ورقات

الجمعة,26 أكتوبر, 2018
من 1957 إلى 2014.. ولادة جمهوريتين على أنقاض الاستعمار والاستبداد

تُطالعنا اليوم ، 26 أكتوبر 2018، الذكرى الرّابعة لأوّل انتخابات تشريعية ديمقراطيّة تشهدهـا تونس، التي مثّلت فعليًّا أوّل تكريس عمليّ لدستور الجمهورية الثانية الذي تمت المصادقة عليه واعتماده رسميا في 27 جانفي 2014 .

سنة 2014، خطّت تونس أسطُرًا مفصليّة في المرحلة الجديدة من تاريخها، في أعقاب مرحلة انتقالية شهدت ولادة دستور جديد، وانتخاب برلمان تعددي ورئيس شرعيّ..

الجمهورية الثانية عام 2014 تتباين مع نظيرتها عام 1957 في كلّ تشكلاتها تقريبا: التعددية الحزبية الحقيقية، والدستور المجمع عليه, وحرية التعبير، والاختيار ترشحا وتصويتا…

الجمهورية الأولى: من هيمنة المستعمر إلى هيمنة “الزّعيم”

كان تاريخ إعلان الجمهورية التونسية الأولى في 25 جويلية 1957 إثر قرار المجلس القومي التأسيسي بالإجماع إلغاء الملكية، بعد عام ونصف من إعلان استقلال البلاد التونسية من الاستعمار الفرنسي، حدثًا تاريخيّا هتف باسمه الشّعب التّونسي مستبشرا بعهد انتقالي جديد قائم على الدّيمقراطية ، قبل أن تتكرس إثره هيمنة الحبيب بورقيبة وحزبه، الحزب الحر الدستوري الجديد على الحياة السياسية وأركان الدولة.

و جاء نصّ إعلان الجمهورية كما الآتي:
“بسم الله الرحمان الرحيم
نحن نواب الأمة التونسية أعضاء المجلس القومي التأسيسي، بمقتضى ما لنا من نفوذ كامل مستمد من الشعب، وتدعيما لأركان استقلال الدولة وسيادة الشعب، وسيرا في طريق النظام الديمقراطي الذي هو وجهة المجلس في تسطير الدستور، نتخذ باسم الشعب القرار التالي النافذ المفعول حالا:
أولا : نلغي النظام الملكي إلغاء تاما.
ثانيا : نعلن أن تونس دولة جمهورية
ثالثا : نكلف رئيس الحكومة السيد الحبيب بورقيبة بمهام رئاسة الدولة على حالها الحاضر ريثما يدخل الدستور في حيز التطبيق ونطلق عليه لقب رئيس الجمهورية التونسية.
رابعا : نكلف الحكومة بتنفيذ هذا القرار وباتخاذ التدابير اللازمة لصيانة النظام الجمهوري كما نكلف كلا من رئيس المجلس، والأمين العام لمكتب المجلس والحكومة بإبلاغ هذا القرار إلى الخاص والعام.
أصدرناه في قصر المجلس بباردو يوم الخميس على الساعة السادسة مساء في 26 ذي الحجة 1376 وفي 25 جويلية 1957
الإمضاء : جلولي فارس “ (جلولي فارس هو رئيس المجلس القومي التونسي بين 1956 و1964) “

لئن كانت الغاية من إلغاء النّظام الملكي وإعلان النّظام الجمهوري أن يتسنّى لجميع المواطنين المشاركة في الحيـاة العـامّة السياسية والاجتماعية والنقابية (…إلخ) ، وأن يتمتّعوا بالحقوق والحرّيات على غرار الانتخاب والترشّح واختيار حكامهم وقياداتهم، وأن يَسُودَ الشّعب بأتمّ معنى الكلمة (وغيرها من أسس تكريس الدّيمقراطية)، فإنّ إرادة الحبيب بورقيبة حالت دون تحقيق ذلك، ولم يكن متاحا طيلة فترة حكمه تركيز أسس الديمقراطية ولا التّعددية الحزبية، ولا تقديم مرشّحين منافسين له ، فضلا عن منح تعديل دستوري عام 1974 الرئيس الراحل الرئاسة مدى الحياة، كما وقع إعدام العديد من معارضيه على رأسهم اليوسفيين (أنصار الزعيم الراحل صالح بن يوسف)، وأظهر شراسة في مواجهة منافسيه السياسيين وأجهز على المؤسسة الزيتونية والمنظمات وعطل الصحف.. الأمر الذي خيّب آمال التونسيين الذين أعْلَوْا الصّوت في وجه المستعمر الفرنسي ليجدوا أنفسهم في قبضة المستبد الدّاخلي.

ثلاثون عاما حكم خلالها بورقيبة (1957/1987) بنظام شكّله على هواه ؛ لم يكن يقبل المعارضة، وشهدت سنوات حكمه الأولى صراعا عنيفا مع اليوسفيين (نسبة إلى صالح بن يوسف أحد زعماء الحركة الوطنية، الذي اغتيل في فرانكفورت بألمانيا في أوت 1961، وأكدت الروايات أن بورقيبة ضالع في اغتياله- دعمتها وثائق سرية نشرتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في موفّى 2016- .

كما عمد الحبيب بورقيبة إلى تجميد نشاط الحزب الشيوعي، وحاكم المنظمة اليسارية “آفاق”، وحارب فيما بعد الإسلاميين (حركة الاتجاه الإسلامي سابقا وحركة النهضة لاحقا) ونكّل بهم بعد فترة وجيزة من الهدنة استثمرها في حربه على المعارضة اليسارية التي شل فاعليتها، فضلا عن إلغائه الحريات الأساسية وفرضه الرقابة على الإعلام.

بورقيبة لم يَفُته أن يفرض نظام الحزب الواحد واخترق الاتحاد العام التونسي للشغل، وشرعن ذلك بتعديل دستوري في 27 ديسمبر 1974 سمح له برئاسة الدولة مدى الحياة.

بين 1977 و 1987، موجة من التحركات والاضرابات الاجتماعية واجهها النظام البورقيبي بالنيران الحية، لعل أبرزها أحداث ” الخميس الأسود ” ومظاهرات ” 3 جانفي 1984 ” التي اندلعت بسبب ارتفاع سعر الخبز وعرفت بـ”ثورة الخبز”.

1987 .. 2011: انقلاب ودولة بوليسية

في 7 نوفمبر 1987 ، استغل زين العابدين بن علي (الوزير الأول آنذاك) وهَن بورقيبة بسبب المرض والشيخوخة، و انقلب على الحكم.

لم يختلف نظام بن علي عن نظام بورقيبة إلا في مزيد التضييق على الحريات؛ ضيّق الخناق على المعارضة وسجن الاف المعارضين من إسلاميين ويساريين وعذبهم ونكل بهم، ولعلّ ما عرّته هيئة الحقيقة والكرامة في إطار العدالة الانتقالية من حقائق لا يمثل سوى قطرة من محيط .

بدوره، حرص بن علي طيلة فترة حكمه على التضييق على النقابات وإحكام قبضته على الإعلام، ومنع التعددية الحزبية، وسيطر على أنشطة المجتمع المدني ووضع عينا رقيبة على كل دواليب الدولة.

ولعلّ بانفتاح بن علي على الغرب (أوروبا وأميركا) ودخوله في اتفاقات اقتصادية ومالية معهم، دفعهم إلى غضّ الطرف عن إدارته القمعية، ناهيك عن إجرائه لانتخابات صورّية في كلّ مرة يعاد فيها انتخابه رئيسا للبلاد بـنسب وصلت أحيانا الـ99 بالمائة، وتعديله للدستور ورفع السن القانونية القصوى للترشح للانتخابات الرئاسية إلى 75 عاما بدلا من 70…

علاوة على تفشي الفساد المالي والإداري طيلة فترة حكمه تحت إشراف عائلته وعائلة زوجته ليلى الطرابلسي..

الثّورة ومرحلة الانتقال الديمقراطي

جاءت ثورة 2011 رافعة شعار “الحرية والكرامة”، لتكون نقطة الفصل بين العهدين السابقين ومرحلة جديدة مبنية على ديمقراطية حقيقية..

وتوالت الأحداث في تونس منذ اندلاع الشّرارة الأولى لثورة الحرّية والكرامة ، فأجريت يوم 23 أكتوبر 2011 انتخابات “المجلس الوطني التأسيسي” الذي أنهى كتابة الدستور الجديد لتونس وانطُلق في اعتماده رسميا في 27 جانفي 2014.

وبإجرائها الانتخابات التشريعية الأولى بعد الثورة في 26 أكتوبر 2014، عبرت تونس مرحلة جديدة، إيذانا ببدء “الجمهورية الثانية” الديمقراطية، وحازت هذه الانتخابات أهمية بالغة إذ انبثق عنها أوّل برلمان تونسي منتخب ديمقراطيّا.

التجربة التونسية التي تعيشها تونس منذ اندلاع ثورتها تعدّ رائدة واستثنائية، استطاعت من خلالها النخب السياسية إنجاح المرحلة الانتقالية رغم الصراعات السياسية التي شابتها.

ولعلّ نجاح التجربة التونسية ارتبط بالأساس بالروح “التوافقية” التي سادت بين الفرقاء السياسيين وساعدت في الحفاظ على استقرار المرحلة الانتقالية ومكنتها من تجاوز عديد العقبات التي كان من شأنها أن تئد الثورة في مهدها .واستند ذلك إلى قاعدة مؤسساتية متينة قوامها هيئات وطنية مستقلة على رأسها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والهيئة المستقلة للاتصال السمعي البصري والهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين والمجلس الأعلى القضاء. واضطلعت هيئة الحقيقة والكرامة بملف طي صفحة الماضي الاستبدادي ومصالحة التونسيين فيما بينهم على قاعدة الاعتراف المتبادل بالأخطاء وبالحقوق.. إلى غير ذلك من الاستحقاقات التي جعلت تونس النموذج الديمقراطي الناجح في بلدان الربيع العربي ومكنتها من تصدر الدول العربية في مؤشر الديمقراطية في التقارير الدولية.
وبمقارنة مسار الانتقال الديمقراطي في تونس بالمسارات الانتقالية لبقية دول الربيع العربي، تجاوزت تونس أكثر الأشواط تعقيدا، وهي في طريقها إلى أن تحقق الاستثناء العربي في ترسيخ قواعد النظام الديمقراطي مثلما سبقت في تفجير أولى ثورات الربيع العربي.
ولا يزال المرور من المرحلة التأسيسية إلى ما بعد الانتقال الديمقراطي يغالب ثقل الإرث الاستعماري والإرث الاستبدادي بمرحلتيه، مثلما يوضّح معالمه اليوم الجدل الدائر حول العدالة الانتقالية.