أهم المقالات في الشاهد - كتّاب

الخميس,5 مايو, 2016
أوغلو/أردوغان…هزيمة “الفيلسوف” المنتظرة و إمتحان “الزعيم” الصعب

الشاهد_بعيدا عن “عنتريّات” الدفاع و الهجوم في تونس بين من يسعون “لتفتيت كبد أردوغان و جماعته” و من “يقدّسون أردوغان و جماعته” ثمّة موقع آخر و زوايا أخرى للنظر إلى “الإمتحان” الذي يجمع كلّ مدرك و متابع بدقّة للمتغيّرات الدوليّة عموما و الإقليميّة في الشرق الأوسط خصوصا أنّه سيكون صعبا جدّا على النظام التركي، فإستقالة “داود أوغلو” من رئاسة حزب العدالة و التنمية ينظر إليها من جانبين الأوّل يتعلّق بالأسباب أمّا الثاني فيتعلّق بالظرف العام و الإنعكاسات.

 

من الغباء بمكان إتّخاذ موقف إيديولوجي أو إقليمي خاضع للإصطفاف لهذا المعسكر أو ذاك في تحليل الإختلاف أو الخلاف الواقع بين “أردوغان” و “أوغلو” و من الجهل إجراء مقارنة حتّى بين رأسين لمشروع واحد تضاربت رؤيتهما لكيفيّة تنفيذه و كان منتظرا أن يحدث ذلك بين رجل الفلسفة و الإستراتيجيا الذي قضّى حياته بين الكتب و في الدراسات و “منظّر” العثمانيّة الجديدة كما يسمّيها البعض من جهة و لاعب كرة القدم الذي أسرته السياسة و يقوده حلم الزعامة.

 

انتقل “أوغلو” من أروقة الجامعات والكتب إلى أروقة الخارجية التركية ودبلوماسيتها العريقة وعلاقاتها المتشعبة مع حلف الناتو والاتحاد الأوروبي عبر صديقه القديم “عبد الله غول” الذي كان و لا يزال يعارض طموحات “أردوغان” الرئاسويّة، و خلال تجربته مع السلطة من مستشار لرئيس الوزراء آنذاك “رجب طيب أردوغان” قبل أن يتم تعيينه رسميًا وزيرًا للخارجية في 2009 وحتى 2014 حين قرر الحزب منحه رئاسته، إكتشف “الفيلسوف” أمرين رئيسيين يتعلّق الأوّل بـ”براغماتيّة السياسي” و يتعلّق الثاني بـ”أفلاطونيّات” النظريّات و هما الإكتشافان اللذان كانا تاريخيّا وراء عدم إستكانة الفلاسفة و المفكّرين إلى السلطة أو لتنكّرهم لمراجهم الفكريّة و نظريّاتهم.

 

لتعود إلى موقعها التاريخي كانت تركيا في حاجة إلى “إستراتيجيات” و “نظريّات” أسّس لها “أوغلو” مع آخرين بكلّ إقتدار و لكنّها كانت بحاجة أيضا إلى من يقود “المناورات” في الداخل و الخارج و هو ما فهمه “أردوغان” الحامل لمشروع حالم بمعانقة الريادة و إفتكاك مكانة في التوازنات الإقليميّة و الدوليّة و من هنا جاء التكامل في الأدوار بين “أوغلو” و “أردوغان”، بين صاحب نظريّات “الصفر مشاكل” و “العثمانيّة الجديدة” باعتباره فيلسوفا و صاحب “القيادة السياسيّة” و السلطة الذي يروم إستثمار التجربة برمّتها باعتباره “زعيما سياسيّا”.

 

لم يكن “أردوغان” الذي يدرك جيّدا أنّه يتحرّك على أرض متحرّكة و على أبواب الإنفجار، ليفكّر باعتباره “زعيما” في أكثر من “توظيف” العقل و النظريّات و الأطروحات التي تسهّل معانقته لحلمه ذاك، و لم يكن “أوغلو” غير مدرك لطموحات “أردوغان” و لا ليفكّر في كونه يمكن أن “يسرق” منه ذلك الحلم أو ينجح في ثنيه عنه إلى حدود الإنتخابات الأخيرة التي جعلته يخرج في نبرة “المنتصر” قائلا “لقد قال الشعب التركي لا للنظام الرئاسي” في أوّل إنتخابات يفشل حزب العدالة و التنمية فيها في نيل الأغلبيّة البرلمانيّة و منذ ذلك التصريح بدأت عمليّة “محاصرته” وصولا إلى الإستقالة.

 

عندما غادر “أوغلو” موقع “المنظّر للزعيم” إلى موقع “المعارض لطموحات الزعيم”، تحرّك “أردوغان” برجالات الرئاسة لمحاصرته خلال المؤتمر الأخير لحزب العدالة التنمية و دخل “معركة ليّ الذراع” الذراع الأيمن لـ”أردوغان” و وزير المواصلات الذي يحظى بشعبيّة واسعة في تركيا “بن علي يلدرم” فرضخ “الفيلسوف” مهزوما و هو الذي يدرك أنّ سابقيه في نفس التوجّه فشلوا كلّهم عبر “رجالات” القصر المستحوذين على “كونغرس” الحزب و آخرهم و أبرزهم على الإطلاق “عبد الله غول” و “بولنت ارنتش”.

 

تشير القراءات و التحاليل إلى أنّ “بن علي يلدرم” سيكون خليفة “داود أوغلو” الذي لن يغادر بإعتباره معاقبا بل بإعتباره فاشلا في فرض رؤيته لشكل النظام السياسي التي يدرك مسبقا أنّها بالتركيبة الحاليّة للحزب لن تمرّ و سيكون الطريق مفروشا داخل العدالة و التنمية بالورود لـ”أردوغان” كي يعانق حلمه و كي ينفرد لنفسه بصلاحيّات كبيرة و واسعة تؤهّله لنظام حكم مطلق على أرض كشفت نتائج الإنتخابات الأخيرة أنّها ستكون ساخنة و في فضاء إقليمي متحرّك جعل “نظام العدالة و التنمية” نفسه مطلوبا رأسه.

 

باتت ما يسمّيها البعض بـ”التجربة التركيّة” أمام إمتحان في الداخل سببه مطامح “أردوغان الرئاسويّة” مقابل تراجع شعبيّة العدالة و التنمية و إمتحان أصعب إقليميّا و دوليّا فالصعود التركي الأخير إقتصاديّا و عسكريّا في المنطقة و في العالم صار “يجب أن يتوقّف” بالنسبة للاعبين كبار يعتقد البعض أنّهم من دول “البريكس” فحسب و على رأسهم روسيا و الواقع أن بينهم من هم حلفاء مفترضون لتركيا في “الناتو” نفسه.

 

ليس مهمّا كثيرا في السياسة أن تحدث القطيعة في حدّ ذاتها بين رمزين مهما كانا في الدولة و لكنّ الأهمّ أسبابها و ما سيترتّب عنها ففي الحالة التركيّة سيترتّب عن قطيعة “أردوغان/أوغلو” نظام رئاسوي مطلق سيزيد من تحريك التراب داخليّا ضدّ “أردوغان” الذي بات مستهدفا لا فقط في شخصه بل في نظام حزب العدالة و التنمية الذي يمثّله إقليميّا و دوليّا أي أن تركيا و المنطقة برمّتها مقبلة على مرحلة ستتوضّح معالمها بشكل أكبر مع معرفة بنود التسوية الأمريكيّة الروسيّة في سوريا.