الرئيسية الأولى

الأربعاء,23 ديسمبر, 2015
الثورة التونسيّة….التدفق الذي لا يقاوم

الشاهد_خمس سنوات مضت، واليوم، لقد بدأت. لم تكن للانتفاضات رواية رئيسية، بل كانت سلسلة من الروايات الصغيرة المنتجة من قبل الناس العاديين، كما أعربت انتصار خريجي، باحثة تونسية في تقرير نشرته صحيفة “أوبن ديموكراسي” ونقلته الشاهد إلى اللغة العربية.

 

“وبعيدا عن الثورة والثورة المضادة… ولدت الحركة الجدلية ومكافحة حركة التاريخ التي تحمل الرجال على تدفقهم الذي لا يقاوم، مثل تدفق خفي قوي، والذي يوجب عليهم أن يتخلوا عن اللحظة التي يحاولون فيها إرساء الحرية على الأرض.” كما قالت حنة أرندت، في كتاب “الثورة”.

 

17 ديسمبر 2010 كان يوما مثل البقية، باستثناء حدث واحد الذي حولها إلى بداية مجموعة غير عادية من الأحداث.

 

الثورة التونسية وما تلاها من موجة احتجاجات التي اجتاحت العالم العربي أشعلت العالم على حين غرة. وقد تم سكب الكثير من الحبر في السنوات الخمس الماضية في محاولة لتجميع نسب هذه الطفرة من المعارضة، التي تسعى إلى تتبع جذور الزلزال الذي برز من الروافد الداخلية الخصبة في المناطق الريفية والمحرومة في تونس. وفي حين يناقش الأكاديميون ما إذا كانت العوامل المحددة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو ديموغرافية أو تكنولوجية، ما يهم بالنسبة لأولئك الذين يعيشون منهم هو أن هذه الانتفاضات أماطت تجارب معاشة من سكان هذه المنطقة ووضع مطالبهم في قلب الأحداث السياسية ، مما يجعل الخفي مرئيا.

وبدأت الثورة التونسية مع قصة رجل واحد، محمد البوعزيزي، الذي أشعلت عملية إحراقه لنفسه جذوة المعارضة والنضال. وسوف يظل تصرفه عملا معزولا من الاحتجاج اليائس في الظلم، تماما مثل عشرات آخرين ممن تعين عليهم إضرام النار في أجسادهم قبله في ظروف مماثلة، لو لا تحركات الآخرين الذين حولوه إلى دعوة على نطاق الأمة من أجل تحقيق الحرية والعدالة والكرامة.

 

وما يجسد جوهر انتفاضات عام 2011 هو أنها كانت لحظة لإعادة تأكيد للشعب والسياسة من أسفل إلى أعلى. ومن خلال التعبئة الجماعية، خلق الناس لحظة قوية جدا لدرجة أنها أطاحت بالحكام وخلقت أكبر تغيير سياسي في المنطقة منذ إنهاء الاستعمار. ولم يكن للانتفاضات رواية رئيسية- بل كانت سلسلة من الروايات القصيرة المنتجة من قبل الناس العاديين. وما جعل المشاهد ملهمة للغاية كان بالضبط هذا التمثيل الحيوي من جميع شرائح المجتمع، إناثا وذكورا، صغارا وكبارا، فى المناطق الريفية والحضرية، الفقراء والأغنياء، المعتنقين للدين والعلمانيين، والناس من جميع مناحي الحياة – العاطلين عن العمل، والمزارعين، و عمال المصانع والمحامين والأطباء وربات البيوت والطلاب والأطباء. لقد خلق هذا الجهد التعاوني غير القطاعي لحظة التي تم فيها عرض الروايات الخيالية، وإعادة تعريف السلطة وتحطيم الأطر السياسية والتحليلية القائمة.

 

وتتمثل عملية التخيل الأولى في تحطيم كل ما له علاقة ب’الاستثناء العربي’. وقد أتت هذه الأحداث أكثر استثنائية من خلال حقيقة التي كشفوها في منطقة طالما اعتبرت محصنة ضد موجات الديمقراطية التي اجتاحت مناطق أخرى، بقيادة الناس الذين، اتضح فيما بعد، تعطشهم للحرية والكرامة، والعدالة الاجتماعية، بنفس عمق الشعوب الأخرى. وكان الشعار الذي اخترع في تونس والذي انتشر في جميع أنحاء المنطقة هو “الشعب يريد إسقاط النظام”، صرخة التي تشكل في آن واحد وتأكد وجود شعب واحد، الذي لديه القدرة على التعبير عن إرادة جماعية، والذي طالب بأن تُسمع كلمته وآراءه. وكان هذا حقيقة مزعجة للبعض – بالتأكيد للحكام المستبدين في المنطقة، الذين قمعوا واضطهدوا شعوبهم وسط الخضوع، وسحق المقاومة عن طريق الإكراه والاستمالة.

 

بينما كان الخيال المدمر الثاني المتعلق ب’الاتفاقية الأمنية’، وهو الترتيب الذي كان من المتوقع أن يتداول الحرية والمشاركة السياسية وحقوق الإنسان في مقابل الأمن والنمو الاقتصادي من قبل المجتمعات العربية. وهذا لم يتضح في أي مكان أفضل من بن علي في تونس، حيث فزاعة الفوضى وعدم الاستقرار يلوحان بانتظام لإسكات المعارضين – في التسعينات عبر صياغة القمع الحكومي كرد على “التهديد الإسلامي” إلى الدولة والمجتمع، ومن ثم في العشرينات عبر التحول إلى مكافحة الإرهاب، مع الاستفادة الكاملة من الفرص التي تتيحها “الحرب العالمية على الإرهاب”.

 

وفي مقابل الطاعة، قدم النظام “معجزة اقتصادية” مبنية على سياسات كلية وسليمة اقتصاديا، والإصلاحات النيوليبرالية و “الحوكمة الرشيدة”، وهو الخطاب الذي أقنع معظم المؤسسات المالية الدولية والحكومات الأجنبية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه “المعجزة” تحولت إلى أن تكون سرابا استنادا إلى بيانات اقتصادية وهمية، والتي كانت تخفي واقعا من التفاوت الفادح، وتفشي الفساد وسوء الإدارة الاقتصادية التي خلقت البطالة الهيكلية الجماعية، والتفاوتات الإقليمية وانعدام الأمن الاقتصادي على أجزاء واسعة من المجتمع. وبالتالي فإن الاتفاقية الأمنية أخفقت في الوفاء بوعودها الخاصة، مما يدفع إلى الفكرة القائلة بأن الاقتصادي يمكن فصله عن السياسي، وأن الأمن والاستقرار يمكن أن ينظر إليه بمعزل عن مفهوم أوسع نطاقا للآمن البشرى والرفاه.

 

وأما الخيال الثالث الذي دمرته الانتفاضات العربية فهو أن مصير الدول العربية تمليها الجهات الخارجية ولا تسمح لأي إمكانية للحكم الذاتي أو التغيير. وقد تشبع القرن الماضي من الخطاب السياسي والفكري العربي بإدراك حاد بأن القرارات الخاصة بهذا الجزء من العالم تؤخذ في مكان ما بعيدا عن شعبها – سواء من قبل الحكام الذين هم لا يمثلون رغباتهم أو من قبل القوى العالمية الذين لهم مصالح تفوق بكثير مصالح 300 مليون نسمة في المنطقة. شعور عميق بالمهانة القدرية والسيادة خنقا يجعل من الصعب تخيل حتى الحقائق السياسية البديلة. وقد قامت الانتفاضات العربية بإلقاء سياسات كلية للتوسع خارج النافذة لصالح “سياسات الشعب” – سياسة الإجراءات الفردية والتعبئة الشعبية والشبكات والاتصالات.وقد اتضح المستقبل فيما بعد، أن التاريخ لم يكن في انتظار أن تكون مكتوبة من قبل الآخرين، ولكن واقع جديد لتكون مزورة من خلال العمل التعاوني.

 

وقد فتح هذا الانشقاق للقصص التي عانت من عقود من الدكتاتورية صراعا شديدا في العالم العربي. وكل ثورة تقسم المجتمع إلى هؤلاء الذين يتبنون التغيير وأولئك الذين يجدون تغيير تهديد عميق. وكما أشارت حنة أرندت إلى أن “الثورة المضادة … ظلت دائما ملزمة للثورة كرد فعل مرتبط بالعمل”. ونحن نرى أن إعادة تأكيد الحكم الاستبدادي في جميع أنحاء المنطقة، الذي تدعمه الموارد الإقليمية والعالمية، كما الفلول (بقايا النظام القديم) قد نظموا عودة التي أثبتت حتى الآن أنها أكثر تنظيما، وقاسية وتتمتع بموارد كافية مما كان متوقعا.

 

علاوة على ذلك، تعتبر الدوامة العميقة من العنف التي انزلق فيها العالم العربي في السنوات الأخيرة، نتيجة لهذا الصراع الشديد بين الثورة والثورة المضادة، التي يتم فيها وضع كل أداة من أدوات الحرب للاستخدام. فقد شهدنا استخدام كل خدعة في كتاب القواعد المضادة للثورة، بدءا بتقنية “تقسيم وقاعدة” قرون من تفتيت المجتمع إلى مجموعات ومجموعات فرعية، بشكل انتقائي بواسطة تسليح أو تفضيل فئات معينة أو مجموعات فرعية و اضطهاد الآخرين. ثم إن تفعيل الهويات العرقية والطائفية كعلامات الامتياز الاقتصادي أو الاجتماعي وحالات التهميش انتشرت بمهارة من قبل الحكام المستبدين في المشهد السياسي العربي، من اليمن ومصر وصولا إلى سوريا والعراق.

 

وإلى جانب هذه التقنيات التقليدية، نرى أن أكثر التكتيكات المتطورة قد تجسدت في الدعاية السياسية والإعلامية المتطورة المصممة لمهاجمة أسس الدعم للتغيير الديمقراطي. وتبني هذه الحملات وتنشر صورة للثورة بمثابة الطاعون الذي لم يجلب سوى عدم الاستقرار والعنف والشعور بالضيق. كما يلقى باللوم على الثورة لكل سوء يصيب المجتمع من البطالة والفقر إلى الفوضى، ورمي النفايات والازدحام.

 

وفي المقابل، لم يرد ذكر لأسباب هذه المشاكل، التي كانت قائمة منذ فترة طويلة قبل الثورة. بدلا من ذلك، يطلق العنان لهجوم متواصل من الشائعات، والمعلومات المضللة والشكاوى على السكان، في حملة يومية من الحرب النفسية. وهي تسعى إلى تدمير أي اعتقاد لدى الناس العاديين في إمكانية التغيير. والأخطر من ذلك، أنه يسعى إلى تدمير أي إيمان يحمله الناس في حد ذاتهم، موجها اللوم لهم لأنهم تجرؤوا على ارتفاع تحدي الوضع الراهن، وعن وجود الغطرسة للاعتقاد بأنهم يمكن أن يكون لهم رأي في إدارة شؤونهم الخاصة. والهدف من هذه الحملة للثورة المضادة هو أن نوضح للناس أنه ليس لديهم سوى خيار واحد – بين الديكتاتورية والأمن والاستقرار من جهة، والديمقراطية، والفوضى والإرهاب من جهة أخرى. كما أن صعود جماعات متطرفة مثل تنظيم “داعش” يلعب بشكل تام في هذه الرواية، الناشئة باعتبارها نتاج الثورة المضادة وقائدا لها.

 

ومع ذلك، في حين أننا قد نكون في لحظة الثورة المضادة، فمن السابق لأوانه إعلان انتصارها تماما حتى الآن. بينما نجد اليوم أنفسنا نناقش ما إذا كانت تلك اللحظات في عام 2011 حقا ‘ثورات’، فقد خلقت مما لا شك فيه الثوريين – الناس العاديين الذين ربما لم يشاركوا سياسيا قبل الانتفاضات ولكن الذين يدركون الآن النظام القمعي للسلطة الاستبدادية و الذين يقاومون من خلال أشكالهم الخاصة من الوكالة السياسية، بشكل فردي أو جماعي، قولا أو فعلا، على أرض الواقع أو على الانترنت. وقد أنجبت الانتفاضات جيلا من الشباب الذين ولدوا في ظل الدكتاتورية الذي شهد وجود صدع في جدار الانقسام السلطوي مفتوحا وبروز لمحة عن الجانب الآخر.

 

إن التحدي الذي نواجهه الآن هو كيفية إعادة بناء الصوت الجماعي الذي برز خلال الانتفاضات العربية. وعلى الرغم من تنوع الرؤى، يتلاقى هذا الصوت الجماعي على الأهداف المشتركة – المساءلة السياسية، وهو ما يقوله الشعب في انتخاب حكامه، ومحاربة الفساد، ووضع الموارد والمؤسسات في خدمة الشعب وليس في خدمة دائرة ضيقة من الأسر و العشائر.

 

ويتمثل التحدي في كيفية بناء وتعزيز الحركات الاجتماعية القوية التي يمكن أن تبقي على قيد الحياة المطالب الرئيسية للثورة. ومثل هذه الحركاتهي في حاجة ماسة للحفاظ على الضغط من أجل التغيير من خلال الأيام المظلمة والطويلة من النضال المقبل. كما أن لديهم دورا حيويا حتى عندما يتم الإطاحة بالأنظمة الديكتاتورية، وذلك من أجل الدفع باتجاه تفكيك الهياكل الاستبدادية القمعية التي لا تزال تحتكر السيطرة على المجتمع ومقاومة كل عملية إصلاحية.

 

وفي حين أن الذكرى السنوية الخامسة لشرارة الثورات العربية التي ستنتج حتما موجة من التحليلات والتفسيرات والرثاء حول الشكل الذي اتخذته الأحداث، فإنها ببساطة مبكرة جدا لتقييم التغيرات أو التنبؤ بالنتائج. وما هو مؤكد هو عدم اليقين – أن الوضع الراهن في المنطقة، مبني على قصص الاستقرار الوهمية دون حقوق الإنسان والنمو دون الإدماج الاقتصادي قد تحطمت.

 

كما تجدر الإشارة إلى أن الناس العاديين ليسوا هم الذين اتخذوا الخيار لإطلاق العنان للقوى الطائفية والعنف والفوضى. وقد ووجهت صرخاتهم الهاتفة ب “سلمية، سلمية” في الشوارع بأفضل رد الذي تعرفه أنظمتهم – الإكراه عن طريق العنف والإرهاب. وكان اختيار الأنظمة الاستبدادية في المنطقة التي، بالنسبة للجزء الأكبر، قاومت الإصلاح على مدى عقود وتسعى إلى منع التغيير، مهما كان الثمن. وفي حين أننا قد نواجه دورات من القمع والطعن وإرساء الديمقراطية في المنطقة، يجب على التغيير أن يبدأ في مكان ما. وهكذا فإن “الحركة الجدلية ومكافحة حركة التاريخ” يتم اقتراحها.

 

ترجمة خاصة بموقع الشاهد



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.