الرئيسية الأولى

الجمعة,22 يناير, 2016
أيها الرفاق .. شبابنا يسعى لإسقاط التهميش وليس لإسقاط الدولة

الشاهد _ المجد لأبناء الطبقات الكادحة الذين لم يجبرهم الفقر على الخنوع والذين ورثوا عن آبائهم “القازة” بعد أن ورث الآباء عن الأجداد “الفتِيلة” وتوارث الجميع الكسرة وتعاهدت الأجيال الثلاثة على الوفاء لثنائية المقرونة والكسكسي وليس أكثر من ذلك إلا الصبر أو ما وقعت عليه الأعين في المحلات الزاخرة بأنواع من الأطعمة المصنفة لديهم في خانة البدع .

 

نعم لمطالب عادلة واضحة يشع إستحقاقها يبهر الأبصار، مطالب لا يشكك في مشروعيتها إلا من غشيتهم الأنانية وعاشوا عبيدا تحت برقع الجشع . إنها مدن وجهات القصرين وبوزيد وقفصة ..إذْ تحركت لتصحح بعض المفاهيم ، لعل أهمها ما ذهب في حسبان صناع القرار بعد ثورة ديسمبر والذين اعتقدوا أن المدن العنيدة ناشفة الرأس ثارت من أجل ترقية البنية التحتية في الشمال وقدمت الشهداء في سبيل إعادة هيكلة المنشآت السياحية في منتجعاتنا الساحلية وأن النساء اللواتي ندبن الخدود وشققن الجيوب بعد استشهاد الولد إنما فعلن ذلك من أجل تحسين شروط المنافسة بين رؤوس الأموال الوطنية والأخرى الأجنبية ..لقد تحركت الجهات الفقيرة تحت شعار “ولا تنس نصيبك من الدنيا” ، تحركت من أجل كل تونس ومن أجل بؤر الفقر عامة وكذلك من أجل بؤرها الخاصة و الأفقر ، وحين كان أبناء حي الزهور وحي النور والكرمة وتالة وبوزيان يواجهون الرصاص يثقب امعاءهم ويشتت أدمغتهم ، كانوا يرغبون في رغيف خبز لآبائهم وإخوانهم وسلة خضر مكتنزة تفرّج كربة الكبار وتلهب شهوة الصغار و إلى جانب توقهم إلى الحرية والكرامة كانوا يرغبون أيضا في تقاسم الأعباء ، ولم تكن لديهم نية أبدا في التضحية الكاملة الشاملة من أجل بناء دولة القانون والمؤسسات و في الأثناء يتحصنون هم بسراديب الصبر ، لقد رغبوا في بناء دولة القانون والمؤسسات دون التفريط المشط و لا التبذير في الإيثار ، يريدون أن لا يقطع قطار الإنتقال الديمقراطي فوق أجسادهم المنهكة ، ولاهم يرغبون في الإستئثار بكل المزايا دون التفويت للإنتقال فيما يصلح شأنه ويصلب طوله ، لقد كانوا يبحثون عن التوسط بين منزلتين ، يتحرك قطار تنميتهم جنبا الى جنب مع قطار الإنتقال حتى إذا تحققت الحاجة المحلية والحاجة الوطنية حدث التوازن المنشود.

 

لقد تحرك أبناء المناطق المهمشة تحت أجندة العدل والحقوق ، ولم يتحركوا تحت أجندة حمراء ولا سوداء ، وعلى النخب الوفية أن تساعدهم في انتزاع مطالبهم العادلة ، لأنهم يبحثون اليوم عن نخب يستعملونها والأكيد أنهم لا يبحثون عن نخب مفلسة سافلة وقحة تستعملهم !! يبحثون عن العمل الكريم لتوفير الدواء والغذاء ويرغبون في تهديم الغبن واقتلاع الميز ولا يرغبون في تهديم الدولة وإقتلاع مؤسساتها ، يبحثون عمن يوفر لهم القمح والأرض والماء والمصانع ثم يعطيهم المناجل والمطارق لينخرطوا في الزراعة والصناعة ، ولا يبحثون عمن يعطيهم مناجل ومطارق مسمومة مرسومة على خرق من القماش البالي ، تلك الرايات التي حيثما تحركت نثرت الجماجم وأهرقت الدماء وتركتها قاع صفصف .

إن شباب تونس أكبر بكثير من تلك الأوبئة المتدحرجة والفراخ الموفدة من مكتومها ونهيانها و التي تحمل حقائب محشوة بالعملة الخضراء تفوح منها رائحة النفط غير المكرر ، ولا هم لقمة سائغة لخلايا فيروسية نائمة خنست في جلودها الإيديولوجية بعد هلاك ملهما بول بوت ، فراخ مؤذية أقعدها الجبن طويلا و لما انبثق فجر سبعطاش أربعطاش أطلت من جديد تلتمس طريق الخراب وتمني النفس بأممية الخمير الحمر التي قيل سنة 1975 أنها باقية وتتمدد ، فتمت إبادتها وتمددت في عدمها بعد أن توسعت في الإبادات الجماعية .

 

ها هي مناطق التهميش ترفع صوتها بعد أن تجاهلتها الحكومة ، هي مناطق تطالب بالتنمية ويطالب شبابها بالعمل والتوزيع العادل للثروة وإن كانت ثروة متواضعة ، والخائب والغبي بل والمجرم التاجر الخبيث من يعتقد أنها بصدد تمهيد الطريق له ولعصاباته السياسية التي فشلت في إنتزاع ثقة الشعب وتسرب إليها اليأس وغسلت أيديها من إمكانية المرور اإلى القصور عبر الصناديق ، فتركت ساحات الفعل السياسي وأصرت على النزول إلى الجماهير ليس لتلتحم بهم وتعرض عليهم خدماتها ثم تقترح نفسها عليهم عبر بوابة الإستحقاقات الإنتخابية والصفوف والصناديق ومراكز الإقتراع ، بل عبر إستجدائهم والتوسل إليهم كي ينقلبوا على الدولة ويدمروا المؤسسات الإدارية والأمنية ويحرقوا المصانع حتى تجلس بعض الشوارب الغليظة والهمم المعطوبة على كرسي الحكم .

 

إنهم ومن فرط إفلاسهم ، يطمعون في تحويل شباب يطالب بالتنمية وينشد العدل إلى فحم لإشعال نار الفتنة ، يراودون الشباب المنهك بالبطالة يغازلونه كي يسقط لهم تجربة الإنتقال الديمقراطي ويدخلهم إلى جوف مؤسسات أيقنوا أنهم لن يدخلوها بالإنتخابات النزيهة حتى يلج الجمل في سم الخياط …إننا نصرخ في وجه الحكومة لصالح أهالينا في مناطق التهميش ، استجيبي يا حكومة ، ونصرخ في وجه الضباع الإيديولوجية النافرة من الديمقراطية التي تحوم حول المنطقة يسيل لعابها للفتنة ، أيتها الضباع الموحشة أغربي عن حمى الفقراء ، أيها الشاب المكلوم الموجوع ، دافع عن أملك ومارس حقوقك التي كفلها الدستور وفي الإبان أكثر من قراءة المعوذتين فإنهما تطردان الشياطين الذين يتقاطرون عن بلدتك لغاية في نفس ابن سلول.

نصرالدين السويلمي