كتّاب

الأحد,3 ديسمبر, 2017
هذه الإشاعات السياسية في تونس

ربما كان من الطبيعي أن تنتشر الإشاعات في المجال السياسي، باعتباره ساحة للتنافس والصراع بين القوى المختلفة، حيث تتحول الإشاعة إلى أداة من أجل فرض توجهات معينة أو تلميع شخصيات أو منح الشرعية لتوجهات سياسية هي محل تنازع بين الأطراف الحزبية والمجتمعية المتنوعة. وفي هذا السياق، يمكن فهم انتشار الإشاعات في المشهد التونسي الحالي.
 
وقد انتشرت، أخيرا، إشاعة تروج خبر وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي، إلى حدّ كبير أثار ردود فعل رسمية ممتعضة ومندّدة، خصوصا وقد تم اختلاق الخبر، ونسبته بشكل مفتعل إلى موقع إخباري فرنسي معروف (قناة فرنسا 24) الذي أصدر تكذيبا. وعمدت رئاسة الجمهورية إلى إعلان ممارسة حقها في مقاضاة الأشخاص والجهات التي تقف وراء ترويج الخبر، وهو ما تم بعد القبض على أشخاص يُفترض أنهم وراء الإشاعة. وبغض النظر عن ملابسات هذا الحادث، يمكن القول إن الشائعات السياسية ليست من قبيل ما هو عرضي أو طارئ على الحياة السياسية في تونس طوال تاريخ دولة ما بعد الاستقلال، غير أنه من الأكيد أن الشائعات أخذت بعدا مختلفا بعد الثورة، خلافا للصور التي كانت عليها زمن الاستبداد. فقد كانت الإشاعة السياسية زمن حكم بن علي تتغذّى أساسا من التعتيم الإعلامي، وغياب حرية تبادل الأخبار، وحالة الرقابة الرسمية المفروضة على الإعلام وحرية تداول المعلومات.
 
ولهذا تميزت الشائعة السياسية حينها بكونها بطيئة يتم ترويجها همسا وبهدوء، وهو ما يمنحها مصداقيةً كبيرة في نظر المتلقي، خصوصا في ظل الغموض الذي يلفها، وغياب أي مصدر يمكن أن ينفيها.
 
وقد استفادت المعارضة السياسية حينها من الإشاعات في تقويض نظام الاستبداد، خصوصا مع تصاعد روح التمرّد وظهور البشائر الأولى للثورة التونسية، حيث أصبح عمل الإشاعات متساوقا مع ثورة المعلومات وانتشار مواقع الاتصال الاجتماعي. ويكفي أن نذكر، في هذا السياق، الدور الإيجابي الذي لعبته الإشاعة التي تحدثت عن رفض قائد الجيش أوامر بن علي للمشاركة في قمع جموع الجماهير الثائرة. على أنه في المقابل برع النظام الاستبدادي في استخدام سلاح الشائعات ضد خصومه، تشويها وتحطيما، كما تم توظيف الشائعة للتحكم في الناس وإخضاعهم، خصوصا التي كانت تُطلق لاستطلاع توجهات الرأي العام ومدى تفاعله مع الإجراءات الاقتصادية أو السياسية التي تتخذها السلطة حينها.
 
أما بعد الثورة فقد تحولت الشائعات في المجال السياسي إلى جزء أساسي من المشهد العام في البلاد، سواء في إطار الصراع الحزبي، أو في أثناء الحملات الانتخابية. ويمكن تصنيفها الى نوعين، الشائعات المقصود منها توجيه الرأي العام وإعادة برمجة المتلقين في سياق سياسي معين، حيث استخدمت القوى النافذة من بقايا النظام السابق الشائعات أداةً للعودة إلى المشهد السياسي وتصوير البلاد كأنها تسير إلى الهاوية في ظل الأحزاب التي وصلت إلى السلطة بعد انتخابات 2011.
 
وقد تمكنت بالفعل من استمالة قسم مهم من الجمهور الذي يبحث عن الاستقرار، والخروج من الحالة الانتقالية، وكان المظهر الأشد قتامةً لسيطرة منطق الإشاعة، بصورتها الممنهجة، ما تم ترويجه ضد الرئيس السابق، المنصف المرزوقي، وتحميله كل مساوئ المرحلة من ضعف اقتصادي وإرهاب، وصولا إلى القمامة في الشوارع. وقد حققت هذه الشائعات أغراضها مع تحقيق حزب نداء تونس نتائج مهمة في انتخابات 2014، وتوليه السلطة، ليكتشف الجميع أن ما قيل لا يعدو أن يكون مجرد حرب دعائية مع فشل أركان الحكم الجديد في إنجاز أي تغيير فعلي على المستويين، الاقتصادي والاجتماعي.
 
النمط الثاني من الشائعات هو القائم على استهداف الشخصيات السياسية المختلفة، سواء عبر الحديث عن تورّطها في فساد محتمل، وأحيانا تأتي الإشاعة للتمهيد لإقالة مسؤول حكومي أو تصفية حسابات خفية بين أجنحة سياسية داخل حزب واحد، مثلما حصل بين شقوق حزب نداء تونس المختلفة. وربما كانت الميزة الأساسية لشائعات هذه المرحلة من الصراع السياسي أنها سريعة الانتشار، وتتمدد من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تفقد تأثيرها لصالح إشاعة جديدة يتم تسويقها بالأساليب نفسها.
 
ويمكن القول إن جميع الأحزاب وغالبية الشخصيات السياسية في تونس كانت هدفا لإشاعاتٍ معينةٍ، بشكل أو بآخر، وربما كانت الإشاعة التي استهدفت، أخيرا، رئيس الجمهورية دليلا على حالة التوجس التي تسود المجتمع التونسي، في ظل غموض المشهد السياسي بصورة عامة.
 
وإذا كانت تونس، بعد ثورتها، تتمتع بمجال للتعبير على المستوى الإعلامي لتداول الأخبار والمعلومات، وهو ما يُفقد شائعاتٍ كثيرة فاعليتها، فإن الخطير في الموضوع تورّط بعض وسائل الإعلام في ترديد شائعاتٍ وأخبار كاذبة للتحكم في الرأي العام. وإذا كان المطلوب هو انضباط هذه الأجهزة الإعلامية لميثاق شرف المهنة، فإن من الخطأ المطالبة بكبح جماح الحريات تحت أي مبرّر كان، فلا يمكن معالجة فوضى المعلومات وحرب الإشاعات إلا ببسط مزيد من الحريات، وليس بحظرها والحجر عليها.
 
سمير حمدي _ العربي الجديد