الرئيسية الأولى

الخميس,10 مارس, 2016
أيّ مصادفة هذه؟!رأس الغنوشي مطلوب للجماعات الإرهابيّة و الشاشات التحريضيّة معا

رسائل بالجملة عنوانها واحد “التونسيّون يوفّرون حاضنة شعبيّة للقوّات الحاملة للسلاح للذود عن الوطن ضدّ الإرهاب”، عكس ما كان يتصوّره البعض أو يلمّح له بشكل مباشر أو غير مباشر عن بعض المناطق و الجهات من البلاد لغايات إنتخابويّة و سياسويّة ضيّقة، “وطني قبل بطني” هكذا قال مبروك الموفّق والد الطفلة الشهيدة أسماء الموفّق التي سقطت في عمليّة بن قردان الإرهابيّة و هي لم تبلغ الأربعة عشر ربيعا بعد في أوّل تصريح له، “يا داعش صبرك صبرك، بن قردان تحفر قبرك” هكذا ردّد الآلاف في تشييع حثامين 11 شهيدا زفّتهم مدينة بن قردان أمس الإربعاء، بحليّها و بالزغاريد شيّعت في قابس أمّ مكلومة جنازة إبنها العسكري الذي سقط في المواجهات، كلّ هذه الرسائل لا تبدو مفهومة للبعض و على الأرجح فلن يفهموها لا فقط لضيق أفقهم السياسي و الحزبي و الإيديولوجي و لكن أيضا لجهلهم بتضاريس تونس التي أسقطت الطغاة على أرضها و بشعبها الذي ما إنفكّ يبهر العالم بالدروس و الأمثلة الحيّة على إرادة الإنعتاق و التحرّر من كلّ مشاريع التسلّط يمينا و يسارا.

“إرهاب الجماعات” في تونس بات ملفوظا و مقبورا و محكوما عليه بالفشل و الإنتهاء في تونس رغم الضربات الموجعة التي وجّهها للتجربة الناشئة و قد بات إرهابا مرفوقا بإرهاب لعلّه أدهى و أمرّ و لعلّه يتقاطع معه موضوعيّا ليثبت لمن لا يريد الربط بين الإثنين وجود علاقة ميكانيكيّة بين الإثنين، “إرهاب الشاشات” الذي يستثمر في الدماء و يتاجر بالنعوش و يشعل فتيل فتنة ضحك التونسيّون عليها و هم في الساحات و ضحكوا عليها ثانية و هم في الخلوات أمام صناديق الإقتراع و عاقبوا أهلها شرّ عقوبة بأنّ جعلوهم في أسفل سلّم إهتماماتهم السياسيّة و مع ذلك يواصلون، في البداية كانت المساجد ثمّ “الإسلاميّون” و مرّوا بعدها مباشرة إلى هدفهم الصحيح الخفيّ، وضع حركة النهضة في الزاوية و إلصاق تهمة الإرهاب إليها.

ليس غريبا أن “أنزيمات” النظام البنفسجي تسري في عروق هؤلاء كالكريّات البيضاء تماما بحكم أدوارهم بالوكالة عن الجهاز الإيديولوجي للنظام السابق و لا أن يمارسوا ضروب “الدجل السياسي” بعد أن ضربتهم الصناديق بل لعلّهم بعد الضربات قد خرجوا على حقيقتهم في صورة مفزعة، دعوات للقتل و التنكيل و السجن و المحاكمة ما فتئت تملئ شبكات التواصل الإجتماعي و شحنات من الحقد الذي لا يختلف في شيء عن “الحقد الداعشي” الأعمى ما فتئت تملئ خطابات بعضهم حتّى تحسبهم و الدواعش “فرقتان إختلفتا فإتّفقتا”.

أيّ مصادفة هذه؟! في نفس اليوم الذي تصدر فيه “داعش” بيان تبنّيها للعمليّة الإرهابيّة الجبانة للن قردان على الحدود التونسيّة الليبيّة و تتوعّد فيه رأسا زعيم حركة النهضة راشد الغنّوشي و الحكومة التونسيّة و مؤسستيها الأمنية و العسكريّة تصدر شخصيات و أحزاب سياسيّة مواقف تتّهم فيها النضة بالنقيض تماما، و الأغرب ربّما أن أكبر متضرّر كان في السنوات الثلاث الأخيرة من العمليّات الإرهابيّة الجبانة هو حركة النهضة و هذا ما يعلنه العقلاء من الذين إستوعبوا جيّدا أنّ هذه الظاهرة إنّما لا تواجه بأساليب مشتقّة من أساليبها و من أدركوا ككلّ عالم أنّ هذه ظاهرة عابرة للقارات ليست حكرا على تونس، و مع ذلك يصرّون على أن يجعلوا حركة النهضة “متّهمة حتّى يتمّ الإنتقام من فوزها بالإنتخابات”.

الإتّهامات الموجّهة لحركة النهضة صدرت كلّها في تصريحات و بيانات صادرة بعد البيان الصادر عن حركة النهضة نفسها التي كانت المبادرة بعقد إجتماع طارئ و عاجل لمكتبها التنفيذي لمتابعة الوضع الدقيق في بن قردان وقعه زعيمها راشد الغنوشي و وصف فيه هجوم بن قردان بـ”الغادر” و”الخطير” كما وصف الجهاديين الذين قاموا به بـ”عصابات إجرام إرهابي” و هي ليست المرّة الأولى التي تصفهم فيها كذلك بل لعلّها الصفات الواردة دائما في مثل هذه الظروف على لسان قياداتها و في بياناتها و هي التي بادرت إلى دعم منهج التوافق و التركيز على الوحدة الوطنيّة و اللحمة الأهليّة لتوفير الدعم للقوّات الحاملة للسلاح و للدولة في حربها ضدّ الإرهاب.

الأغرب من إتّهام حركة النهضة، الذي لا يجتهد أحد في نفيه بحكم إعتباره تعبيرة من تعبيرات العمى الإيديولوجي، أنّ ينهال بعضهم على زعيمها راشد الغنّوشي على خلفيّة تحوّله إلى السودان لحضور جنازة المفكّر و السياسي الإسلامي حسن الترابي الذي توفّي السبت 5 مارس متّهمين إيّاه بترك جنازات شهداء العمليّة الإرهابيّة ببن قردان و التوجّه إلى جنازة في السودان، مكمن الغرابة أوّلا أنّ المتّهمين لم يتحوّلوا لحضور الجنازة التي هاجموا الغنّوشي بالتغيّب عنها و ثانيا أنّ حضوره في جنازات شهداء سقطوا في مواجهة الإرهاب كان مدخلا للتهجّم عليه و شيطنته و إتّهامه فالتوظيف السياسي من طرف نفس المتّهمين له اليوم.

لا تحصى التناقضات و لا تعدّ في الحملة التي تستهدف حركة النهضة و زعيمها هذه الأيّام و بالتزامن مع كلّ ظرف طارئ تمرّ به البلاد و لكنّ الثابت بما لا يدع مجالا للشكّ أنّه لا تناقض في مواقف الحركة و زعيمها من ضرورة الحفاظ على السلم الأهلي و التجربة الديمقراطيّة عبر ثقافة الحوار و نهج التوافق و لا تناقض في مواقفها و مواقف زعيمها من الغلوّ و التطرّف و الطروحات الشموليّة التي تعبّد طرق الدكتاتوريّة و ترسي الإقصاء سبيلا للحكم.

مجول بن علي