علوم و تكنولوجيا

السبت,28 مايو, 2016
أميركا تدير برنامجها النووي بحواسيب “أثرية”.. تعرّف على أسباب تمسّكها ببرمجيات السبعينيات

الشاهد_ من الصعب أن تصدّق أنّ حفظ بيانات الأسلحة الأشد فتكاً في العالم والتي تمتلكها القوات الأميركية يتم على تلك الأقراص المغناطيسية المرنة ذات الثماني بوصات التي كانت الأشهر في حقبة السبعينيات.

لكن هذه هي الحقيقة، فبحسب أحد التقارير الحكومية الحديثة، تعتمد وزارة الدفاع الأميركية على هذه التقنية للتنسيق بين القوات الاستراتيجية الرئيسية مثل القاذفات النووية والصواريخ الباليستية العابرة للقارات حتى اليوم.

وتعمل الأقراص المرنة على تفعيل شبكة الاتصالات الهامة المعروفة باسم النظام الاستراتيجي الآلي للتحكم والقيادة، وهو النظام الذي يستخدمه البنتاجون لإصدار الأوامر للقادة وتبادل المعلومات بحسب تقرير لصحيفة “واشنطن بوست” الأميركية.

ولاستخدام الأقراص المرنة يجب على الجيش أيضاً الإبقاء على مجموعة من الحواسيب من طراز IBM Series/1، ليغدو المكان أكثر شبهاً بمنزلٍ في متحف أكثر مما يبدو كصومعة صاروخ.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها عن اعتماد الجيش على تكنولوجيا أثرية، ففي 2014 عرض بعض المقاتلين النوويين الأميركيين أحد أقراصهم المرنة شديدة السرية التي يستخدمونها لحفظ ونقل المعلومات الحساسة عبر العشرات من مواقع الاتصال، في برنامج “60 دقيقة” على قناة CBS، لذا من المثير للاهتمام أن تسمع أن البنتاجون لم يزل يستخدم هذه التكنولوجيا العتيقة، ولا ينوي تغييرها على الأقل حتى نهاية السنة المالية 2017.

أكثر أمنا

مع ذلك فهناك سببٌ رئيسي لاستخدام الجيش المستمر للأقراص المرنة، بخلاف التأخر عن ركب التكنولوجيا فقط، وهو أنه في بعض الأحيان التكنولوجيا الأقل تطوراً هي الأكثر أمناً.

ربما يكون هذا مفاجئاً، خاصةً في زمن أوشكت فيه التكنولوجيا الرقمية على إلغاء التناظرية، بل إن بعض الشركات توفر أجهزة تخزين USB لرخص سعرها، وهو ما يكشف عمق الهوة بين المستهلكين والحكومة.

كان الرئيس أوباما قد أشار أيضاً إلى هذه المشكلة وعبّر عن رغبته في حلها، كما عمل البيت الأبيض على توسيع استخدام التكنولوجيا في الحكومة.

وعلى الرغم من محاولة الرئيس أوباما جعل الحكومة أكثر تكنولوجية، عبر فتح مخازن البيانات العامة وإنشاء موقع إلكتروني كامل لطلبات الإنترنت، إلا أن هذا لم يكن كافياً.

وفي سابقة هي الأولى من نوعها، بعث أوباما برسالة بسيطة أثناء حديثه، في مهرجان الجنوب الغربي التفاعلي في أوستن، إلى مهووسي الحواسيب والمبرمجين: انضموا إلينا.

وأضاف “السبب الحقيقي لوجودي هنا حقاً هو تجنيدكم جميعاً”.

وأشارت بيانات جامعة كارنيجي ميلون ومعهد ماساشوستس للتكنولوجيا عن صعوبة جذب الحكومة لأفضل العناصر الموهوبة في مجال التكنولوجيا، ففي 2015، وافق حوالي 1.1% فقط من خريجي معهد ماساشوستس على الانضمام لوظائف حكومية، وبالمثل، انضم حفنة فقط من خريجي كارنيجي ميلون للوكالات الحكومية هذا العام، وكانت كل هذه الوظائف بالخارج، في أماكن مثل سنغافورة وكوريا الشمالية.

مواهب لا تسدّ النقص

كما أن هناك تقصيراً من جانب الكليات والجامعات المختلفة في تدريب الجيل الأميركي القادم من المقاتلين الرقميين، فالتدريب الخاص بأمن المعلومات ليس مطلوباً في أي من البرامج العشرة الأوائل لدراسة علوم الحاسب في البلاد، وهو ما يزيد من صعوبة مهمة البنتاجون لزيادة قوة العمل الإلكترونية بحوالي ثلاثة أضعاف، خاصة أن المواهب المتفرقة لا تكفي لسد هذا النقص.

كما توضح بعض استثمارات الجيش أيضاً كيف واكبت بعض أجزاء وزارة الدفاع التكنولوجيا الحديثة، في حين تراجعت أخرى مثل القوات النووية للولايات المتحدة.

وتهتم القوات البحرية والجوية بالمركبات ذاتية التشغيل، وقدرة هذه المركبات على التحرك تحت الماء واستكشاف قدرات العدو أو دعم الطيارين البشريين في الهواء.

في الوقت ذاته أوضحت بعض الأمثلة البارزة كيفية تعامل الجيش مع التكنولوجيا بتفاؤل شديد، وكشفت عن بعض المخاطر التي قد تنجم عن هذا التفاؤل، فعلى سبيل المثال، كان من المفترض أن تكون مقاتلة F-35 طائرة مرنة، يمكنها القيام بالعديد من المهمات في فروع الجيش المختلفة، لكنها بدلاً من ذلك، أصبحت تجربة مكلفة ومهدرة للوقت، وبحسب عدة تقارير على مدار الأعوام، وهي لا تعمل، فأجزاؤها تبلى قبل وقتها المفترض، ولا يمكنها هزيمة الطائرات القديمة في قتالٍ جوي متقارب، كما يمكن اختراقها، وكل ذلك قبل أن تواجه أعداء حقيقيين بالفعل.

الأحدث ليس بالضرورة هو الأفضل

هناك أمور أخرى تشبه الخيال، ويمكننا أن نستفيد منها أيضاً. في المسلسل التليفزيوني Battlestar Galactica في 2004، تعرّضت البشرية لهجوم من الروبوتات التي صنعها الإنسان، وأُخذ معظم الأسطول الفضائي البشري على حين غرة، بعدما تمكن فيروس حاسوبي صنعه الروبوت من الانتشار من مركبة إلى أخرى عبر شبكة الاتصالات المتطورة التي تربطها معاً، ولم تنج إلا Galactica المركبة الحربية القديمة وبضع مركبات أخرى من هذا الهجوم المفاجئ المبدئي، لماذا؟ لأ ن أنظمة جالاكتيكا لم تكن جزءاً من شبكة المعلومات التي صنعها البشر، وهو ما أنقذها من الفيروس الذي دمّر باقي الأسطول، ليصبح الدرس الأكثر وضوحاً: أحياناً الأحدث ليس هو الأفضل.

ربما يدعم استمرار استخدام الجيش الأميركي للأقراص المرنة منطقاً مماثلاً، حيث تقف حقيقة عدم اتصال القوات النووية الأميركية بالشبكات الرقمية، كمنطقة عازلة أمام المتسللين، وهو ما قاله الميجور الجنرال جاك واينشتاين لبرنامج “60 دقيقة” على CBS في 2014 ” سأخبرك، توفر لنا هذه الأنظمة القديمة حماية ضخمة فيما يتعلق بمشكلات الإنترنت الحالية التي يواجهها العالم”.

وأضاف “أجرينا تحليلاً كاملاً لشبكتنا منذ عدة أعوام، وتوصّل مهندسو الإنترنت إلى أن شبكتنا تتمتع بحماية وأمان شديدين بالاعتماد على الطريقة التي صُنعت بها”.

وعندما سُئل من مقدم البرنامج هل يعني ذلك أنه ليس لكم علاقة بالإنترنت؟ قال نعم مؤكداً على أن المتخصصين أوصوا بإبقاء الوضع على ما هو عليه.

بعبارة أخرى، فإن صعود قراصنة الإنترنت والحرب الإلكترونية يؤكد على أهمية الدور الذي تلعبه الأنظمة التكنولوجية التي عفا عليها الزمن.

ويهدف البنتاجون إلى تحديث أنظمته خلال العام القادم، وهناك أسباب وجيهة للقيام بذلك، لكن مثلما قد يؤدي تحديث نظام التشغيل الخاص بحاسبك المحمول إلى ظهور أخطاء غير متوقعة في اليوم الأول، يحاول القادة النوويون تلافي حدوث أمر شبيه عن طريق استخدام أحدث وأعظم التقنيات، وربما يكون هذا هو الأفضل.