أهم المقالات في الشاهد

الأحد,24 أبريل, 2016
أطبّاء…و لكن متهرّبون؟

الشاهد_”لما تخرجت من كلية الطب عام 2002، كان لدي حلم واحد، فتح عيادة وجني الأموال بعد تعب أكثر من 20 سنة في الدراسة”. كان ذلك حلم “فريدة”، الطبيبة ذات الثلاثين ربيعا.

بدت “فريدة” (اسم مستعار، لرفض الطبيبة الكشف عن اسمها الحقيقي)، مرهقة، وهي تتحدث إلى المحاسب الذي يساعدها في إعداد التصاريح بالاقساط الاحتياطية المطالبة بها لدى القباضات المالية.

 

“كل عائدات عملي (التي لم تكشف عن حجمها)، أوزعها بين أجر الكاتبة وتغطيتها الاجتماعية ونفقات الكراء والبقية أدفعها لل-“فيسك” ولخلاص القرض الذي تحصلت عليه من البنك التونسي للتضامن، ولا يبقى لي سوى القليل لتأمين عيش كريم”.

 

تصنف “فريدة” نفسها من الأطباء الشباب الذين انطلقوا من الصفر. تقول في تصريح ل”وات”: “ليست لنا ثروة لنصرح بها (للحاكم)، فكل ما نجنيه محاصر، لأن جل من نعالجهم من المرضى منخرطون في الصندوق الوطني للتأمين على المرض وشركات التأمين، لذا يمكن لإدارة الجباية مراقبتنا بالمليم”، على حد قولها.

 

وتزعم المتحدثة أن “الأطباء الكبار يجنون الملايين في الشهر، ولا يصرحون بها”، مشيرة إلى أن “مرضى هؤلاء هم من علية القوم، ولا يهتمون للتأمين على المرض، وهم لا يصرحون إلا بالقليل، أما العمليات الثقيلة التي يتقاضون عليها أجرا عاليا، فإنهم يخفونها ولا يصرحون بها”، حسب روايتها.

 

وتذهب الطبيبة الشابة إلى حد القول بأن عدم التصريح بالمداخيل الحقيقية فيه “جحود وتنكر للدولة، التي أوفدت العديد من هؤلاء الأطباء في تربصات مهنية في اختصاصات دقيقة، وأنفقت على دراستهم الكثير”.

 

كيف يخفي هؤلاء أموالهم؟ حسب “فريدة”، هم يقتنون العقارات والسيارات والأسهم في البورصة لفائدة أفراد عائلاتهم ويحولونها الى ملكيتهم عن طريق “الهبة”، وبذلك لا يتركون دليلا على اكتسابهم لهذه الأموال ؟؟

 

الأطباء يصرحون بأجر يعادل 1303 دينار:

 

تشير أرقام وزارة المالية لسنة 2013، التي تحصلت عليها (وات)، إلى أن الاطباء في القطاع الخاص، بما في ذلك أطباء الأسنان، والبالغ عددهم 7800 طبيب، صرحوا خلال سنة 2013، بمداخيل تقدر بحوالي 180 مليون دينار، دفعوا نظيرها ضرائب تقدر بنحو 36 مليون و800 ألف دينار، فقط.

 

وطبقا لهذه الارقام، يساهم الطبيب الواحد في الأداءات بمعدل 4708 د سنويا، وهو ما يعني حجم دخل صاف شهري بقيمة 1303 دينار (د) للطبيب الواحد. علما وأن طبيب الأسنان الواحد لا يساهم سوى بمعدل 1813 د في الضرائب سنويا، وهو ما يعني معدل دخل شهري بقيمة 672 د.

 

ورغم تحفظ المسؤولين في وزارة المالية عن الخوض في الموضوع، فقد أكدت المديرة الجديدة للتشريع الجبائي بوزارة المالية، سهام نمسية، أن قيمة الضرائب التي يدفعها 75 بالمائة من هؤلاء الأطباء، لا تصل إلى قيمة ما يدفعه الطبيب في القطاع العام الذي يخضع للخصم من المورد وهو ما يعني ان ثلاثة ارباع الأطباء مخالفون لاحكام قانون المالية التكميلي لسنة 2014.

 

ويرى المستشار الجبائي محمد صالح العياري، أنه “على وزارة المالية القيام بعمليات تقص لدى هياكل التأمين على المرض الخاصة والعمومية، للوقوف على الحجم الحقيقي لنشاط الأطباء”.

 

واعتبر أن تعزيز هيكل المراقبة الجبائية بمراقبين من ذوي الخبرة وتكوينهم، أصبح اليوم، ضرورة للحد من التهرب الجبائي، سواء كان ذلك بالنسبة للأطباء وأصحاب المهن الحرة، أو بالنسبة لمختلف القطاعات الأخرى، والذى” تقدر نسبته حسب رأيه ب50 بالمائة، كما يتطلب تحقيق هذا الهدف، وفق قوله، مراقبة هؤلاء المراقبين في حد ذاتهم.

 

 

تصريح ب-240 مليون دينار “للكنام”:

 

وسعيا للتثبت من صحة المعلومات التي يتقدم بها الأطباء لدى مصالح الضرائب، توجهنا إلى صندوق التأمين على المرض “كنام”، أين تحصلنا على إحصائيات حول نشاط أطباء القطاع الخاص، وحاولنا مقارنتها مع ما يصرحون به.

 

تشير هذه الاحصائيات إلى أن عدد العيادات الطبية المصرح بها في القطاع الخاص، تقدر بأكثر من 6 ملايين عيادة بالنسبة للطب العام وطب الاختصاص. وبعملية حسابية، إن كان ثمن العيادة الطبية الواحدة يتراوح في تونس بين 30 و50 دينار، فإن نشاط أطباء القطاع الخاص تقدر قيمته ب-240 مليون دينار، بمعدل 40 دينارا للعيادة الواحدة.

 

وإلى جانب هذه العيادات، فإن الأطباء يصرحون للصندوق بما يزيد عن 50 ألف ولادة، و61 ألف عملية جراحية، بلغت كلفتها بالنسبة لصندوق التأمين على المرض 26 مليون دينار لكل منهما.

 

وإذا افترضنا أن 30 بالمائة من تكاليف هذه العمليات تصرف لفائدة الأطباء، فذلك يعادل مداخيل للأطباء بقيمة 16 مليون دينار. وهو ما يعني مداخيل سنوية بقيمة 256 مليون دينار.

 

غير أن التهرب الجبائي عند الأطباء ليس بهذا القدر البسيط، بل يمكن أن يصل إلى أكثر من 50 بالمائة من المداخيل.

 

الاطباء لا ينفون التهرب ويؤكدون ان هامشه تقلص كثيرا خلال السنوات الاخيرة:

 

غير أن الأطباء لا ينفون التهرب الجبائي، ويصفونه “بالنسبة الضئيلة” باعتبار ما يتعرضون إليه من عمليات مراقبة مكثفة.

 

وفي هذا الصدد، قال رئيس نقابة الأطباء، الدكتور فوزي الشلي، “إن امكانية التهرب لدى الطبيب باتت اليوم ضعيفة، وتنحصر في بعض التدخلات المحدودة، باعتبار أن كل نشاط الأطباء مراقب، ذلك أن دائرة التغطية الصحية (التأمين الصحي) أصبحت تتوسع يومابعد يوم، وتشمل مختلف شرائح المجتمع وجل الأمراض”.

 

وبين أن “للطبيب كراسا يتسلمه من القباضة المالية ويدون فيه كل نشاطه يوميا وبصفة دقيقة ومسترسلة، بما يجعل من السهل مراقبته”.

 

واعتبر أن مجالين فقط يمكن أن يقتصر عليهما التهرب، وهما نشاط الأطباء في المصحات والعمليات الجراحية، ومعالجة المرضى الأجانب.

 

وفعلا، فقد أكد لنا العديد من المرضى “أن المصحات تطلب أتعاب الطبيب على حده، ولا يتم احتسابها ضمن فاتورة المصحة”، وذلك حتى لا تضمن في القوائم المحاسبية للمصحة، وبالتالي التصريح بها لدى المصالح الجبائية.

 

كيف يتهرب الأطباء؟

 

ينزع العديد من الأطباء إلى شراء العقارات ليخفوا أرباحهم ويهربوها، فلا يمكن تتبعهم، لأن صكوك الملكية عادة ما تكون مسجلة بأسماء أبنائهم او أزواجهم أو زوجاتهم. كما يعد الاستثمار في البورصة، الذي تتوفر فيه عديد الامتيازات الجبائية، أحد أهم المجالات التي يقوم الأطباء بالاستثمار فيه وتهريب أموالهم إليها.

 

وقد أكد وسيط بالبورصة، طلب عدم الكشف عن هويته، هذا الأمر، إذ قال: “إن العديد من الأطباء يعمدون إلى استثمار أموالهم في البورصة، بيد أن ذلك لا يجري إلا عن طريق أبنائهم أو زوجاتهم أو أزواجهم”.

 

واستفاد الأطباء من ثغرات في القانون، أو عدم دقة عمليات المراقبة في هذا الإطار. فالمراقبة الجبائية لا تشمل سوى أملاك الطبيب ومصدرها، ولا يمكن التثبت بنفس المناسبة من أملاك أصوله وفروعه، فكل واحد يعتبر كتلة جبائية مستقلة، وبالتالي لا يمكن للمراقبة الجبائية أن تقف على هذا التلاعب، بالنظر إلى أن عملية المراقبة تقتصر على ما يملكه المطالب بالأداء ولا تطال الأصول والفروع.

 

وبشكل أكثر وضوحا، عندما يقول الطبيب إن ممتلكاته مصدرها مثلا هبة من والديه، فإن “المراقب لا يقوم بالتثبت من مصدرها لدى الوالدين”، حسب ما أفاد به أحد المراقبين التابعين للإدارة العامة للجباية.

 

ولكن المستشار الجبائي، محمد صالح العياري، يبين أن القانون يلزم المراقب بالتثبت من مختلف ممتلكات المطالب بالأداء وممتلكات الفروع والأصول حتى تكتمل عملية المراقبة، غير أنه استدرك بالقول “إن عدد المراقبين يعتبر ضعيفا مقارنة بعدد المطالبين بالأداء،” وهو ما يجعل من الصعب إجراء عمليات مراقبة متكاملة”.

 

وهو نفس ما أكده المدير بالإدارة العامة للاداءات معز دلدول، الذي بين أن النسيج الجبائي في تونس يضم 685 ألف مطالب بالأداء، مقابل ألف عون مراقبة يقومون بأكثر من 23 ألف عملية مراقبة سنويا، منها 3000 مراقبة معمقة.

 

وقال دلدول “إن قلة الإمكانيات البشرية والمادية تجعل برمجة عمليات المراقبة تعتمد بالخصوص على ضمان المردودية في المقام الأول”، فالهدف المنشود على حد قوله “هو تحقيق مداخيل إضافية لميزانية الدولة”.

 

واعتبر الخبير المحاسب، أنيس الوهابي، أن “ما يجنيه الأطباء لا يمكن مقارنته مع ما يجنيه أصحاب المقاهي في المناطق الفاخرة، والذين يخضعون لنظام جزافي، ويدفعون للدولة بضعة دنانير في السنة”. وقال “إن الأطباء يؤمنون نشاطهم بأنفسهم، ويتعبون كثيرا في أدائه، ويعتبرون أنه من الظلم أن تشاركهم الدولة في ثماره”، على حد تقديره.

 

مداخيل الأطباء في تونس يمكن أن تصل إلى 383 مليون دينار:

 

وللوقوف على حقيقة نشاط الأطباء، تحولنا إلى عدد من العيادات الطبية. ورغم ملاحظتنا للأعداد الكبيرة من المرضى الذين يرتادون هذه العيادات، فإن الأطباء عادة ما يمتنعون عن الخوض في كل ما يهم حجم نشاطهم، ويقولون إن أغلب هؤلاء هم مرضى يراجعون الطبيب لمرة ثانية لمراقبة تطور المرض عندهم، وهم لا يدفعون أجرة مقابل ذلك، وفق رواياتهم.

 

وعند طلبنا مواعيد لزيارة بعض الأطباء، تحصلنا على مواعيد بعيدة تصل إلى 5 أو 6 أشهر بالنسبة للبعض. وفي إحدى العيادات اضطررنا إلى الانتظار نصف يوم أو كامل اليوم. كاتبة بإحدى العيادات الطبية، أكدت لنا أن العيادة يزوها في بعض الأيام أكثر من 50 مريضا، ويضطر الطبيب للبقاء إلى منتصف الليل.

 

ويبدو أنه من الصعوبة بمكان الجزم بحجم مداخيل الأطباء بالاستناد إلى مظاهر الثراء لدى هذه الفئة، ذلك أن أغلب السيارات والمنازل يتم اقتناؤها على حساب شركات الإيجار المالي، ما يؤشر على اعتماد منوال تمويل يقي البعض منهم الوقوع تحت طائلة “من اين لك هذا ؟”.

 

ويمكن التأكيد أن العديد من الأطباء يساهمون في راس مال العديد من المصحات الخاصة، حسب ما لاحظناه انطلاقا من القانون الأساسي لعدد من المصحات، تحصلنا عليها من السجل التجاري.

 

فإحدى المصحات الفاخرة في منطقة المركز العمراني الشمالي بالعاصمة مثلا، هي على ملك أحد الاطباء وعائلته.

 

وباستمرار بحثنا عن تقدير موضوعي لنشاط الأطباء، إذ تحصلنا على وثيقة أعدتها وزارة الصحة تقدر فيها حجم الانفاق على الصحة في تونس او ما يعبر عنه بالحسابات القومية للصحة العمومية. وقد اكتشفنا ان المساهمة المباشرة للمواطن التونسي في النفقات الصحية تعد من بين النسب الاعلى في العالم وهو ما اعتبره معدو الوثيقة وضعا يزيد في تفقيره والتقليص من قدرته الشرائية.

 

وتقدر المساهمة المباشرة للأسر في النفقات الصحية في تونس ب-7ر2021 مليون دينار توجه كليا الى القطاع الخاص و10 بالمائة منها توجه إلى الأطباء، اي ما يعادل 202 مليون دينار.

 

وهو ما يؤكد انه علاوة على مساهمة “الكنام” فإن الأطباء يحصلون على ما يعادل 202 مليون دينار مباشرة من المرضى خارج التغطية الصحية. وبذلك يكون الدخل التقديري لهذه الشريحة 385 مليون دينار.

 

وبعملية بسيطة تبين “أن التهرب الجبائي لدى الاطباء حقيقة واضحة” ويمكن ان تصل نسبته الى 50 بالمائة وليست “حملة ممنهجة ضد الاطباء” كما قالت عمادة الأطباء في تعليقها على ما ورد في قانون المالية التكميلي من اجراءات للحد من تهرب هذه الفئة من دفع حق الدولة في ممتلكاتهم.

 

فالطبيب في المعدل لا يصرح سوى بنصف ما يحققه من مداخيل. وفي خطوة اعتبرها العديد جريئة، اقترحت الوزارة في قانون المالية لسنة 2016 فصلا ينص على إجبار الأطباء على مسك مذكرة أتعاب مرقمة بعد قرارها لرفع السر البنكي في مشروع قانون المالية التكميلي لسنة 2015

 

ويلاقي هذا القانون معارضة كبيرة اذ يواصل الاطباء تعنتهم ويرفضون هذه الاجراءات التي ستساهم ولو بصفة بسيطة في الكشف عما يجنونه من اموال يحاولون جاهدين اخفائها.

 

تهرب الأطباء والمهن الحرة ملف مسكوت عنه في وزارة المالية:

 

مهنة الطبيب في تونس هي إحدى المهن الحرة التي تبقى فيها مسالة التهرب الجبائي من بين الملفات التي “لم تتجرا وزارة المالية إلى حد الآن على فتحها بجدية وتتحاشى الخوض فيها رغم سعيها الى إقرار إجراءات للحد من ظاهرة التهرب التي تثقل كاهل الدولة”.

 

“لا نريد ان نستهدف فئة دون غيرها في ما يتعلق بالتهرب الجبائي” ذلك ما يردده مسؤولو وزارة المالية عند مواجهتهم بعدم الجدية في التعامل مع هذا الملف. “وقد ذهب وزير المالية إلى ابعد من ذلك حيث افاد في تصريحات اذاعية “لا نريد الدخول في صدام مع هذه المهن … سنحاول التحاور معهم”.

 

ورفضت وزارة المالية مدنا بارقام محينة عن المبالغ التي يصرح بها الاطباء معللة ذلك بانها معطيات شخصية.

 

ويخضع أصحاب المهن الحرة غير التجارية الى الفصل 20 و 21 من مجلة الضريبة على الدخل التي تنص على توظيف الضريبة على الدخل على نسبة مرابيح تقديرية تعادل 80 بالمائة من المداخيل التي يحققها الطبيب.

 

ورغم أن العديد من المهن تخضع لنفس الفصول، غير أن الأطباء والمحامين هما الفئتان اللتان يظل المجال واسعا أمامهما للتهرب، باعتبار تعامل هذه المهن مع الأشخاص. “فالأطباء والمحامون ليسوا مجبرين على إصدار فواتير في تعاملاتهم، وبذلك يكون المجال أمامهم واسعا للتهرب”،” حسب ما صرح به ل”وات”، محمد صالح العياري، الأستاذ الجامعي والمستشار الجبائي.

بسمة الشتاوي-وات