بالمناسبة

السبت,23 سبتمبر, 2017
مهدي عاكف.. وفاة سجين كل العصور في زنزانة العسكر

لم يكن موتا عاديا، كان أقرب إلى “القتل العمد” بعد تعمد سلطات الانقلاب حرمانه من العلاج خلال سنوات اعتقاله.

يخافونه حتى بعد وفاته لذلك قررت السلطات الأمنية دفنه بدون جنازة أو صلاة.

ربما كان أكبر سجين سياسي عمرا في العالم، قضى أكثر من نصف عمره خلف قضبان السجون، منذ النظام الملكي في مصر وحتى حكم العسكر الحالي.

الأنباء المتضاربة كانت دائما تحوم حول صحته ووفاته في أكثر من مرة ، لم  يرد ذكره إلا قليلا في وسائل الإعلام وتقارير حقوق الإنسان مع أنه كان يعاني المرض والإنهاك الشديد ومصادرة حريته إلى جانب أكثر من أربعين ألف معتقل من أبناء مصر، بينهم رجال كبار وأطفال صغار ونساء وشباب.

يمكن أن نطلق عليه لقب “سجين كل عصور” الحكم في مصر، سجن في عهد الملكية، وسجنه الرئيس الراحل عبد الناصر وحكم عليه بالإعدام ثم خفف الحكم للمؤبد، وسجن في عهد المخلوع محمد حسني مبارك إثر محاكمة عسكرية ضمن سلسلة “محاكمات الإخوان”، وهو أسير الحكم العسكري الذي تعمد تجاهل حالة الرجل الصحية المرتدية بشكل خطير .

محمد مهدي عثمان عاكف، المولود في عام 1928 في دقهلية، تعرف على فكر “جماعة الإخوان المسلمين” في مرحلة مبكرة جدا من حياته وله من العمر نحو 12 عاما، عندما انتقل إلى المنصورة عام 1940، لينتقل بعدها إلى القاهرة إلى مدرسة “فؤاد الأول الثانوية”، دخل بعدها  “المعهد العالي للتربية الرياضية”، وتخرج منه عام 1950، وعمل بعد تخرجه مدرسا للرياضة البدنية في مدرسة “فؤاد الأول الثانوية.، وأكمل دراسته الجامعية بكلية الحقوق في جامعة القاهرة في وقت لاحق .

شارك في الإعداد لعمليات الجهاد في فلسطين عام 1948، وأشرف على معسكرات الجهاد ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر منذ كان طالبا في المرحلة الثانوية.

ورأس معسكرات جامعة إبراهيم (عين شمس حاليا) في الحرب ضد الإنجليز في القناة حتى قامت ثورة 23 يوليو/تموز عام 1952، وسلَم معسكرات الجامعة لـكمال الدين حسين المسؤول عن الحرس الوطني آنذاك.

واحتك بقادة الثورة، وكان له معهم تجربة ثرية وغنية بالتقلبات، وكان آخر موقع شغله عاكف في جماعة  “الإخوان” قبل صدور قرار حل “الجماعة “عام 1954 هو رئاسة قسم الطلاب.

قُبض عليه في عام 1954، وحُوكم بتهمة تهريب اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف، أحد قيادات الجيش وأحد أعلام الإخوان، وهو الذي أشرف على طرد الملك فاروق، وحُكم عليه بالإعدام، ثم خُفف الحكم إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.

خرج من السجن عام 1974 في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، ليزاول عمله كمدير عام للشباب بوزارة التعمير.

اشترك في تنظيم المخيمات للشباب الإسلامي على الساحة العالمية بدءا من السعودية، إلى الأردن، وماليزيا، وبنغلادش، وتركيا، وأستراليا، ومالي، وكينيا، وقبرص، وألمانيا، وبريطانيا، وأمريكا، وعمل مديرا للمركز الإسلامي في ميونخ.

شغل عضوية “مكتب الإرشاد”، أعلى هيئة قيادية داخل “الجماعة”، منذ عام 1987 حتى عام 2009. وانتخب عضوا بمجلس الشعب المصري عام 1987 عن دائرة شرق القاهرة، ضمن قائمة “التحالف الإسلامي” التي خاض “الإخوان” الانتخابات تحت مظلتها.
قُدِّم للمحاكمة العسكرية عام 1996 في ما يعرف بقضية “سلسبيل” التي ضمت وقتها عددا كبيرا من قيادات “الإخوان المسلمين”، واتهمه الادعاء بأنه المسؤول عن “التنظيم العالمي للإخوان المسلمين”، وحُكم عليه بثلاث سنوات، ليخرج من السجن في عام 1999.

اختير في عام 2004 في موقع المرشد السابع لـ”الإخوان المسلمين” بعد وفاة سلفه مأمون الهضيبي، وهو صاحب لقب “أول مرشد عام سابق للجماعة “، حيث انتخب محمد بديع بعد انتهاء فترة ولاية عاكف وعدم رغبته في الاستمرار في موقع “المرشد العام”، ليسجل بذلك سابقة في تاريخ “الجماعة” وكان ذلك في عام 2010.

وإثر انقلاب تموز/ يوليو 2013 الذي أطاح بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، اعتقل ضمن اعتقالات شملت الآلاف من “جماعة الإخوان المسلمين” والقوى الرافضة للانقلاب.

وجهت له تهم عديدة، من بينها تهمة “إهانة القضاء” على خلفية تصريحات نسبتها له صحيفة كويتية، قال فيها إن القضاء فاسد، وبرأته المحكمة من هذه التهمة في عام 2014، إلا أنه بقي في السجن بتهم أخرى تتعلق بمزاعم قتل متظاهرين.

أربعة وسبعون، هي الأعوام التي قضاها مع “الجماعة”، وظل خلالها في الصف الأول قريبا من مؤسسها حسن البنا، ومن القيادات التي تسلمت الجماعة فيما بعد، وشارك خلالها في مواقف وأحداث مهمة ومحورية، وعاش عهودا مختلفة، من عهد الملكية حتى الحكم العسكري الحالي.

يعتبر من الحرس القديم في “جماعة الإخوان المسلمين”، ويتمتع بعلاقات وثيقة وتفاهم كبير مع مختلف الأجيال والرؤى داخل “الجماعة”، وكان قريبا من كل قياداتها، وكانت له علاقة واسعة مع قيادات العمل الإسلامي في العالم.

ورغم مرضه وعمره الذي لم يساعده على الحركة  فإن النظام العسكري أصر على سجنه، ورفضت محكمة “جنايات القاهرة” إطلاق سراحه ووقف الحبس الاحتياطي على ذمة القضية المعروفة إعلاميا بـ”أحداث المقطم”، بعدما تجاوز مدة العامين من الحبس الاحتياطي.

كان مهدي عاكف واحدا من بين آلاف المصريين المعتقلين في السجون بعد الانقلاب العسكري،  كان يشكل نموذجا مختلفا للصمود، وعلامة فارقة على حالة الذعر في صفوف العسكر من رجل لا يحمل أي صفة رسمية بـ”الجماعة” ويصارع الأمراض المختلفة، وبالكاد يسمح له عمره بالقيام ببعض الأعمال البسيطة.

كانوا يخشون رجلا يعاني من عشرات الأمراض من بينها: سرطان القنوات المرارية وضعف مزمن بعضلة القلب، وارتشاح بلوري، وكسر بعظمة الكف الأيسر ومفصل الحوض، وصحة عامة معتلة ويبدو عليه الهزال مع وجود قسطرة متصلة بجسده.

ورأت “جماعة الإخوان المسلمين” بأن وفاة مهدي عاكف تعبتر “قتلا ممنهجا وجريمة مكتملة الأركان”، لكن ذلك لن يدفعها إلى العنف للانتقام لوفاته.

وهو ما ذهبت إليه   زوجة الرئيس المصري المعتقل محمد مرسي بأن وفاة عاكف “قتل عمد من قبل سلطة الانقلاب”، وأنها  وكانت بسبب “التنكيل والإهمال الطبي المتعمد من قبل سلطة الانقلاب وهي جريمة لن تسقط بالتقادم”، بحسب زوجة مرسي.

ونعته بقولها : “نحسبه عاش عمره مجاهدا عاكفا وصابرا على نصرة دينه ووطنه ولم يعط الدنية في دينه ولم يخضع طول حياته لطاغية فقد كان قائدا ومثلا في نصرة الحق وإعلاء دين الله ومناهضة الباطل”.

كل التوقعات كانت تشير إلى بقاء عاكف حبيسا حتى آخر لحظة من عمره، ووفاته في سجون العسكر أكبر دليل على السقوط الأخلاقي والقانوني والسياسي لنظام الحكم في مصر وللمجتمع الدولي ولمنظمات حقوق الإنسان .