مقالات مختارة

الثلاثاء,19 يناير, 2016
إحياء الآثار السودانية بأموال قطرية.. ما الحكاية؟

الشاهد_عندما تُذكر دولة السودان، فإن الصورة التي تحضر في أذهان الكثير من الناس عن هذه الدولة، تكون عبارة عن مشاهد للحروب والنزاعات التي عانت منها طويلًا، بالإضافة للجفاف والفقر، ولكن هناك جانب آخر حجبته سوداوية تلك الصورة، ويتثمل في المخزون الأثري الكبير الذي تحظى به السودان.

 

ويرى علماء الآثار في البعثات الموجودة هناك، أنه إذا ما تم استغلال المواقع الأثرية بشكل صحيح، واستخراج ما في باطنها من أسرار، فمن الممكن أن تنافس السودان دولًا معروفة بإرثها الحضاري مثل مصر واليونان وروما.

 

ولكن فكرة تمويل البعثات الأثرية في السودان، لم تنفذ على الأرض بشكل دائم، إلا بعد مبادرة دولة قطر للتعاون مع الحكومة السودانية، في “المشروع القطري السوداني للآثار”، والذي منحت قطر السودان من أجل تنفيذه تمويلًا بقيمة 135 مليون دولار.

 

بالطبع أثارت هذه الخطوة القطرية التساؤلات الكثيرة، حول كيفية نشأة المشروع وأهدافه، والمراحل التي سيمر بها، وأثره على السياحة السودانية، وهذا ما سنتعرض له في هذا التقرير.

 

كيف بدأ المشروع؟

 

نشأت فكرة المشروع بعد لقاء عقده أمير دولة قطر السابق الشيخ “حمد آل ثاني” مع الرئيس السوداني “عمر البشير”، في عام 2008، تحدثا فيه عن الآثار السودانية، وعدم معرفة العالم بها رغم أهميتها، وأبدى الشيخ حمد استعداده للمساعدة في الكشف عن الآثار السودانية والحفاظ عليها وتسويقها، وعلى الجانب الآخر تلقى الرئيس السوداني العرض القطري بكل جدية، وتكررت اللقاءات والزيارات بين المسئولين في الدولتين، وعُقدت العديد من ورش العمل في الخرطوم والدوحة شارك فيها مختصين في الآثار السودانية.

 

واستمر الأمر كذلك حتى تمت الموافقة على ميزانية تنفيذ المشروع في عام 2012، والتي بلغت 135 مليون دولار، ويعد هذا المبلغ هو أكبر مبلغ تم تقديمه لدعم الآثار السودانية، ووقعت الاتفاقية بين البلدين، وبلغ المدى الزمني للمشروع خمس سنوات بدأت فعليًا منذ عام 2013. وبجانب هذا المشروع فهناك أيضًا مشروع آخر منفصل تقوم بتنفيذه البعثة القطرية بهدف الاستكشاف الأثري في أهرامات السودان، وتم الاتفاق على تنفيذه خلال سبع سنوات بدأت في عام 2015.

 

أهرامات “البجراوية” الأكثر أهمية

 

بالرغم من أن كلمة الأهرامات مرتبطة بمصر، إلا أن السودان يوجد بها 230 هرمًا، ولكن حجمها أصغر من الأهرامات المصرية، وتتوزع تلك الأهرامات في ثلاثة اتجاهات وهي: الأهرامات الشمالية والجنوبية والغربية. وقد بدأت البعثة القطرية في منتصف عام 2015 بالعمل على ترميم وتأهيل 53 هرمًا من تلك الأهرامات، الموجودين بعدة مناطق أثرية مثل “البجراوية”، و”جبل البركل”، و”الكرو”، و”نوري”، ويتضمن عمل البعثة فتح الغرف الجنائزية للأهرامات، وتأهيلها ودراسة ما بها من آثار.

 

وأهم تلك المواقع الأثرية أهرامات “البجراوية” والمسجلة بقائمة التراث العالمي لليونسكو، وتولي قطر تلك الأهرامات أهمية خاصة، حيث قامت بإجراء عمليات المسح الطبوغرافي والجيوفيزيائي والتصوير ثلاثي الأبعاد بالليزر عليها، وأسندت مهمة العناية باستكشاف آثارها إلى فريق من الخبراء متعدد الجنسيات، و”البجراوية” هي سلسلة من القرى الواقعة على بعد 250 كليو مترًا شمال العاصمة السودانية الخرطوم، وتنتشر بها بقايا معقل المملكة المروية القديمة، والتي كانت قائمة في الفترة الزمنية من القرن الثامن قبل الميلاد إلى القرن الرابع.

 

وعلى الرغم من أن تلك الأهرامات تعرضت للنهب من الآثاريين الأوربيين الذين زاروها في القرن التاسع عشر، إلا إنها ما زالت تحوي الكثير بداخلها، فهؤلاء الآثاريون كانوا يجهلون وجود قنوات مقابر جوفية تمتد على أمتار من كل هرم جهة الشرق، وهذه القنوات تؤدي في النهاية إلى حجرة الدفن، المليئة بالتماثيل والمجوهرات.

 

وتعد “البجراوية” موقعًا من 32 موقعًا أثريًا، تعمل البعثة القطرية على استكشافها والعناية بها في مختلف أرجاء السودان، وقامت قطر بتشييد معسكر بالبجراوية أطلق عليه اسم “دوحة مروي”، ومعسكر آخر بجبل البركل أطلق عليه اسم “دوحة البركل”، بهدف إيواء وخدمة خبراء الآثار العاملين في المشروع، وسيتحول المعسكرين بعد انتهاء عمل البعثة إلى منشآت فندقية لاستقبال وإقامة السائحين.

 

وزير السياحة يدعو المستثمرين وبالأخص القطريين!

 

في نهاية عام 2015 وجَّه وزير السياحة والآثار السوداني دعوته للمستثمرين العرب للقدوم إلى السودان، للاستثمار في المشاريع السياحية، مؤكدًا على أن بلاده نجحت في استقطاب أكثر من 850 ألف سائح عربي وأجنبي في العام الماضي، والذين تشجعوا على المجيء بعد تمتع السودان بوضع أمني مستقر نتيجة انحسار الحروب.

 

ومن أهم الفرص التي عرضها وزير السياحة على المستثمرين استغلال أكثر من 700 كيلو متر على ساحل البحر الأحمر، لافتًا أن الأولوية ستمنح للمستثمرين القطريين لإقامة مختلف المشاريع السياحية من منتجعات وجزر في تلك المساحة، وذلك لما قامت به قطر في شمال السودان من جهود لإحياء التراث والحضارة. وبلغة الأرقام فإن نسبة زيادة عدد السياح في عام 2015 بلغت 7.7% عن عام 2014 بعائد إيرادات بلغ 930.719 مليون دولار، بنسبة زيادة بلغت 8.1% عن عام 2014، ومن المتوقع أن يتضاعف عدد السياح في عام 2016 حسب تصريحات مسئولين في الحكومة السودانية.

 

ولكن توقعات منظمة السياحة العالمية لا تسير في هذا الاتجاه، حيث أكدت على أن أعداد السياح في السودان من المتوقع أن تبلغ 912000 سائح فقط، وهو عدد منخفض بالمقارنة مع جارتها الشمالية مصر والتي من المتوقع أن يزورها في 2016 أكثر من 10 ملايين سائح.

 

وعلى المدى البعيد يتوقع السودانيون أن ينعش المشروعُ السياحةَ العالمية ببلدهم، والتي ستستفيد من هذا المشروع الجديد من خلال مجيء السياح من مختلف دول العالم للتعرف على تاريخهم، وهذا ما ستكشف الأيام المقبلة عن حقيقته!

 

ما الذي سيعود على قطر من وراء المشروع؟

 

من وجهة نظر المنسق العام للمشروع الأثري، فإن الدافع الحقيقي لجزء كبير من المشروع يكمن في ترويج الثقافة، ويدلل على ذلك بأنه لطالما شجع القطريون إنشاء المتاحف، ونشر الفن بشكل عام، ولكن لم ينفِ أن هناك ملامح رئيسية أخرى للمشروع، مثل حفظ الموقع وإدارته واستغلاله سياحيًا وتنميته.

 

وأكدت وسائل الإعلام السودانية أن الأموال المقدمة من الحكومة القطرية ستمنح قطر حق إدارة الآثار والمواقع السياحية السودانية، ولكنها لم تتطرق إذا ما كان انتهاء المدى الزمني للمشروع المحدد بخمس سنوات سيعني توقف الحق القطري في إدارة الآثار أم لا.

 

عبد الرحمن ابو الفتوح



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.