مقالات مختارة

الثلاثاء,19 يناير, 2016
ألف باء الإسلام :من الوحي إلى الوعي

الشاهد_تبين مما سبق نسب هذه الأمة المتصل عبر التاريخ، من لدن آدم عليه السلام، بل من قبله: فهو نسب كلمة الله ودينه الذي ارتضاه، عقيدة، وأخلاقا، وشعيرة، وشريعة، لهذا الكون الذي دان بالعبودية له، فأطاعه وأذعن إليه واستسلم له (عبده)، ثم رضيه لخليفته في الأرض، ذلك المكلف بالإرادة الحرة، ومن ذريته،فمن شاء فليكفر ويخرج عن دائرة الاستخلاف، وليكن عبدا لكل شيء في هذا الكون، عدا الله الرب الخالق المالك جل وعلا، ومن شاء فليؤمن، ليرث أباه آدم، وليستخلف من بعده، فيتحرر من كل رق، ويقطع عن عنقه كل ربقة، عدا الاستسلام والعبودية لله، الذي يعده الخلود الكريم؛ نظير نضاله لتحرير نفسه في الحياة الدنيا من سيطرتها عليه، واستعبادها له.

 

الجنة إذن للأحرار، المكلفين المسئولين أمام رب العالمين عما استخلفهم فيه، الخلود والنعيم والمجد، كل المجد، للكرام الذين وعوا عن الله تكريمه لهم، وتسويده لهم على كل شيء، ورفعته إياهم فوق كل مخلوق، حتى الملائكة المكرمين. وما المقابل؟ لا شيء! نعم، لا شيء، فقط احترم نفسك، واحفظ وقارك، وكن كما أراد الله لك، ومثلما كان اختيارك لنفسك في الحياة الدنيا: سيدا مطاعا من كل شيء، شاكرًا حافظا للجميل، أليست تلك من شيم الكرام النبلاء؟

 

سأل الملائكة الله لما أخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة: قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ ذلك ربما يكون صحيحًا، لو أن الله أخبرهم أنه يتخذ من ابن آدم قاتل أخيه خليفة، أو أخبرهم أنه سيتخذ من فرعون وهامان وجنودهما، ومن تبعهم، ومن عمل عملهم، خلفاء له في الأرض، كان ذلك ليكون صحيحًا، لو أن الله أراد الملايين الذين يموتون في سبيل الدرهم والدولار، والبترول والدينار، خلفاء، لقد خفي على الملائكة أن هذه المخلوقات التي صبغت في ظلمة الدنيا ورجسها، إنما هي الضد الذي به تتمايز الأشياء، هذه الكائنات التي هي كالأنعام، بل هم أضل، مبلغ الغاية من وجودهم أن يمثلوا أسئلة الاختبار والامتحان المنصوص عليها للخلفاء، مبلغ الغاية منهم أن يتكادموا فيها تكادم الحمر، وأن يلعنوا كل خليفة لله يأتيهم ليبين لهم أنهم ما خلقوا لهذا، إلا أن يختاروا لأنفسهم أن يكونوا مادة للامتحان، لا كرامة الممتحن الذي يعرف ما عليه من مقررات للدرس، ومآلات للنجاح، والحصول على الإجازة.

 

كلّف الله، مع خلفائه، مخلوقات من الجن والإنس، وعدهم وقود جهنم والحجارة، ولن أتوقف للرد على الطاعنين عليه في ملكه وعزه وجبروته، المتهمين له بالظلم، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، فمن حكم في ملكه ما ظلم، وإن في قضاء الله أن يكون ضد الخلفاء مجرمون يحاربونهم، ويضطهدونهم، ويكونون موضوع الامتحان، ولا يمكنك أن تعلم من في قدر الله ذلك المجرم، أليس حين يموت المجرم يقال له: انظر إلى مقعدك في الجنة قد أبدلك الله به مقعدا في النار، والعكس يقال للمؤمن؟ في قضاء الله أن يكون مؤمنون (خلفاء) ومجرمون (موضوع الامتحان)، ولكن من اطلع على قدر الله ليعرف إن كان من المؤمنين أو المجرمين؟ ولكن اعملوا فكل ميسر لما خلق له، ودعوا عنكم تغبيش الهالكين، فما خلقتم وكلفتم، إلا بالترفع عن السفاسف.

 

وهناك من خلق الله من كلفهم؛ ليكونوا خلفاء، وقد صدق الله – عز وجل – حين قال للملائكة: إني أعلم ما لا تعلمون؛ فقد كان خلفاء الله في الأرض محمدًا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ونوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى، ومن قبلهم آدم، وسائر الأنبياء – عليهم السلام – والصديقين، والشهداء، والصالحين، هل تعلم لهم سميًا؟

 

هؤلاء هم الخلفاء الذين اختاروا ربهم، وإنسانيتهم، وخلودهم، هؤلاء الذين ناضلوا في الحياة الدنيا، ليس من أجل ترسيم سلطوي، أو تتويج ملكي، وليس من أجل اغتصاب حفنة تراب للحظة من الزمن، بل أقل من لحظة، وكل عمر الإنسان في الحياة الدنيا إذا قورن بالخلود في النعيم أو الجحيم لن يساوي لحظة، ولكنهم ناضلوا في الحياة الدنيا من أجل نزع ملكيات متوهمة، وتسلط مزعوم، عن هؤلاء الذين تجبروا في الأرض وقد ظنوا أنهم قادرون على الأرض، وقد عموا أن يروا الدنيا وقد التقمتهم، بل التهمتهم التهامًا، فحولت ملكهم من امتلاك الحقيقة في الخلود الأعلى إلى امتلاك السراب في الدنية الدنيا، ناضلوا أيضًا من أجل إخراج هؤلاء الذين تنازلوا عن حريتهم وكرامتهم، خوفًا على تراب الدنيا، وأوليات المنطق تشهد بأن كل جبان، إنما جبن خوفًا على الدنيا، وشكا في الآخرة، فاستذلهم الطغاة الطواغيت، واستأسدوا عليهم بعد إيهام ضحاياهم أن الدنيا في أيديهم، وربما أقنعوهم أنهم شركاء لله في الآخرة أيضًا.

 

هذا ما ناضل الخلفاء من أجله، وهذا ما اتهموا لتحقيقه، وهذا ما أوذوا في سبيله، وكلهم لهفة الحقيقة على إطلاع الغافل عليها، وتعريفهم بحقيقة الملك، والغنى، والكرامة التي تنازلوا عنها في سبيل نزاع دودي طفيلي، في قاع مخلفات لزج لا يساوي عند الله جناح بعوضة.

 

وددت لو أقطع لسان كل من يقول: الإسلام دين العدل! يقصد به تمكين البعض من شبهة سلطة، ينصب بها نفسه قاضيًا وناصبا ميزانا، ليمنح الناس عدلا فيحمد، أو يمنعهم عدله، فيؤمر المظلومون بالصبر على أَذًى الظالم، ولكني لو قطعت ألسنة هؤلاء، لكنت منصبا من نفسي قاضيا متسلطا عليهم، ولوقعت فيما وقعوا فيه من مستنقع عطن، فليس لي عليهم سلطة، كما أن ليس لأحد عليّ سلطة، ولا حتى نبي، وإنما أنا متحرر من كل ما سوى الله، وما دنت لله إلا باختيار حر، منحني اللطيف الخبير إياه، كي أعمل بإرادة مختارة، وعلم حق، وقدرة متوكلة عليه، فآمنت به ودنت له، كما أراد مني: مؤمنا مختارا، لا مؤمنا مجبرا مقهورا، وكذلك ينبغي أن يكون الناس الذين يدعون الإيمان بالله.

 

ما معنى أن تقول: الإسلام دين العدل؟ أليست تعني أن الإسلام منهج إذا آمن به الناس وجب عليهم أن يعدلوا؟ فإذا آمن به الحاكم كان عليه أن يعدل، وإذا آمن به المحكوم له – أيضا – كان عليه أن يعدل، وإذا آمن به القوي عدل، والضعيف عدل، وعلى الرجل والمرأة إذا آمنوا به أن يعدلوا، وكل مكلف عليه أن يعدل؟ أليس هذا هو معنى الإسلام دين العدل، أم المعنى أن الاسلام سيقيم من نفسه ميزانا يعدل به بين الناس، أم أن المعنى أن الإسلام يودع في يد حفنة من الناس ليعدلوا بين آخرين يسيرون في ركابهم منقادين مقهورين؟

 

أحسبك تقول: إن على الكل أن يعدل! إذن فمن العدل أن يموت الضعيف مقاتلا القوي الغاشم لئلا يسلبه تكليفه وإرادته التي منحها الله إياه، ومن العدل أن يستميت المحكوم له في أن يظل محكوما له، وليس محكوما، في أن يظل الحاكم وكيلا عنه في إدارة حياة المجتمع العامة، لا متسلطا عليه في تسيير أموره الخاصة، من العدل أيضًا أن تصرخ المرأة في وجه الرجل الذي استبد بها؛ معلنة أنها أمة الله، لا أمة شهوات ونزوات الذكور، من العدل إعلان العصيان على الطواغيت الذين استزلتهم الحياة الدنيا، فظنوا أنفسهم أسيادًا على الناس لتنفيذ رغباتهم في الدنيا، ونسوا أن الله خلق الناس أجمعين أسيادا على الدنيا؛ لتنفيذ شرع الله في الدنيا.

 

أليس هذا هو العدل؟ وهذا معنى قول أهل الحق إن الإسلام دين العدل؟ إذن فالإسلام دين الحرية، دين الاختيار، دين الإرادة الفاعلة، بالعلم اليقيني، في توجيه القدرة المؤهلة لعمران الأرض بخطة الله، وإصلاح ما قد يفسد منها؛ جراء نقصان إرادة الخليفة وعلمه وقدرته، والله من وراء ذلك يغفر الذنوب جميعا، إلا أن يشرك به، وأخطر شريك لله هو الهوى والكبر.

 

هكذا كان الخلفاء أحرارًا، وهكذا كانت المسيرة والدعوة: مريدة عليمة قديرة، وبهذا نزل الوحي، بعد أن أخطأ العقل (الوعي) في بواكير خطواته على الأرض، كما في قوله تعالى في الآيتين ١٨٩ وما بعدها من سورة الأعراف: “هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين، فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون”، نعم، إن مجرد الإيمان بالأسباب هو شرك مع الله غيره، فمن قال: لولا الكلب لأكل الذئب الغنم، فقد أشرك، ولولا الطبيب لمات المريض، فقد أشرك، ولولا فضل الله وفلان، أو هذا الأمر لله وللوطن فهو مشرك، فلما ترك الإنسان لعقله في بادئ أمره في أولى خطواته أشرك مع الله الأسباب؛ إذ لم يفهم الفرق بين الإيمان بالأسباب وبين الأخذ بها، فقد أمرنا الله أن نباشر العمل بالأسباب، وجعل قانون العلية (السببية) مغروسا في فطرتنا وخلقنا، ولكنه لم يرد منا الإيمان بالسبب، فلم يرد منا أن نعبد الآباء والأمهات لأنهم سبب وجودنا، ولم يرد منا أن نعبد الأنواء والأفلاك لأنهن سبب غيثنا وزرعنا، فأشرك الأوائل هذا الشرك، غير أن الله عفا عنهما لحداثة عهدهما بالخلافة، ولذلك لم يسمهما مشركٓين، وإنما نسب الشرك إلى من جاء بعدهما فقال: “فتعالى الله عما يشركون” ولم يقل: عما يشركان.

 

ولهذا كان الوحي في بادئ الأمر، فصار الوحي بالإنسان مسيرة مرشد، لا مسيرة مرب، لا متسلط، يشير على الإنسان بما يصلحه في كل جوانب حياته ومسيرته المبكرة، حتى نضج الوعي وأصبح قادرًا على الاختيار الحسن بالطبع، كما أنه قادر على الاختيار الحسن بالجبلة والفطرة، لقد كان الوعي في بواكيره مأخوذا ببريق وهم الدنيا، تسهل استمالته بعيدا عن صالح نفسه، إذ لم يكن يعرف كثيرا عن هواه، ورغباته وغرائزه، ومن وراء ذلك كان الشيطان عدوا جديدا عليه، لم ينازله في معارك حاسمة بعد، غير مرة أو مرتين، فكانت رحمة الله بالإنسان وحيًا مثابرًا مع الإنسان، صابرًا على خطواته المتعثرة، ولكن الإنسان نضج!

 

نعم، نضج الوعي، اختبر نفسه مرارًا، اختبر الترهيب بالنار، والسلطة الطاغية، كما اختبر ترهيبه بالصلب، والقتل، اختبر كذلك شهوته تجاه النساء، والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرث، اختبر كل ذلك، وعرف متى يحارب، ومتى يولي دبره متحيزا إلى فئة ينصرونه، أو متحرفا لقتال في موقعة أخرى، كذلك اختبر الشيطان في معارك حاسمة قاصمة، اختبره يوم الشجرة في الجنة، واختبره يوم هدده أخوه ليقتلنه، واختبره يوم أُمره الله بذبح ابنه فخوفه الشيطان، وشنع على شرع الله واستبشعه، كما اختبره يوم دعا الله لينجي قومه، فلما نجاهم عبدوا العجل من دون الله، واختبر الشيطان – أيضا – يوم قدم الشرع الروح على المادة، والرحم على القانون، فحاول الشيطان صلب خليفة الله بوشاية أهل خليفة اللهو وقد باعوا أخاهم ووشوا به عند الطاغوت.

 

الآن أصبح الوعي في قمة نضجه، فما المانع من أن يختم الوحي، وينقطع مدد السماء؛ ليفسح المجال لمدد الكرامة الربانية، والنفخة الإلهية، ما المانع أن يكون الوحي الخاتم جملة قواعد ومبادئ، مع بعض النماذج القانونية، يستضيء بها الوعي لينشئ نظامًا إسلاميًّا: فروعه وأوراقه وثماره الوعي، بينما ساقه وجذوره الوحي؟

 

لقد آن الأوان أن ينسخ الله – جل وعلا – كل قانون أرشد الإنسان يومًا، ليأذن بنزول دستور شامل، على أمة عالمية، لا عرقية، ولا فئوية، ولكن أمة عالمية تمثل الإنسان في كل زمان ومكان، بكل ألوانه ولغاته، وثقافاته وحضاراته، وتنوعه وتعدده؛ ليبني خطة عمرانه لأول مرة مسترشدًا بالوعي المستند على الوحي.

 

لقد آن الأوان لرسالة بشريعة تحمل نفس اسم الدين، فقد كان الدين دائما وأبدا عند الله الإسلام، وكان التشريع آدميا، أو نوحيا، أوإبراهيميا، أو حتى موسويا ومسيحيا، فما المانع إذن وقد تطور الوعي أن ينسب التشريع الخاتم للإنسان (الخليفة) بصفة عامة، لا بصفة خاصة؟ أليس كل خليفة يسلم أمره لله ويذعن لشريعته وأوامره ونواهيه؟ فليكن التشريع الخاتم لا محمديا ولا موسويا ولا مسيحيا، فليكن التشريع الخاتم حاملا نفس اسم دين الله، لتكن شريعة الإسلام التي يحملها الإنسان المسلم لله نفسه، صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله وحده رب العالمين.

 

وما دامت الشريعة الخاتمة هكذا فهي لن تكون مجرد أوامر يتلوها محمد النبي – صلى الله عليه وسلم – فقط، كما كانت الشرائع قبله، ولكنها ستكون شريعة دستورية يشترك الوعي الإنساني كله في استخراج القوانين منها، ملتزما في سبيل النجاح في هذا الأمر بالاسترشاد ببعض القوانين الإلهية التي جعلها الله نموذجا تشريعيا، ولذلك فإن هذه الرسالة بهذا التشريع تقبل أن تتعدد الرؤى الفكرية النابعة من وعي مسترشد بقانون الله، ملتزم بكلياته، شريعة تتقبل فكرة تعدد السبل إلى الغاية الواحدة، شريعة تؤمن بتنوع ألوان الحكم على الأمور كلها، فلم يعد الحكم مجرد حلال وحرام، أبيض وأسود، صادق وكاذب وفقط، بل شريعة تعد الذين أحسنوا الحسنى وزيادة! فما الزيادة على الأحسن والحسنى، ما الزيادة على الأول والأفضل؟

 

إنها شريعة تعلم الوعي أن للحكم درجات كثيرة: فهناك ما بين الأبيض والأسود ألوان كثيرة، وكذلك ما بين الصادق والكاذب، وما بين الإيمان والكفر، والحق في هذه الشريعة درجات، وكذلك الباطل، كيف ذلك؟ وكيف أن الشريعة الخاتمة، أو وحي الله إلى الوعي الإنساني، متعددة الأحكام بين فرض وواجب ومندوب ومستحب ومباح وخلاف الأولى ومكروه وحرام؟ لهذا المقال مقالة أخرى إن شاء الله تعالى.

 

سامي نجم