كتّاب

الخميس,7 أبريل, 2016
أزمة الأحزاب تهديد للديمقراطية الناشئة

slah eddine elgourchi

صلاح الدين الجورشي

الشاهد_هناك ظاهرة لافتة للنظر في تونس، ولعلها تشمل الكثير من الدول العربية، تتعلق بعموم الأحزاب، تولد بسرعة، وتنمو في كثير من الأحيان بسرعة، لكنها في أغلب الحالات تنقسم وتنهار بنفس السرعة.

يحصل ذلك في وقت اشتدت فيه الحاجة لأحزاب قوية ومتماسكة تكون في مستوى قيادة البلاد، وحمايتها من الانهيار. فما هي العوامل التي تتدخل لتجهض النشاط الحزبي في تونس التي تهيأت فيها الظروف لبناء نظام سياسي ديمقراطي؟

لمحاولة الإجابة عن هذا السؤال تجدر الإشارة إلى أن الحزبية في تونس تعرضت لعملية إيقاف عنيفة بعد الاستقلال مباشرة. أما قبل ذلك التاريخ وفي مرحلة الاستعمار كانت للتونسيين تجربة في هذا المجال يعود تاريخها إلى ما بعد الحرب العالية الأولى، حيث اتجه الشيوعيون من أصول فرنسية وتونسية نحو تأسيس الحزب الشيوعي التونسي الذي بقي مرتبطا لمدة سنوات بالحزب الشيوعي الفرنسي.

وفي مقابل ذلك عمد بعض الوطنيين بقيادة الشيخ الزيتوني المستنير عبد العزيز الثعالبي إلى تأسيس ” الحزب الدستوري التونسي “.

هذا الحزب الذي نجح في إطلاق النضال السياسي، سرعان ما تعثر وعاش أزمة داخلية أفضت إلى انقسامه حيث تمكن المحامي الشاب الحبيب بورقيبة من تجميع عدد من العناصر التي تعلمت في باريس، وبالاعتماد عليهم شق الحزب الدستوري الجديد طريقه نحو قيادة الحركة الوطنية وإدارة الصراع مع فرنسا وصولا إلى المفاوضات مع مختلف الحكومات الفرنسية. فعندما توفرت الإرادة والالتحام بالجماهير والقيادة أمكن بناء الحزب المدعوم من قبل الشعب والذي صمد في وجه التحديات والمحن.

بعد الاستقلال، قرر الحزب المنتصر أن يلغ بقية الأحزاب رغم ضعفها الشديد. وبذلك انطلقت البلاد في تجربة الحزب الواحد والقائد الأوحد. لكن مع ذلك استمر جزء من النخب الجديدة في نضالها من أجل الدفاع عن حقها في تأسيس الأحزاب، وهو ما كلفها الكثير من العناء، وهو ما جعل الرئيس بن علي يستثمر هذه الحاجة ليدعم بها خطته للانقلاب على بورقيبة والسيطرة على السلطة، وذلك من خلال فبركة مشهد حزبي ضعيف وباهت، لكنه سرعان ما تراجع عن ذلك وحول الحزبية إلى هياكل ضعيفة وفاقدة للمصداقية.

عندما اندلعت الثورة وغادر بن علي السلطة والبلاد، اندفع الجميع تقريبا نحو تأسيس أحزاب كثيرة حتى تجاوز عددها 160 حزبا. لكن ذلك كان مجرد طفرة ولدتها حالة الشعور بالحرية سرعان ما خمدت، وتقلصت الأحزاب الفعلية إلى حدود العشرين. لكن رغم زوال العقبات السابقة أمام التنظيم الحزبي، لوحظ وجود عجز إما عن تنمية هذه الأحزاب، أو على الأقل المحافظة على انتشارها وتماسكها.

لقد مرت كل الأحزاب تقريبا بصراعات حادة أدت إلى تراجع أغلبها، وباستثناء حركة النهضة التي لا يعرف إن كانت ستخرج من مؤتمرها القادم بدون خسائر أم لا، فإن الكثير منها مر ولا يزال بظروف صعبة.

ويعود ذلك بالأساس إلى صعوبة الاحتفاظ بحماية وحدة الحزب رغم التنوع والاختلاف.

إذا سيكون من المستحيل أن ينصهر أفراد في هيكل تنظيمي واحد، ويبقون سنوات مع بعض دون أن تتباين آراؤهم ومواقفهم من بعض المسائل الأساسية، أو تتنافر طباعهم وميولهم.

إن من طبائع الناس والأشياء هو الاختلاف، لكن التحدي الذي يواجهونه يتعلق بمدى قدرتهم على الاستمرار في إدارة اختلافاتهم بطرق حضارية بعيدة عن التشنج والإقصاء.

ولهذا لا يكفي أن تتخذ الأحزاب من الديمقراطية شعارا لها، ولكن الأهم والأجدى هو ممارستها في علاقاتها الداخلية.

والحزب الذي يفشل في أن يتمكن أعضاؤه من احترام التنوع في صفوفه كيف يتم الاطمئنان له لكي يطبق قواعد اللعبة الديمقراطية عند بلوغه السلطة ويكون مفوضا لاحترام آراء المواطنين واختياراتهم.

بين السياسة والمال علاقات معقدة وملتوية. فالعمل الحزبي مهما كان لونه وحجمه ليس مجرد نشاط خيري يعتمد فقط على التطوع. إنه يحتاج بالضرورة إلى مال كثير، وكلما اتسعت رقعة الحزب وامتدت شبكاته زادت نفقاته.

يبدأ الحزب بتحمل المؤسسين القدر الأوفر من احتياجاته المالية من أجل تغطية إيجار مقره المركزي وتوفير أجور الموظفين وبقية المصاريف القارة.

لكنه في حال أن امتد ترابيا وأصبحت له مكاتب وصحيفة واحتاج لتنظيم حفلات استقبال وطباعة مناشير والانخراط في الحملات الانتخابية فإن ذلك كله يفرض أموالا ضخمة تتجاوز قدرات الأعضاء، وعندها يضطر الحزب إلى الحصول على دعم الأثرياء وأن يقبل الهبات.

وفي لحظة من اللحظات يدخل على الخط المال الفاسد، أو الدعم المشروط الذي يدفع أصحابه باليمين ليسترجعوا أضعاف ما قدموه باليسار. وأهم ضريبة تدفعها الأحزاب التي تقبل بالسباحة في المياه الكريهة أنها تفقد مصداقيتها ويبتعد عنها المواطنون ويغادرها الشرفاء من أعضائها.

الحزبية مغامرة صعبة، خاصة خلال المراحل الانتقالية، وهي مراحل تأسيسية.

إنها معادلة معقدة، إذ يجب على الحزب أن يبدع، ويتضامن بين أعضائه، ويكون قادرا على معالجة المشكلات التي يواجهها المواطنون، لكنه في الآن نفسه عليه أن يعترف بنقائصه وفشله، وأن يجدد نفسه في اللحظة المناسبة، وأن يعطي الفرصة لتجديد المياه الراكدة قبل أن يجرفه التيار وينهار بين عشية وضحاها ليجد نفسه خارج التاريخ.