كتّاب

الجمعة,19 فبراير, 2016
أيّ دور للمنهج المقاصدي في “تَونسة” حركة النهضة التونسية؟

 

عادل بن عبدالله

 

مع اقتراب موعد المؤتمر العاشر لحركة النهضة التونسية، تتباين الانتظارات والتساؤلات والتخمينات حول مدى جدية الحركة –أو مدى قدرتها عمليا- على الحسم في بعض القضايا العالقة من مثل العلاقة بين الحزبي والدعوي أو هوية الحزب أو الهيكلية الجديدة المقترحة لتسييره. ويلاحظ المُطّلع على مستخلص المضامين الأساسية التي سيتم عرضها على المؤتمر القادم للحركة أن هناك توجّها نحو تبني رؤية/ مرجعية فكرية جديدة تكون “بديلا” عن “الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي” المعتمدة منذ مؤتمر 1986.

ورغم أهمية العديد من القضايا التي ينبغي على مؤتمر حركة النهضة أن يحسم فيها، فإنني سأحاول في هذا المقال أن أحصر نظري في  قضية واحدة  ألا وهي تخلّي الحركة عن “الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي” التي حكمتها منذ ثلاثين عاما، كما سأحاول تدبر الإشكالات التي يثيرها اعتماد رؤية فكرية جديدة  في ظل المحافظة على مفهوم “المرجعية الإسلامية” بعد إدماجها في شبكة مفهومية يغلب عليها الفكر السياسي الحديث المرتبط جوهريا بفضاء جغرا-سياسي مخصوص هو “الدولة-الأمة”.

فما معنى أن يؤكد حزب إسلامي في رؤيته الاستراتيجية على مبدأ ترسيخ “مرجعية الدستور” ثم يتحدث بعد ذلك عن “مرجعيةً إسلامية”، وكيف ينوي هذا الحزب إدارة العلاقة بين هاتين المرجعيتين، وبأي معنى  يكون “الحزب السياسي الديمقراطي ذي المرجعية الإسلامية وطني الانتماء” (وهو ما تُعرف به النهضة نفسها في مستخلص المضامين الأساسية التي ستعرض على مؤتمرها القادم)، حزبا مدنيا متصالحا مع الحقل السياسي التونسي، حزبا لا يعيد إنتاج التباسات الإسلام السياسي ومآزقه النظرية بمفردات جديدة، وأخيرا، هل يكفي التخلي عن مصطلح” المنهج الأصولي” من المرجعيات الفكرية للحركة حتى  تكون النهضة قادرة على الخروج من هيمنة المنطق الأصولي بمعنييه العقدي والفقهي؟

لا شكّ في أنّ هذه الأسئلة جميعا ترتد إلى سؤال “الآلة” أو الأداة المنهجية الذي تنوي حركة النهضة توظيفها في الإجابة عن الإشكاليات الواردة أعلاه. ولا شك أيضا في أنّ تلك الآلة ستكون أساسا النظر المقاصدي وذلك مهما تعددت التعليلات الشرعية كالأخذ بفقه المآلات أو فقه الواقع أو فقه الأولويات، ومهما تنوعت التعليلات السياسية من مثل مراعاة المصلحة الوطنية والبحث عن التوافق وتونسة الحركة. فكيف يمكن للمنهج المقاصدي أن يساعد النهضة على بناء خطاب سياسي يتجاوز خطاب الإسلام السياسي بمعناه التقليدي دون أن يقطع الصلة مع “المرجعية الإسلامية”، أي كيف يمكن الحديث عن حزب وسطي محافظ لا تكون مرجعيته الإسلامية مجرد فائض خطابي لا معنى له واقعيا؟

 

عندما يصبح  المنهج المقاصدي مجرّد “متغير” من جملة متغيرات أخرى تنتمي إلى مرجعيتين معرفيتين مختلفين-ألا وهما المرجعية الإسلامية والمرجعية الحداثية-، وعندما تتحرك النهضة تحت ضغط “التوافق” لإثبات تمايزها عن حركات الإسلام السياسي ذات السمعة السيئة، وعندما تتحكم في تحديد الرؤية الاستراتيجية للحركة مفاهيم متباينة- تحضر في صورة أقرب إلى الترصيف الاعتباطي أو التجاور المكاني أكثر مما تحضر في إطار رؤية تركيبية واعية-، فإن ذلك كله لن يرفع اللبس عن هوية هذه الحركة، ولن يزيل المخاوف سواء أصدرت من جهة القواعد النهضوية أو من جهة الخصوم العلمانيين. فقواعد النهضة قد تخشى أن تصبح  الحركة مجرد ملحق وظيفي بالمنظومة الحاكمة، بحيث تتحوّل إلى حليف لا دور له إلا تسويغ المنظومة التشريعية “العلمانية” بخطاب “تبريري” لا يحاور الفلسفة الوضعية ولا يحرجها ولا يوسّعها بتشريعات ذات خلفية فقهية واضحة،  بقدر ما سيسعى –في إطار منطق التوافق- إلى مدّها بتسويغات “مقاصدية” تساعدها على إحكام  قبضتها على المجتمع و إعادة إنتاج بنية التسلط القديمة مع تعديل جزئي  في نمط  شرعيتها.

  أمّا العلمانيون فإنهم لن ينظروا بعين الرضا إلى المراجعات الفكرية النهضوية التي تصر على المحافظة على مرجعية الإسلام إلى جانب مرجعية الدستور. فالإسلام بالنسبة “للقوى الديمقراطية” هو مشترك ثقافي وأنثروبولوجي حسم الدستور في شأنه، ولا معنى لجعله سمة تمييزية لأي تشكيلة حزبية.

لذلك سيتوجس “العلمانيون” خيفة من أن يكون استثمار آلية المقاصد في بناء التشريعات نوعا من “الأسلمة” المخاتلة للمجتمع، خاصة وأنّ النهضة لن تحاول أن ترفع الانفصام بين “المؤمن” و”المواطنة” فقط، بل قد تحاول أيضا أن تصالح  بين فلسفة التشريع الحديثة وبين فلسفة التشريع الإسلامية وذلك بوساطة المنهج المقاصدي، وهو ما قد يساهم في عودة المخاوف من أسلمة المجتمع.

ورغم كل الاعتراضات “الإيمانية” والعلمانية المتوقّعة على هذا المنهج ، فإنه سيساهم -إذا ما نجح في تأصيل اختياراته بطريقة مقبولة عند عموم المتدينين وغير المتدينين أيضا- في الحدّ من الاغتراب والازدواجية الشعورية والمعرفية التي تحكم المتدين في تعامله مع المنظومة التشريعية الحديثة. كما إنّ استثمار الخلفية الإيمانية وتفعيل المنهج المقاصدي سيساهم في الحد من مخاوف النّخب العلمانية من الإسلام السياسي ومن “مشروعه” التشريعي ما قبل الحداثي، وهو ما يعني في المحصول النهائي تخفيف الصراعات الهووية-الثقافوية التي تجد جذرها الأساسي في مستوى المخاوف من التغييرات التي قد تمسّ المنظومة التشريعية.

ختاما، يمكننا أن نقول إن تنصيص حركة النهضة على مرجعيتها الإسلامية-رغم سعيها إلى تعريف نفسها بأنها حزب سياسي محافظ أو وسطي- سيبقى هو موضع التناقض الأساسي في علاقتها بباقي الفاعلين السياسيين العلمانيين. فاعتراف الحركة بمرجعية الدستور الذي يعتبر الإسلام ديانة للدولة يجعل من الإحالة على مرجعيتها الإسلامية -حتى مع اعتماد الفكر المقاصدي- أمرا مثيرا للجدل أكثر مما يجعل منه إضافة نوعية تقبل التبيئة داخل الحقل السياسي التونسي المطبوع باللائكية الفرنسية. وهو ما يجعلنا نُرجح انسداد الأفق السياسي لأي مراجعات من جهة النهضويين ما لم  تصاحبها مراجعات مماثلة من جهة القوى العلمانية التونسية.
 



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.