بالمناسبة - سياسة

الأحد,13 يناير, 2019
من الاستقطاب الثُنائي إلى تجريم الآخر.. استراتيجيّة انتخابيّة جديدة

تتواصل المعارك السياسية وتشتدّ كلما اقترب موعدٌ انتخابي، وتتطوّر الأسلحة بتطوّر هذه المعارك وتتغيّر بما يتناسب مع الظرف والوقت وطبيعة الأزمة. وفيما طبع الاستقطاب الثُّنائي أجواء انتخابات 2014، فإنّ تجريم الآخر وثلبِه وتطويع المنابر الإعلامية لضربه، هي آخر الأسلحة الّتي جاد بها المخيال السياسي لضرب الخصوم والنّيل منهم.

وبعيدا عن الاستناد إلى برامجها، ربّما لوعي بعد قدرتها على الإقناع بها، تختار بعض الأحزاب طرقا أخرى لاستقطاب الأصوات والتغلب على خصومها، مستغلّة بذلك منابر إعلامية مُنحازة للتشويه والتّجريم، فتتحوّل هذه المنابر بموجب ذلك، إلى سلاح تُطوّعه الأحزاب لخدمة أجنداتها.

شيطنة، اتهامات بالإرهاب، غرفٌ سوداء وصفراء وخضراء، قاعة عمليّات، وأمور أخرى لا تخطُر ببال أكبر المؤلفين وروائيّي القصص البولسيّة، تفضي إلى اتهامات لا تستند إلى دليل أو برهان استعملتها أطراف سياسية لشيطنة خصومها بعدما أثبتت الأرقام والانتخابات عجزها عن جمع أصوات الناخبين . وبدلا من المراجعة والنقد الذاتيين، وبحث شروط الالتحاق بالأحزاب الوازنة، تستثمر هذه الأطراف في سياسة التجريم و شيطنة الآخر، كلّفها الأمر ما كلّفها.

حركة النهضة التي تمكنت من تغطية كامل بلديات تونس (350 بلدية) في الانتخابات الأخيرة وفازت بأكثر المقاعد في المجالس البلدية، والتي قيل إنّها أكثر الأحزاب هيكلةً وانضباطًا بشهادات محليّة ودُوليّة، تجد نفسها مُستهدفة من أكثر من خصم سياسي، طوّعوا عشرات المنابر الإعلامية لضربها واتّهامها بجرائم خطيرة.

وفيما تلتزم الحركة وقياداتها بسياسة ضبط النفس وعدم الخوض في معارك سياسية هامشية، تزداد حدّة الهجومات المُسلّطة ضدّها وكأنّ خصومها لا يمتلكون من البرامج سوى ضرب حركة النهضة التي أنصفتها صناديق الاقتراع طوال 8 سنوات. وكـأنّ التقييم الذاتي لدى تلك الأطراف أفضى إلى أنّه لا يمكنها مواصلة عملها السياسي في ظل وجود حركة النهضة، ولذلك وجب إقصاؤها واجتثاثها من الخارطة السياسية، عبر منهج ستاليني أصيل تربّت عليه أجيال من اليسار التونسي، أورثت لمن خلفها خطاب الكراهية ومنهج العنف.

هذا الملف، تحدّث عنه رئيس الجمهورية السابق المنصف المرزوقي، حيثُ وصف ما أسمته هيئة الدفاع في قضية الشهيدين بلعيد والبراهمي بالغرفة السوداء بوزارة الداخلية باللغو الذي يندرج في معركة تصفية حسابات حقيرة جدّا .

وقال المرزوقي في تصريح سابق لإذاعة موزاييك إنّ له خلافات مع حركة النهضة لكنّه يرفض استعمال دمّ الشهيدين لتصفية حسابات مضيفا المنافسة السياسية يجب أن تبقى في مستوى الشهامة والبرامج.

وأضاف المرزوقي: “من غير اللائق إخراج قضايا من هذا القبيل والادعاء على الخصوم السياسيين.. السياسة أخلاق أو لا تكون”.

كثيرة هي أسلحة الاستقطاب.. قليلة هي البرامج الانتخابية، ولكن لا يُمكننا أن ننكر أنّ مستوى الابتذال السياسي قد بلغ مستوى غير مسبوق. وتبقى الكلمة الفصل للشعب التونسي. الذي بلغ من النضج السياسي ما يكفيه لتمييز الغث من السمين، واللّغو من الحقيقة. وآن الأوان أن تعرض الأحزاب برامجها الانتخابية بدلاً من التركيز على ضرب خصومها وشيطنتهم.