كتّاب

الإثنين,7 نوفمبر, 2016
من فلسفة اللاعنف إلى إستراتيجيّة التوافق…”غاندي” و “نهرو” و “الغنوشي”

أسندت مؤسسة جمنالال باجاج الهنديّة جائزة نشر القيم الغانديّة للسلم خارج الهند هذه السنة إلى زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي في إعتراف دولي آخر بتميّز و فرادة التجربة التونسيّة في إدارة الإختلاف و في الإنتقال الديمقراطي السلمي بعد نيل الرباعي المدني الراعي للحوار الوطني لجائزة نوبل للسلام بعنوان سنة 2015 الفارطة.

بعيدا عن الإحتفاء الظاهري الطبيعي بهذه الجائزة القيّمة و المهمّة في هذه الفترة الحساسة التي تحشد فيها تونس الدعم و التعبئة لمواصلة مسار إنتقالها السياسي الذي أثبت بجدارة قابليّة تعايش المنطقة العربية و الإسلامية مع قيم الديمقراطيّة فإنّ وراء هذه الجائزة نظر و تحقيق بالرجوع أساسا إلى القيم الغانديّة نفسها.

زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي بنيله لهذه الجائزة يوضع ضمن قائمة من الشخصيات المؤثرة في العالم و الضامنة لنجاح و إستمرارية تجربة تونسيّة مختلفة عن بقيّة التجارب الإنتقاليّة في المنطقة و على وجه الخصوص تضعه ضمن أسماء طلائعيّة طبعت تاريخ الإنسانيّة بدعمها لقيم التعارف و التعايش و التحضّر و العمران البشري.

غاندي المعلّم:

موهندوس كرمشند غاندي أو “صاحب النفس العظيمة” التي تسمّى في اللغة الهنديّة “المهاتما” و التي تمنح عادة كصفة مماثلة لصفة “القدّيس” هو من أسس ما يعرف في عالم السياسة بـ”المقاومة السلميّة” أو “فلسفة اللاعنف” التي تسمّى أيضا “ساتياراها” و هي مجموعة من المبادئ تقوم على أسس دينيّة و سياسية و إقتصادية في آن واحد ملخصها الشجاعة و الحقيقة و اللاعنف و تهدف إلى إلحاق الهزيمة بالمحتل عن طريق الوعي الكامل و العميق بالخطر المحدق و تكوين قوة قادرة على مواجهة هذا الخطر بدون عنف إذا لم يوجد خيار آخر. 

هذه القيم الغانديّة طبعت تاريخ الهند و ساهمت في تكوين جيل جديد من المقاومة للمحتل في الهند و هي القيم ذاتها التي قامت على أساسها حركة العصيان المدني ضدّ المستعمر التي إنتهت بالإطاحة به و إستقلال الهند.

جواهر لال نهرو التلميذ:

يعتبر جواهر لال نهرو من أبرز تلامذة المهاتما غاندي و قد مثّل هو بدوره نقطة فارقة و علامة مهمّة في تاريخ الهند و الإنسانيّة برمتها بعد عودته إلى بلادها و إستيعابه للقيم الغانديّة التي حولته إلى سياسي مثّل أحد أهم قيادات حركة التحرير في مقاومة المستعمر.

جواهر لال نهرو التلميذ تولّى رئاسة وزراء الهند بعد الإستقلال و من أبرز إنجازاته تبنّي بلاده في فترة توليه السلطة لدستور قطع مع الميز الديني و العنصري و أرسى قيم الديمقراطيّة البرلمانيّة كما اقتنع أيضًا بأن الهند يمكن أن تتقدم اقتصاديًا بتبني التخطيط، الذي يمكن من الاستخدام الأمثل للعلم الحديث والتقنية الحديثة. وقد أشرفت لجنة التخطيط التي أسسها على سلسلة من الخطط الخماسية (لمدة خمس سنوات)، أنشئت خلالها صناعات الفولاذ والصناعات الثقيلة تحت سيطرة الدولة. وكان نهرو مصممًا على تحويل الهند إلى بلد اشتراكي، لكنه أصر أيضًا على أن يتحقق ذلك من خلال عملية ديمقراطية.

و يعتبر جواهر لال نهرو أوّل رئيس وزراء للهند المستقلّة أحد مؤسسي حركة عدم الإنحياز و هو بكل تأكيد أحد الآباء المؤسسين للديمقراطية الهنديّة الأوسع في العالم إلى اليوم.

الغنوشي راعي نظريّة التوافق:

مثّلت إدارة الإختلاف في تونس بين مختلف الفرقاء بالطريقة الأكثر تحضّرا و هي الحوار نقطة صلبة و مركزيّة مكّنت من إستمرار مسار الإنتقال الديمقراطي التونسي و كان تنازل حركة النهضة عن السلطة سنة 2013 إلى جانب رفضها لمنطق الثأر و الإنتقام أهمّ مقوّمات تميّز التجربة التونسيّة.

إستراتيجيّة التوافق التي يظهر جليا أن زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي من أبرز المتمسكين بها و المروّجين لها من أجل تعبئة الدعم للإستثمار في التجربة التونسيّة مثّلت عنوانا بارزا و زاوية أخرى للنظر إلى المنطقة العربية و الإسلاميّة من الخارج أقامت الدليل لا فقط على قابليّة و إستعداد شعوب المنطقة للديمقراطية بل أقامت الحجّة على أنّه لا تعارض بين قيم الإسلام و مبادئه و قيم الديمقراطيّة.

راشد الغنوشي الذي مثّلت أفكاره و كتبه مراجع مهمّة للتفكير و التفكّر في إدارة الشأن العام بمرجعيّة إسلاميّة ديمقراطيّة باتت اليوم ممارسته السياسيّة هي الأخرى محلّ إهتمام كبير من الداخل و الخارج و هذا منجز يحسب لتونس بعد منجز مسارها الديمقراطي المتواصل.

مثّل الإنتقال من عنوان و إطار “الإسلام السياسي” الملغوم و المغلق إلى فضاء “الإسلام الديمقراطي” الرحب نقلة أخرى في تاريخ الفكر السياسي و الحركة الإسلاميّة و كان زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي المبادر في وضع اللبنات و الركائز الأولى لهذا الطرح الذي يلقى ترحيبا في الداخل و الخارج بما يحوّل المقوّم الإسلامي لشعوب المنطقة إلى عنصر إثراء و تعارف و تعايش بعيدا عن مناخات الإقصاء و التطرّف التي شوّهت الإسلام نفسه.