ورقات

الجمعة,11 أكتوبر, 2019
نبيل القروي مجرّد أداة اختراق.. من انتدب مستشار اسحاق رابين للتدخل في تونس؟

كشف الحوار المسجل مع أري بن ميناشي، الإسرائيلي الأصل، ومدير مؤسسة ضغط كندية، حول علاقته بالمرشح الرئاسي نبيل القروي، عديد المعطيات السرّية التي لم يجد بن ميناشي حرجا في الإفصاح عنها. وفي الوقت الذي بدا أنّه فضح الأساليب غير المشروعة والخارجة عن القانون التي عمد إليها القروي، وقد تضعه تحت طائلة القانون، بما قد يرقى لشبهة التآمر على أمن الدولة الخارجي، فإنّ مستشار إسحاق رابين رئيس الحكومة الإسرائيلية سابقا، كان واثقا من أنّ الإدارة الأمريكية ستحول دون أن تسوء الأمور مع القروي، بشرط أن يقول هو وفريقه الحقيقة، وفق تعبيره.

فما هي الدوافع التي جعلت أري بن ميناشي يفصح عن جزء من شبكة علاقات القروي، ما قد يكون في غير صالحه انتخابيا، وقد حصل ذلك فعلا في الانتخابات التشريعية، حسب ما أظهرته توجهات الرأي عند التصويت، حسب نتائج سبر الآراء؟

سنجيب عن هذه التساؤل بعد أن نوضح المشروع الذي كان يرمي إليه القروي من جهة وبن ميناشي ومن معه من جهة أخرى. وقد سرد المستشار الإسرائيلي بإطناب وبغرور ظاهر وثقة في النفس، كثيرا من التفاصيل التي أوصلتنا إلى حقائق، فيما تبقى أسئلة هامة دون أجوبه في انتظار الاعتراف بها علنيا أو عند التحقيق الجنائي.

الحلقة المفقودة

توجد كلمة مفتاح في حديث بن ميناشي وهي “السلام في المنطقة” وهي عبارة يقع ترديدها كثيرا ضمن مسوغات التطبيع مع العدو الإسرائيلي، وقد قدّم المتحدث نفسه باعتباره محرر اتفاقية أوسلو سنة 1993 حسب زعمه، ملاحظا أنّه قطع العمل مع الحكومة الإسرائيلية لأنها لم تستكمل إجراءات السلام. وها هو يرى في إمكانية أن يكون وصول نبيل القروي للرئاسة في تونس مرحلة للسلام في المنطقة، بل إنّ ذلك يتقاطع مع طموح للقروي أن يؤسس “مركز خليل للسلام”، ولهذا يسعى مستعجلا للعمل مع بن ميناشي، إلى “إخراج تونس من السلطة الفرنسية ووضعها في الدائرة الأمريكية”.

التقاطع بين “طموحات” القروي و”رؤية” بن ميناشي جعلت المرشح للرئاسة يتقرّب إلى المستشار الإسرائيلي، بعد أن علم أنّه يملك عقود استشارة في السودان وفي ليبيا. وساق بن ميناشي في حديثه معلومة مهمة حين صرّح: “كانت ملاحظة لافتة من القروي عندما قال: لقد برهنتم على نجاحكم في السودان”. وأكّد بن ميناشي هذا المعطى فقال: “نحن من نقود التغيير في السودان (..) اتصل بنا لأنّه علم بأنّنا نعمل في ليبيا والسودان”.

لكن الحوار لا يجيب عن مسألة محورية وهي كيفية وصول القروي إلى جماعة الضغط التي يقودها بن ميناشي، ومن أطلعه على أنشطته الخفيّة والمؤثّرة في ليبيا والسودان؟ والجواب على هذا السؤال سيجيب حتما عن الشبكة الدولية التي يرتبط بها القروي والتي لها علاقة مع بن ميناشي وقادته إليه وكانت على ثقة بأنّهما سيقبلان بالعمل معا. وهذه الحلقة الغامضة هي التي تتقاطع مصالحها مع طموحات القروي، من جهة، وخبرة بن ميناشي في العمل في المنطقة، من جهة أخرى، ومع توجهات الإدارة الأمريكية في المنطقة، أي إنّنا إزاء أربعة أطراف، تعوّل على أن يكون لتونس دور فاعل في “الاستقرار والسلام” في المنطقة، مثلما كان لها دور في التمهيد لاتفاقية أوسلو عندما كانت تحتضن قادة منظمة التحرير الفلسطينية.

ويغذّي فرضية تقاطع المصالح قول بن ميناشي: “لو تلقينا طلبات تعاون من أطراف أخرى كنا سنرفض”، أي إنّ القروي كان العصفور النادر في مشروع التدخل الخارجي في الانتخابات التونسية وما بعدها. ولعل صرف تسبقة 150 ألف دولار لفائدة بن ميناشي انطلاقا من حساب في دبي بالإمارات العربية، إحدى القرائن على الجهات الفاعلة في ملف صعود شخصية نبيل القروي.

وقد أظهر بن ميناشي في حواره الصحفي حماسا للشأن التونسي، وأكّد أنّ المال لم يكن همّه بل كان يحتاجه فقط لتسجل العقد وفق القوانين الأمريكية، وقد كان واعيا منذ اليوم الأول من لقائه مع نبيل القروي بأنّه لا يملك مبلغ مليون دولار وأنّ ما يروجونه عنه بكونه بليونيرا لا صحة له، لكنّه يملك “كاريزما ويمكنه أن يغيّر في تونس ويمكنه أن نساعده في ذلك وأن تكون تونس غربية بطابع إسلامي”.

وأضاف بن ميناشي: “نحن سنواصل العمل مع نبيل القروي من أجل مساعدة التونسيين أن يخرجوا من الفوضى عبر تدخل الأمريكان لمحاولة الإصلاح ولسنا نقوم بذلك من أجل المال. نريد إخراج تونس من هذه الفوضى ونتمنى أن نكون قادرين على المساعدة”.

رسائل دعائية لفائدة القروي

شدد بن ميناشي، وهو يتحدث قبل إطلاق سراح نبيل القروي، على أنّه يجب على فريقه أن يقولوا الحقيقة ولا يهمّ ما ستفعله الحكومة التونسية لهم بما أنّ الإدارة الأمريكية واعية بما يجري في تونس، فإذا ضغط الأمريكيون بدرجة كافية ستتغير الأمور، حسب بن ميناشي. وساق معلومة فقال: “نحن نعمل مع الأمريكان من أجل إخراج القروي من السجن لأنه دون ذلك لن تكون الانتخابات عادلة، كما نعمل معهم لإزالة الفوضى بالتعاون بين الحكومتين الأمريكية والتونسية”.

هذا التصريح يسعى إلى البرهنة على أنّ التغيير والسياسة في تونس رهينة للإرادة الخارجية وخاصة الأمريكي، وأنّ القادة العرب يتم إعدادهم من قبل دوائر القرار خارج بلدانهم. وإذا عدنا إلى ما قيل عن دوره في “التغيير” الحاصل في السودان فإنّه تعبير عن تحدّ بكون الأحداث المحلّية تدار من الخارج ولا أثر لإرادة الشعوب التي لن تكون سوى شعارات لإضفاء الشرعية على أمر واقع مفروض من الخارج.

وبذلك لا تعدو “صراحة” بن ميناشي أن تكون سوى دعاية للنفوذ الأمريكي المطلق والتسليم له، وهو ما سعى لإقناع الرأي العام به من خلال الحوار، معتبرا أنّ نبيل القروي هو الخيار الأفضل للتماهي مع الإرادة الدولية المتحكمة في مصير الشعب التونسي عبر قيادته السياسية.

وهذا ما يجعل الحوار في أحد وجوهه دعاية لنبيل القروي، فاختتمه بالدعوة للتصويت له، خاصة وأنّه الطرف القادر على صنع التوازن مع حركة النهضة ثم التحالف معها برعاية أمريكية، وفق ما جاء في تصريحات مفتوحة على اختبار يضع رسائلها على محك إرادة الشعب التونسي التي فرضها بالصندوق، قطيعة مع المنظومة القديمة والتأثير الخارجي، ثم جعل المنتخبين أمام اختبار الدفاع عن السيادة التي هتكها، معنويا، عرّاب إسرائيلي.

لطفي الحيدوري