كتّاب

السبت,6 فبراير, 2016
أنفاق الرعب في إسرائيل

فهمي هويدي

تحولت الأنفاق الفلسطينية إلى فزاعة تلاحق الإسرائيليين في الصحو وكابوسا لا يفارقهم في المنام. وإذ ظل الهمس يدور حول الموضوع في أروقة السلطة وقيادة الجيش الإسرائيليين منذ العدوان على غزة عام 2014، فإنه ظهر إلى العلن في الأسبوع الماضي حين عرف أن سبعة من عناصر كتائب القسام استشهدوا، بعدما انهار عليهم نفق كانوا يشاركون في حفره باتجاه إسرائيل في نهاية شهر يناير الماضي. وهو ما اعترف به المسؤولون في القطاع حين أقيم حفل تأبينهم، الأمر الذي أحدث دويا في داخل إسرائيل، وأصبح موضع تعليق يومي في مختلف وسائل إعلامها. 

وعلى الفور شاع الخبر في أوساط سكان المستوطنات القريبة من الحدود، الذين أصابهم الذعر حتى أصبحوا يعتبرون كل صوت يسمعونه أو يتوهمونه في باطن الأرض، نذيرا بوصول شبح الأنفاق إلى بيوتهم، حتى شَكَت الشرطة من كثرة الشكاوى من ذلك القبيل. 

وقد صدم الإسرائيليون حين أبرزت صحفهم ما قاله عضو المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية في حفل التأبين، إن مجموعة الكوماندوز التي كانت تباشر الحفر واستشهد أغلب أفرادها سبق لها أن نجحت في أسر الجندي الإسرائيلي شاؤول أرون عبر النفق ذاته، في أثناء عدوان عام 2014. وأبرزت وسائل الإعلام تصريحات السيد إسماعيل هنية نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، التي قال فيها إن حفر الأنفاق سوف يستمر للدفاع عن القطاع ضد العدوان، وأن طولها بلغ ضعفي طول الأنفاق التي بنيت خلال حرب فيتنام. وفي الوقت ذاته نقل عن أحد القياديين في القطاع قوله: الأنفاق المحفورة تحت الأرض يتجاوز عددها 50 نفقا ولها أعين مختلفة ومتشعبة. وهي موزعة على طول الشريط الحدودي للقطاع مع إسرائيل.

في تقرير نشره موقع «الخليج أون لاين» في 3/2 الحالي أن القيادي الفلسطيني سابق الذكر تحدث عن أن إسرائيل انتبهت إلى وجود الأنفاق في عدوانها الأخير. وحاولت تدميرها إلا أن عناصر المقاومة استطاعوا خلال عام ونصف العام تقريبا ترميم ما تم استهدافه منها. كما نجحوا في حفر أنفاق أكثر عمقا أسفل الأرض باتجاه البلدات الإسرائيلية المحيطة بالقطاع. وليست تلك المفاجأة الوحيدة، لأن الخبراء الفلسطينيين استطاعوا حفر الأنفاق بحيث تكون بعيدة عن متناول أجهزة الاستشعار. فضلا عن أنه تم تجهيزها بحيث تتمتع بصلابة تمكنها من احتمال القصف الإسرائيلي، والقنابل الارتجاجية التي يمكن أن تستهدفها من الطائرات أو الدبابات. ومن ثم توفر الحماية اللازمة للمقاومين الموجودين بداخلها. ليس ذلك فحسب، ولكن الأنفاق صممت بحيث تكون قادرة على استيعاب إطلاق عدد كبير من الصواريخ المتطورة وقذائف الهاون صوب الأهداف الإسرائيلية المحيطة بالقطاع، وفي الوقت ذاته تظل الأسلحة الدفاعية خارجة عن نطاق أجهزة الرادار الإسرائيلية.

هذه كلها لم تعد أسرارا، لأنها أصبحت متداولة في وسائل الإعلام الإسرائيلية، كما صارت موضع تعليق وتحليل من جانب العديد من الكتاب. ومن الملاحظات العديدة التي أبدوها في هذا الصدد أن القبة السماوية التي وفرتها الولايات المتحدة لإسرائيل إذا كانت قد استطاعت حمايتها من الجو، فإنها فشلت في حمايتها من الأنفاق المحفورة في باطن الأرض، إلى جانب ذلك فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم يكف عن تحذير المقاومين في غزة وتهديدهم بالويل والثبور إذا فكروا في اختبار القوة الإسرائيلية. ولم تتأخر الولايات المتحدة عن مساندة الإسرائيليين في هذا الموقف، فاعتمدت 120 مليون دولار قدمت منها 40 مليونا بصورة فورية، لتمكينهم من بناء جدار عازل من الصلب في ثلث الأرض يؤمن حدود إسرائيل من مخاطر الأنفاق، ويحول دون وصولها إلى القرى والمستوطنات المجاورة.

أثار الانتباه في هذا الصدد أن اليسار الإسرائيلي الذي اعتاد الدعوة إلى التهدئة، تبنى موقفا حادا انتقد في ظله تراخي الحكومة في مسألة الأنفاق. وقال زعيم المعارضة يتسحاق هرتسوغ إن رئيس الحكومة ووزير الدفاع يتجاهلان ذلك الخطر، وتساءل في كلمة ألقاها: ماذا تريدان؟ هل تنتظران أن يخرج «الإرهابيون» بأسلحتهم ويظهروا في داخل كيبوتس أوموشاف (عزبة أو قرية زراعية صغيرة)؟ أضاف أن سكان غلاف غزة يقولون إنهم يسمعون أصوات حفر الأنفاق تحت منازلهم، في حين أن الحكومة المصرية تقوم بتفجير الأنفاق في حدود رفح. ولم يكن الوحيد الذي دعا إلى تدخل الجيش من خلال شن حملة لتدمير الأنفاق؛ لأن آخرين رددوا تلك الدعوة واعتبروا الأنفاق بمنزلة التحدي الأكبر الذي يواجه إسرائيل في الوقت الراهن.

في مواجهة الزوبعة أكد قادة فصائل المقاومة على أن الأنفاق تدخل ضمن الإجراءات الدفاعية والاستعدادات لمواجهة أي عدوان، فيما ذكر بعض المعلقين الفلسطينيين أن إسرائيل تبالغ في تصوير الأمر وتقديمه باعتباره خطرا كبيرا، لتكون تلك ذريعة لشن عدوان جديد على القطاع.
في كل الأحوال فإن المشهد ينم عن إصرار الفلسطينيين على الصمود والمقاومة رغم الحصار، كما أنه يجسد عبقرية المقاومة التي نجحت في توصيل رسالة الخوف إلى إسرائيل باعتباره حدا أدنى لتكاليف استمرار الاحتلال.

أحدث خبر: لتأديب غزة ذكر الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي في مقال نشرته صحيفة «معاريف» يوم الخميس 4/2 أن طائرات سلاح الجو الإسرائيلي، رشت بالسم خلال الأسابيع الأخيرة حقول «المنطقة الفاصلة» التي أعلنت إسرائيل عنها بشكل أحادي بمسافة 300 متر عن الجدار العازل، وبشهادة المزارعين في غزة فإن الطيارين يوسعون مهمتهم بحيث تشمل حملة التسميم مساحة 500 متر محاذية للجدار.

عن صحيفة الشروق المصرية



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.