عالمي دولي

الأحد,10 سبتمبر, 2017
ناجون من الروهينغا يروون شهادات من حرب “الإبادة” ضدّهم

لم يعد في مقدور محمد طه، الممدّد في سريره، أن يتحرك. فقد اضطرت الممرضات البنغلادشيات إلى تقييد هذا الشاب الروهينغي الذي يتلوّى من الألم عندما يستعيد وعيه بين حقنتي مورفين. أصيب هذا الفتى الذي يبلغ السادسة عشرة من عمره في وجهه عندما فتح الجنود البورميون النار على سكان قريته القريبة من مونغداو شمال غرب بورما؛ فهذه المنطقة الفقيرة على حدود بنغلادش هي محور لأعمال العنف منذ أسبوعين.
 
عنف لم تتوقف رحاه التي أتت على الأخضر واليابس، ودفعت كثيرين إلى الفرار، منهم من لقي حتفه، ومنهم من تمكن من النجاة، ومنهم من حمل معه جرحه ليروي شهادته وإن على سرير المستشفى، كحال محمد طه.
يقول والد محمد طه الذي يقف إلى جانبه في مستشفى شيتاغونغ العام، وهو الأكبر في جنوب بنغلادش، “تلقى رصاصة فوق العين بالضبط. جرحه بالغ الخطورة. وهو يتألم كثيراً”.
 
وتعرب ممرضة عن أسفها بالقول: “كان يفترض أن يكون في جناح العناية الفائقة”، وليس في جناح عادي، لكن والديه لا يستطيعان دفع النفقات.
محمد طه ليس وحده من نال نصيبه من الألم في حرب الإبادة التي شرّدت وشتتت شمل أسر، فإلى هذا المستشفى نقل المصابون بجروح خطرة من بين نحو 300 ألف لاجئ هربوا من بورما، وتمكنوا من النجاة ليرووا شهادتهم المريرة وإن على أسرة المرض.
 
وفي مستشفى شيتاغونغ، لم تعد الأسِرّة تكفي، حتى إن بعض المصابين الروهينغا يتمددون على الأرض. لكن حظ بشير الله أوفر فإصابته في ساقه أقل خطورة.
يقول “بدأوا بإطلاق النار في كل الاتجاهات، فيما كنا نهرب. وقعت على الأرض وأصبت برصاصة في ساقي”. ويهرب الروهينغا من حملة واسعة بدأها الجيش البورمي بعد هجومات شنها متمردون من الروهينغا على مراكز للشرطة أواخر أغسطس/ آب.
أسفرت العملية بحسب السلطات البورمية عن أكثر من 430 قتيلاً، لكن الأمم المتحدة تتحدث عن نحو ألف قتيل وتنتقد تعذر الوصول إلى منطقة النزاع. يقول بشير الله “كان الحظ إلى جانبي. أصبت بالرصاص، لكن لم أنزف كثيراً وإلا لفارقت الحياة قبل أن أتمكن من إيجاد مكان مثل هذا”.
ويؤكد بشير الله الذي وصل قبل أسبوع أن عشرات القرويين لاقوا حتفهم برصاص الجيش البورمي بينما كانوا يحاولون الفرار.
 
ويقول حسين جاهور (22 عاماً)، إن جنوداً بورميين “انهالوا عليه بالضرب وعذبوه” وأرغموا سكان قريته على الجلوس على الأرض خلال مداهمة ليلية. واتهم جاهور جندياً بتشويه يده. ويضيف “حاولت الفرار، لكن جندياً ألقى علي قنبلة أدت إلى تشويه يدي”. وعرض يده المضمدة.

وعلى على الرغم من جروحه، سار حسين جاهور حتى الحدود مع بنغلادش. وأكد أن “الجيش البورمي يريد حمل الروهينغا على المغادرة… نحن لسنا سوى كلاب بالنسبة لهم”.
ويقول مفتش الشرطة البنغلادشية علاء الدين أحمد، إن العدد الأكبر من 70 روهينغياً نقلوا إلى المستشفى هنا منذ بداية الأزمة، يعانون من جروح ناجمة عن إصابتهم بالرصاص. وأضاف “مات اثنان هنا. وكثيرون هم في حالة خطرة”.

ويوم الجمعة وحده، نقل إلى المستشفى ثلاثة من الروهينغا بسبب جروح نتيجة الرصاص. وبالإضافة إلى الجروح، أصيب كثيرون بالإعياء والمرض بعد أن ساروا لمسافات طويلة وطوال أيام، من دون ما يكفي من الماء والطعام، في الوحل وتحت المطر. وأصيب بعض منهم بجروح لدى انفجار الألغام أثناء اجتيازهم الحدود.

ويؤكد كمال الدين، الطبيب الجراح في المستشفى، أن مستلزمات معالجة المرضى المصابين بالرصاص غير متوافرة. وقال “نجد صعوبة في تقديم العلاج اللازم لهؤلاء الضحايا. ومصير المصابين بجروح خطرة غير أكيد”.

وتدق المنظمات الإنسانية أيضاً ناقوس الخطر على صعيد الحاجات الصحية. وتتحدث منظمة “أطباء بلا حدود” عن “الإصابات الناجمة عن العنف، وعن التهاب جروح العديد من اللاجئين”. وأعلنت هذه المنظمة غير الحكومية عن إقامة قاعة ثانية لاستقبال المرضى في إحدى عيادتيها الموجودتين في منطقة كوتوبالونع، لتلبية الاحتياجات الناجمة عن ازدياد أعداد المرضى.

إحراق مزيد من قرى الروهينغا

من جهة ثانية، قال مصدران معنيان بمراقبة الوضع في ميانمار، إن مزيدا من القرى جرى إحراقها اليوم السبت، في منطقة بشمال غرب ميانمار، لجأ إليها عدد من مسلمي الروهينغا، هرباً من موجة عنف اجتاحت المنطقة. وأوضح المصدران أن حرائق اليوم اجتاحت ما يصل إلى أربعة تجمعات سكنية جديدة في راثيدونج، لتدمر بذلك كل قرى المسلمين في المنطقة.

وقالت كريس ليوا من جماعة (أركان بروجيكت) المعنية بمراقبة أوضاع الروهينغا “رويدا رويدا يجري إحراق قرية تلو الأخرى. أعتقد أن الروهينغا لم يعد لهم وجود في راثيدونج”. وأضافت “كانت توجد 11 قرية للمسلمين (في راثيدونج) وبعد اليومين الماضيين يبدو أن جميعها تعرض للدمار”.

ولا يسمح للصحافيين المستقلين بالدخول إلى المنطقة، إذ تقول ميانمار إن قوات الأمن تجري عمليات تطهير للتصدي “للإرهابيين المتطرفين”.

ويقول مراقبون معنيون بحقوق الإنسان وأفراد من مسلمي الروهينغا الذي فروا من المنطقة، إن الجيش وأفراد لجان شعبية من عرقية الراخين شنوا حملة لإضرام الحرائق بهدف إجبار المسلمين على الفرار. وفر ما يقرب من 290 ألفا في أقل من أسبوعين مما تسبب في أزمة إنسانية.

وراثيدونج هي أبعد منطقة يقطنها الروهينغا عن الحدود مع بنغلادش. ويخشى موظفو إغاثة من وجود أعداد كبيرة من المسلمين محاصرين هناك.

-العربي الجديد-