كتّاب

الجمعة,30 نوفمبر, 2018
مناورة السبسي الأخيرة: ميراث المرأة أم التوريث السياسي؟

تغير المشهد السياسي التونسي كثيرًا عما كان عليه الحال عام 2014، حين أُجريت الانتخابات التشريعية والرئاسية. انقسم حزب «نداء تونس»، الذي أسسه الباجي قايد السبسي وكان ظهيره في الانتخابات الرئاسية، وفقد الأغلبية البرلمانية لصالح حزب «النهضة»، حيث خرج من رحم حزب الرئيس 4 أحزاب جديدة تسعى لمنافسته بشدة؛ هي حزب «حركة مشروع تونس»، وحزب «مستقبل تونس»، وحزب «بني وطني»، وحزب «حركة تونس أولًا».

رغم تلك الانشقاقات، لم يستقر «نداء تونس» بعدُ، إذ يشهد الحزب صراعًا سياسيًا حادًا بين حافظ الباجي قايد السبسي، نجل الرئيس التونسي والمدير التنفيذي للحزب، وبين يوسف الشاهد، رئيس الوزراء الحالي والقيادي بالحزب، في ظل رغبة الطرفين في الاستئثار بقيادة الحزب استعدادًا للانتخابات الرئاسية المقبلة. وقد أثر هذا الصراع بشدة على أداء حكومة الشاهد الذي لم يلقَ رضا الكثير من التونسيين.

أما حزب «النهضة» الذي كان يعتبر ألد أعداء «نداء تونس» والباجي قايد السبسي، خلال انتخابات 2014، فقد دخل بعد الانتخابات في تحالف مع «نداء تونس» وشكلوا الحكومة سويًا، لكن التحالف بينهما بدا هشًا مليئًا بالتناقضات، ولم يحقق كثيرًا خاصة في الملف الاقتصادي، ومن المتوقع أن ينفجر هذا التحالف من الداخل، بعد الانتخابات التشريعية المقبلة.

تعد الانتخابات الرئاسية المقبلة معضلة تواجه «النهضة»، فالحزب لم يتخذ موقفًا نهائيًا منها حتى الآن، ويبدو متأرجحًا بين طرح زعيمه راشد الغنوشي، كمنافس على كرسي الرئيس، وبين أن يدعم طموحات حليفه يوسف الشاهد في الوصول إلى قصر قرطاج، وبين أن يترك الحرية لأعضائه في اختيار الرئيس المقبل – كما فعل خلال الانتخابات الرئاسية السابقة، وذلك إذا قرر السبسي الترشح لفترة رئاسية ثانية، وهو ما يوحي به تصريح الغنوشي بأنه «لا يرى نفسه مرشحًا ضد السبسي ولا منافسًا له».

في الوقت ذاته، أعلن حمادي الجبالي، رئيس الوزراء الأسبق والأمين العام السابق لحركة «النهضة»، نيته الترشح لانتخابات الرئاسة التونسية العام المقبل. وبعيدًا عن رفض قيادة «النهضة» لقرار الجبالي، وهو ما عبرت عنه عبر التلويح بترشيح الغنوشي للرئاسة، لكن قرار حمادي يضرب بقوة عصب الكتلة الصلبة لـ«النهضة» ودوائرها من الإسلاميين، التي ستجد نفسها محتارة، خاصة إذا لم يترشح الغنوشي للرئاسة وتركها للشاهد أو السبسي أو غيرهما.

لم يحدد الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي كذلك موقفه من الانتخابات الرئاسية حتى الآن، فبحسب تصريحه، «ما زال قرار الترشح للانتخابات الرئاسية قيد الدراسة، لأننا بصدد بناء حركة سياسية وسط صعوبات مادية وجو محموم واستياء الناس من السياسة، وردود أفعال كثيرة لا بد أن نأخذها بعين الاعتبار».

هذا بالنسبة للأحزاب والشخصيات السياسية الرئيسية، أما على مستوى الشارع التونسي، فهناك إحباط شديد من أداء الحزبين الرئيسين، وهو ما كشفت عنه نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة، وهي الأولى منذ ثورة 2011 وأجريت في ماي الماضي، إذ فضّل التونسيون التصويت لقوائم المستقلين فحصلت على 32.9%، متقدمة على حركة «النهضة» التي احتلت المركز الثاني بـ 29.6%، في حين حل حزب «نداء تونس» في المرتبة الثالثة بـ22.7% من الأصوات.

وشهدت الانتخابات البلدية إحجامًا عن الاقتراع خصوصًا من فئة الشباب. وبلغت نسبة المشاركة النهائية بها، بحسب الهيئة العليا للانتخابات، 35.6% فقط من مجموع 5.3 ملايين مسجل للانتخابات، وهو ما يعكس حالة الإحباط من السياسيين السائدة في الشارع التونسي.

الأوضاع الاقتصادية في تونس: من سيئ إلى أسوأ

تعاني تونس من أوضاع اقتصادية شديدة الصعوبة، ورغم أن هذه الأوضاع مزمنة وتعود أصولها إلى عهد ما قبل ثورة الياسمين، إلا أن حكومات ما بعد الثورة لم تفلح في حلها، بل وفاقمتها.

بحسب المعهد الوطني للإحصاء التونسي، سجلت معدلات البطالة في نهاية الربع الثاني من العام الجاري 15.4%، مقارنة بـ 13% سجلت نهاية العام 2010. ووصل معدل النمو الاقتصادي في الربع الثاني من2018 إلى 2.8% مقابل 3% عام 2010.

تراجع سعر صرف الدينار التونسي أمام الدولار بنحو 120% مع نهاية الشهر الماضي، مقارنة بجانفي 2011. إذ سجل سعر صرف الدينار أمام الدولار 1.26 دينار في مطلع العام 2011، مقابل 2.76 حاليًا. فيما بلغ عجز الموازنة في نهاية العام 2017 نحو 6%، ومن المتوقع أن يبلغ هذا العام 4.9%، مقارنة بـ 1% خلال عام  2011.

ومع نهاية العام المالي الحالي (ديسمبر المقبل)، يُتوقع أن تصل قيمة إجمالي ديون تونس إلى 76 مليار دينار، تمثل 71.4% من الناتج المحلي الإجمالي، منها 22.5 مليار دينار ديون داخلية، ومبلغ 53.8 مليار دينار ديونًا خارجية بنسبة 70.7% من إجمالي الديون. وتتجاوز هذه الديون بكثير ديون عام 2010، والتي كانت تبلغ 25.6 مليار دينار، تمثل 40.7% من الناتج المحلي الإجمالي، منها 10 مليار دينار ديونًا محلية، و15 مليار دينار ديونًا خارجية.

ووصل معدل التضخم في جوان الماضي إلى 7.8%، مسجلًا أعلى مستوى له منذ العام 1990. ومن المتوقع أن يصل التضخم إلى نحو 9% بحلول نهاية العام الحالي للمرة الأولى.

يقع 15.2% من التونسييين تحت خط الفقر، فيما يعاني 2.9% من المواطنين من الفقر المدقع، بحسب المعهد الوطني للإحصاء التابع للحكومة. ورغم أن هذه المعدلات أفضل كثيرًا من معدلات ما قبل ثورة 2011 (20.5% يعانون من الفقر، و6% من الفقر المدقع)، إلا أنها لا تزال مرتفعة للغاية، خاصة في المراكز غير الحضرية.

لمواجهة هذا الوضع الاقتصادي المتدهور، تبنّت الحكومة التونسية خلال العام المالي الجاري، برنامج «إصلاح» اقتصادي مدعوم من صندوق النقد الدولي، تم بمقتضاه رفع الضرائب على السيارات والمشروبات الكحولية والاتصالات الهاتفية والإنترنت وأسعار الفنادق، وكذلك رفع الرسوم الجمركية على بعض المنتجات المستوردة، وزيادة ضريبة القيمة المضافة وفرض ضريبة ضمان اجتماعي جديدة.

عودة إلى أزمة الميراث

يشير توقيت مبادرة السبسي إلى وجود نية لديه للترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، رغم أنه بحلولها سيكون قد بلغ 93 عامًا. أراد الرجل، من خلال مبادرته، تمهيد الطريق لفترته الرئاسية الثانية، عبر الهروب من كل هذه الأزمات السياسية والاقتصادية المشتعلة، والتي تصلح لأن تكون أساسًا لمعارك انتخابية تمتد لعشرات السنوات، واستدعاء أجواء الاستقطاب الأيديولوجي بين الإسلاميين والعلمانيين التي كانت حاضرة بقوة إبان انتخابات 2014، وهي الأجواء التي يستطيع اللعب فيها بمهارة.

يعوّل السبسي على مبادرته لاجتذاب أصوات نساء تونس اللاتي كن سببًا في فوزه بانتخابات 2014. فوفق استطلاع للرأي أجرته شركة «سيغما كونساي» المتخصصة في استطلاع الآراء، فقد صوتت أكثر من مليون امرأة تونسية لصالح السبسي في الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية 2014، بنسبة تفوق 61% من جملة من انتخبوه.

نجح الثعلب العجوز، بشكل آني، في تحقيق هدفه وحدث الانقسام الأيديولوجي المتوقع، وانتهى الأمر بـ حركة النهضة تعلن رفض مبادرة السبسي قائلة إنها «ترفض أي مشروع يتنافى مع الدستور والنصوص القرآنية». السؤال الآن:

هل يكفي الموقف من أزمة الميراث لحسم الانتخابات الرئاسية لصالح السبسي حال صدق الظنون وترشحه؟

كما ذكرنا آنفًا نجح السبسي «بشكل آني» في تأجيج الانقسام الأيديولوجي بالمجتمع التونسي، لكن في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة والمعقدة للتونسيين، فإن استمرار هذا الانقسام وتحوله إلى أساس للمعركة الانتخابية الرئاسية أمر مستبعد، خاصة إذا لم يتقدم الغنوشي لخوض الصراع أو إذا تقدم له الشاهد أو غيره من المحسوبين على القوى العلمانية.

يضاف إلى ذلك أن الميدان الأصلي لهذا الصراع هو الانتخابات البرلمانية وليس الانتخابات الرئاسية، ففي النهاية لن يستطيع أي رئيس أن يقر القانون من نفسه، وكل ما يملكه في هذا الصدد هو طرح المبادرة على البرلمان لمناقشتها واتخاذ قرار بشأنها.

بقلم:كريم اسعد