كتّاب

السبت,25 يونيو, 2016
أي دور للإسلام في السياسة؟

سمية الغنوشي

السؤال المحوري الذي يُطرح اليوم في اجواء الأزمات والصراعات التي تعصف بالعالم الاسلامي والتي تختلط فيها معطيات السياسة بالدِّين، وصعود موجات الاٍرهاب والعنف الذي يشرعن نفسه بالإسلام، هو ما موقع الاسلام في السياسة؟ او ما الموقع الذي يجب ان يشغله في السياسة والحياة العامة؟ وهل يمكن ان يلعب دورا بناءا في الساحة الداخلية والدولية اليوم؟

لا شك ان الاسلام شأنه في ذلك شأن الديانات التوحيدية الكبرى ليس على نمط واحد او صورة واحدة، بل خضع في التاريخ ولا يزال لخيارات تأويلة مختلفة، تتراوح بين التشدّد والانفتاح، والمنحى النصي والعقلاني، والبعد الروحي الزهدي والجهادي السياسي وغيرهما.

لقد كان اداء الاسلام التاريخي في المجمل أفضل من المسيحية الوسيطة حيث امتزج مع التسامح و التعدد الديني والاثني ونشأت في احضانه مدارس كلامية وفقهية وتيارات فلسفية متنوعة. كانت قصور الأمراء والسلاطين عامرة بالمناظرات الفكرية والعلمية بين اللغويين والفلاسفة والفقهاء والمتكلمين من كل الاتجاهات في اجواء من السماحة العالية، وذلك خلافا للطابع الانفجاري والعنيف الذي تتسم به الكثير من تعبيرات الاسلام اليوم.

كنت تحدثت في مرات سابقة بانه لا يوجد اسلام جوهري في حد ذاته خارج ظروف الزمان والمكان، بل يوجد اسلام متأثر بأوضاع البيئة السياسية والثقافية العامة التي يشتغل ضمنها. ولسوء الحظ فان اجواء الصراعات والانقسام والتدخلات الخارجية التي تعصف بالعالم الاسلامي في مواقعَ عدةٍ اليوم تؤثر الى حد كبير على التعبيرات السياسية والاجتماعية الاسلامية.

الاسلام في ماليزيا او اندونيسيا أو سلطنة بروناي مثلًا، والتي تتمتع كلها بنوع من الاستقرار السياسي العام، يبدو هادئا ومسالما، مثلما يمثل طاقةً محفزةً على التنمية السياسية والاقتصادية، في حين ان أفغانستان والعراق وسوريا مثلا التي تعاني كلها من أزمات سياسية وتدخلات عسكرية خارجية، تبدو فيها التعبيرات الاسلامية في حالة هيجانٍ وعنف.

هذا ما يؤكد ان المناخ السياسي العام يوجه الى حد كبير الخياراتِ الثيولوجيةَ والاتجاهاتِ الفكريةَ في العالم الاسلامي. طبعا هذا ليس قانونا فيزيائيا حتميا، ولكنه يفسر الملمح َالعامَ للخارطة الفكرية والدينية في العالم إسلامي.

يبقى السؤال المطروح هنا هو ما هو الموقع السياسي الذي يمكن ان يشغله الاسلام في وضع طبيعي وصحي؟ وما معنى أن يعتمد سياسي أو حزب ما المرجعية الاسلامية؟ وهل أن العلمنة هي الخيار الحتمي والأمثل ضرورة للعالم الاسلامي؟ خلافا للتصورات السائدة بان الدين يفقد موقعه تدريجيا لصالح التصورات الدّهرية تساوقا مع تقدم مشروع التحديث، فان الظاهرة التي تشد الانتباه في العالم الاسلامي هي ان الاسلام لا يزال يشغل مواقع متقدمة في الحياة العامة والخاصة للمسلمين، وهو اكثر فاعلية بين الفئات الحضرية والمثقفة منه بين الفئات الريفية وقليلة الحظ في التعليم.

الفتاة الحضرية الجامعية تبدو أكثر تديّنًا اليوم من المرأة الريفية الأمية التي لم تغادر حدود قريتها النائية قطّ، بما يؤكد انه لا يوجد ارتباط حتمي وخطي بين العلمانية وانتشار التحديث والتعليم. التحدي المطروح اليوم ليس ان يوجد الاسلام او لا يوجد، بل ما هو الشكل الأفضل والأنسب الذي يحضر به الاسلام؟

يمثل الاسلام مصدرا للقيم الاخلاقية والروحية العامة، وبهذا المعنى يمكن ان يشكل طاقةً حيويةً لدعم قيم العدالة والمساواة والتعاون والتعارف بين البشر، سواء حضرت هذه القيمُ العامة بصورة مباشرة بالإحالة الى مصدرِها الديني، او من خلال تحولها الى قيمٍ مدنيةٍ عامةٍ مساعدةٍ على تماسك النسيج الاجتماعي ودعم أسس العيش المشترك.

صحيح ان السياسة هي بحث عن المصالح في ظل توازنات القوة، بيد ان استلهام هذه القيم الاسلامية العامة يساعد على توجيه السلوك السياسي وضبطه بالقيم الاخلاقية والروحية.

كما ان الاسلام يتمثل فيما يمكن تسميته بالثقافة السياسية التي تزود الأفرادَ والمجموعاتِ بالمخزونِ الرمزيِّ والدلالي المنتج للخطاب والموجّه للسلوك. السياسي الذي يستند الى المرجعية الاسلامية هو ذلك الذي يستلهم هذه القيم العامة في مجال نشاطه ويعتبرها موجهة لخطابه وفعله السياسي.

لقد اكتسبت الحداثة بتعبيراتها المختلفة بعدا كونيا فرض نفسَه على جميع الثقافات والحضارات. ورغم غلبة البصمة المسيحية المعلَنة على هذه الحداثة، الا انها في الحقيقة مُنتَج لتتالي الثقافات والحضارات عبر قرونٍ عّدة. الحداثة ليست كيانا ميتافيزيقيا مجرّدا، بل هي مسار تاريخيّ غير مكتمِل ينفتح على إمكانات متعدّدة. من هنا تتأتّى أهمية الاسلام المعاصر في التفاعل مع رصيد الحداثة أخذا وعطاءا، بما في ذلك فكرة المواءمة بين الاسلام والديمقراطية، لانتاج حداثة (او حداثات) إسلامية تستفيد من مكتسبات الثقافة الكونية، ولكنها تتغذى من مَعين ومختزنات الثقافة الإسلامية بتوجهاتها الاخلاقية والروحية.

المطلوب من السياسي المسلم إذن هو ان يتغذى من هذين المنبعين الذين لا غنًى عنهما: الاسلام والقيم الحديثة وأن يمزج بينهما.

إن الدولة الأفضل للعالم الاسلام برأيي هي المحايدة التي لا تحتكر الدين ولاتنصّب نفسها وصيةً على ضمائر الخلق، بل يقتصر دورها على تنظيم اختلافات المجتمع وضمان حريّات الناس وحماية الأمن العام. ولكنّ حيادَها إيجابيٌّ بمعنى انها تحترم ثقافة المجتمع وقيمَه العامةَ من دون تدخل او اكراه.

المطلوب من هذه الدولة هو ان تحمي حرية الاعتقاد والضمير وتتيح المجال امام الناس للتعبير عن افكارهم وعقائدهم بصورة حرة. بهذا تنطبع بروح المجتمع ووجهته العامة دون ان تكون طائفيّةً او عقائدية تستولي على الدين والعقائد لتوظفهما لاجندتها الخاصة.

من الصّعب ان يقتصر دور الاسلام على الحيّز الخاصّ وداخل حدود المسجد، فللإسلام ابعاد اجتماعية وسياسية لا يمكن إنكارها. ربما يعود هذا في جانب من جوانبه لكون الاسلام دينا دنيويا اقترنت بداياته وتطوره بنشأة الدولة، خلافا للمسيحية التي ارتبطت ولادتها بالاضطهاد والخضوع لسطوة الدولة الرومانية. من ثمّ فانّ حضورَ الاسلام سيظل فاعلا ونشيطا في الحياة العامة للمسلمين.

يبقى التحدي المطروح هنا هو: كيف يمكن ان يلعب الاسلام دورا إيجابيا وبنّاءا في إطار فضاءٍ عام مفتوح ومتنوّع امام سائر التعبيرات الدينية، بعيدا عن كل أشكال العنف والتعصّب؟

ربما تمثل العلمانية الامريكية نموذجا يمكن الاستفادة منه في هذا الصدد، إذ أنها تبدو في نواح عديدة الاقرب لروح العالم الاسلاميّ. فقد انطبعت هذه العلمانية الى حدّ كبير بروح الثقافة المسيحية الأغلبية، ورغم انها فصلت بين الكنيسة والدولة، الا انها فسحت المجال العام امام سائر التعبيرات الدينية والروحية.

هذا النمط من العلمانية يسمح للدين ورموزه بالحضور الفعال في الحياة العامة الأمريكية، خلافا لللائكية الفرنسية التي تراهن على تطهير المجال العام من سائر التعبيرات الدينية وحصرها فى الحياة الخاصة والكنائس.

هل معنى ذلك اننا ننادي إلى ضرب من العلمانية الاسلامية؟ جوابي انه لا ضرورة للدخول في جدل المفاهيم والمصطلحات، خاصة وان كلمة “علمانية” تعدّ من اكثر المصطلحات غموضا وإشكالا. العبرة بالمضامين. ما هو أساسي بالنسبة لي هو تحقيق المعادلة المنشودة بين احترام ثقافة المجتمع المسلم وقيمه من جهة ومطلب الحرية من الجهة الأخرى وبين مقتضيات الهوية وواقع التعدّد، علّ مجتمعاتنا الاسلامية تتعافى وتستعيد توازنها واستقرارها المفقودين.