث أوجه التعاون بين الولايات المتحدة، وروسيا حول مجموعة من القضايا، بما في ذلك الحرب السورية. وبالنسبة للبيت الأبيض، تعد أزمة أوكرانيا مشكلة واحدة في علاقة استراتيجية أوسع نطاقًا بين القوتين العالميتين.

ولكن بالنسبة للأوكرانيين، يعتبر التدخل العسكري المستمر لروسيا في بلادهم قضية وجودية، وهم يتوسلون للحصول على المزيد من المساعدة.

وفي حين وافق العديد من الأوكرانيين في أوائل عام 2014 على أن القتال ضد روسيا يشكل مخاطرة كبيرة جدًا، تغيرت حسابات الأوكرانيين الآن؛ حيث يقاتل الجيش الأوكراني القوات الروسية، ويهدد بوتين من جديد بمزيد من التدخل؛ لمنع حصول أوكرانيا على المزيد من الدعم الغربي. وفي حال لم تأت هذه المساعدة، قد يستنتج بوتين أنه لن يدفع ثمنًا لقاء المزيد من التدخل في أوكرانيا.

بلومبرغ فيو



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.