ملف الشاهد

الجمعة,17 مارس, 2017
ملف التونسيين المفقودين في إيطاليا… لغز ينتظر فك شيفرته !!!

إعداد: زينة البكري / أمينة قويدر
بعد الثورة، وجد العشرات من شباب تونس الذين يتوقون إلى رغد العيش في البلدان الأوروبية الفرصة الذهبية للهرب من “حجيم” الفقر والبطالة إلى “جنة” العيش الكريم والأجر المرتفع والحياة المرفهة، حسب اعتقادهم.
حوالي 255 ألف شاب هاجروا بطرق غير شرعية خلال السنوات الذي تلت الثورة التونسية، هذا هو الرقم الذي كشف عنه كاتب الدولة المكلف بالهجرة أن رضوان عيارة في منتصف شهر أكتوبر 2016.
وأكد عيارة أن غالبية المهاجرين غير الشرعيين تتراوح أعمارهم ما بين 22 و255 سنة مشيرا إلى أن الحكومة تمكنت من تخفيض المهاجرين إلى 800 بفضل التعاون مع دول الجوار غير أنه أقر، في المقابل، بأن العدد يبقى مرتفعا في تونس التي تراهن على الشباب باعتباره ثروتها البشرية.
المفقودين في إيطاليا … اللغز المحير:
مازال ملف مئات الشباب التونسيين المفقودين في إيطاليا منذ سنة 20111 إلى حدود اليوم معلقا دون أن تتوصل فيه السلطات التونسية إلى اتفاق مع نظيرتها الإيطالية يقضي بعودتهم أو كشف بقائهم على قيد الحياة من عدمها على الأقل، سيما وأن عائلاتهم تؤكد منذ ذلك التاريخ امتلاكها أدلة تفيد بأن أبنائهم مازالوا على قيد الحياة.
في الفترة الممتدة من 2011 إلى 2015، تقول السلطات الرسمية أنها سجلت فقدان 4055 أشخاص ممن توجهوا إلى الأراضي الإيطالية على متن “قوارب الموت”، بينما تصر جمعية إنقاذ التونسيين العالقين بالخارج أن العدد المصرح به ليس صحيحا وأن العدد الرسمي يتراوح بين 20 و 30 ألفا.

يوم 1 مارس 2011، لم يكن يوما عاديا بالنسبة لعائلة السيد جمال الدين الميلي بعد أن غادر أبناؤه محمد الميلي (33 سنة) و بشير الميلي (30 سنة) أرض الوطن نحو جزيرة لامبادوزا الإيطالية على متن قارب شخص يدعى “علية الكبير” إلا أنه فقد الاتصال بهم منذ ذلك الوقت إلى اليوم.
يقول السيد جمال الدين الميلي في حوار مع موقع “الشاهد” أنه سيواصل البحث عن حقيقة اختفاء فلذات أكباده وأنه “سيورث” هذه القصية لأحفاده ولن يستسلم حتى الوصول إلى الحقيقة.

 

عماد السلطاني رئيس جمعية أرض للجميع: السلطات التونسية مطالبة بالكشف عن مصير أبنائنا المفقودين في إيطاليا

ملف المفقودين في إيطاليا… 7 سنوات من البحث عن الحقيقة
عائلات أخرى لمفقودين اخرون نفذوا عشرات الوقفات الاحتجاجية المتتالية منذ سنة 20111 ، وبعضهم أكد أن أبنائهم اتصلوا بهم حال وصولهم إلى ايطاليا كما تأكدوا عبر أطراف خاصة من وجود البعض منهم داخل السجون الإيطالية ، بينما يصر البعض الأخر أنه بحيازتهم فيديوهات كانت قد بثتها القنوات الإيطالية لدى وصولهم تؤكد تواجدهم على الأراضي الإيطالية
الوقفات الاحتجاجية جابت عديد المقرات الرسمية منها قصر الحكومة، وزارة الخارجية، وزارة العدل، المجلس الوطني التأسيسي، ومجلس نواب الشعب والسفارة الإيطالية بتونس وغيرها دون أن يتحصل أولياء المفقودين على معلومات نهائية تنهي معاناتهم وحيرتهم.
واتهمت هذه العائلات الحكومات التونسية المتعاقبة بعد الثورة بالتقصير في اجراءات استرجاع أبنائها والتباطؤ فيها رغم تأكيد هذه الأخيرة بمتابعة الملف، وأكدوا أن ملف أبنائهم أصبح من الملفات المنسيّة، معبرين عن تدهور حياتهم الصحية ومعاناتهم جراء غياب أبنائهم حتى أن بعض الأمهات يهددن بحرق انفسهن إذا لم يتم التوصل إلى حل.
أمهات تبحثن عن الحقيقة:
نظمت جمعية أمهات المفقودين يوم 28 أكتوبر 20166 وقفة احتجاجية سلمية أمام مقر رئاسة الحكومة بالقصبة لمطالبة الحكومة بالكشف عن مصير أبنائهن المفقودين في الأراضي الايطالية منذ نحو ست سنوات، واتخاذ الإجراءات الضرورية لاسترجاعهم.
هؤلاء الأمهات تحركن على أكثر من صعيد في ظل يأسهن من السلطات التونسية، إذ توجه اثنين منهن في بعثة ممثلي عائلات المفقودين في أوروبا وتحديدا بإيطاليا منذ شهر ماي 2012 رفقة محامين إيطاليين إلى باريس للتشاور مع محامين فرنسيين قبل السفر إلى بروكسال لتقديم شكوى رسمية حول المفقودين التونسيين بإيطاليا لدى المفوضية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وأصدرت بعثة ممثلي المفقودين في أوروبا من جهتها بيانا أكدت فيه أنه “بعد المجهودات المضنية للبعثة في البحث عن المفقودين وأمام غلق الجانب الإيطالي لكل الأبواب وغموض موقف السّلطات التّونسية قامت البعثة بمجهودات خاصّة للتّوجّه نحو بروكسال من أجل تقديم قضية لدى المفوّضية الأوروبية لحقوق الإنسان بمساندة محامين إيطاليين وفرنسيين(..)، ونرجو أن تحلّ هذه القضية في القريب العاجل(..) بعيدا عن التّسويق السياسي أو الانتخابي فقضيتنا إنسانية بالأساس”.
لجنة التحقيق ومتابعة التونسيين المفقودين في إيطاليا… لا نتائج تذكر:

أعطى رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي في بداية مارس 2015 الإذن بتفعيل لجنة تحقيق ومتابعة مشتركة بين المجتمع المدني والوزارات المعنية بخصوص ملف التونسيين المفقودين في إيطاليا، على أن تتحول في أوقات لاحقة إلى إيطاليا للتعرف على المفقودين عبر اتباع الإجراءات اللازمة بالتنسيق مع الجانب الإيطالي.
ولئن تؤكد السلطات التونسية في كل مناسبة أن هذه اللجنة تواصل في مهامها ومتابعة الملف فإن النتائج المرجوة لم يتم الإعلان عليها بعد، حتى أن بعض من أعضائها أعلنوا انسحابهم منها واتهموها بالتقصير.
ويوم 7 فيفري 20177، أعلن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، عن انسحابه من لجنة التحقيق ومتابعة التونسيين المفقودين في إيطاليا بسبب ما اعتبره من أن إحداث اللجنة كان صوريّا وليس للتعامل الجدي مع الملف.
و أكد رئيس المنتدى عبد الرحمان الهذيلي في تصريح لـ”الشاهد” أن السلطات التونسية لم تتعامل بجدية مع الملف منذ 7 سنوات على مغادرة أغلب المفقودين للبلاد، مشيرا إلى أن العائلات تنتظر نتائج إيجابية أم سلبية في الخصوص ولمن السلطات التونسية لم تعمل بجدية على الملف.
كما أكد عبد الرحمان الهذيلي أن عمل لجنة تحقيق ومتابعة التونسيين المفقودين في إيطاليا كان بطيئا للغاية ولم يعط النتائج المرجوة رغم الجهود التي بذلها الأعضاء، وهو ما دفع المنتدى إلى الانسحاب منها في انتظار ما ستسفر عليه نتائجها النهائية حتى يقرر المنتدى عمله بناء عليها.
وأضاف أن اللجنة قامت بكل ما طلب منها من ذلك إعداد قاعدة بيانات لبصمات 250 مفقودا وجمع 350 تحليلا جينيا من عائلات المفقودين وتوفير المعطيات اللازمة من العائلات التي يمكن أن تفيد الملف، وتبقى الخطوة المتبقية ملقاة على قرار حكومي يقضي ببعث لجنة فنية إلى وزارة الداخلية الايطالية لتقديم كل هذه المعطيات والتمكن من الكشف عن أسماء المفقودين والمسجونين والمتوفيين، غير أن الحكومة لم تقم بذلك إلى حدود الآن.
وكشف الهذيلي لـ”الشاهد” أن المنتدى تلقى 5033 ملف للمفقودين في هذا البلد، غير أنه يتوقع أكثر بذلك بكثير باعتبار أن عديد الأهالي بالمناطق الداخلية لا تصل إلى منظمات المجتمع المدني أو الجهات الرسمية.
وشدد الهذيلي على أن تقييم المنتدى لمسار لهذا الملف سلبي للغاية نظرا لما خلفه التباطؤ والتعامل غير الجدي من لوعة لدى العائلات كما أنه ملف حقوقي بامتياز.

لجنة التونسيين بالخارج: زيارة مرتقبة إلى إيطاليا:
بدورها، أكدت رئيسة لجنة التونسيين بالخارج ابتسام الجبابلي في تصريح لـ”الشاهد” أن ملف التونسيين المفقودين في الخارج وخاصة في إيطاليا من أهم الملفات التي تتابعها اللجنة باستمرار والملفات المطروحة بشدة داخل اللجنة.
وأضافت الجبابلي أن اللجنة راسلت وزير الشؤون الاجتماعية خلال شهر فيفري للتفسير حول ما توصلت إليه لجنة تحقيق ومتابعة التونسيين المفقودين في إيطاليا بعد زيارتها إلى هذا البلد في الآونة الأخيرة ، باعتباره يترأسها، وقد تلقت اللجنة ردا كتابيا في ذلك.
وكشفت الجبابلي أن لجنة التحقيق توصلت إلى التحاليل الجينية التي تهم حوالي 20000 شخص في مقارنة بين الجانب التونسي والإيطالي للتأكد من الجثث الموجودة في إيطاليا هل هي تونسية أو من جنسيات أخرى.
وأكدت الجبابلي أن هناك تعاون من الجانب الإيطالي خاصة بعد زيارة رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي في بداية شهر فيفري الفارط، مشيرة إلى أن جلسة ثنائية حدثت مؤخرا يين الوفد التونسي الذي تنقل إلى إيطاليا مع أطراف إيطالية.
وأضافت الجبابلي أن لجنة التونسيين بالخارج تطلب أن تكون ممثلة في الزيارات القادمة التي ستؤديها لجنة التحقيق إلى ايطاليا و تسعى لذلك في أقرب الآجال.
هذا وأكدت عضو لجنة التونسيين بالخارج لـ”الشاهد” أن اللجنة تبذل جهودا بصفة يومية لفك شفرة هذا الملف على المستوى القريب والمتوسط غير أن البت النهائي فيه مازال لم يحدث بعد، مشيرة إلى أن اللجنة تعطي حيز هام للمفقودين وسوف تقرر موعد عقد جلسة كاملة في الخصوص خلال اجتماعها الأسبوع القادم.
و قررت لجنة شؤون التونسيين بالخارج إثر اجتماعها، يوم الأربعاء 15 مارس 20177 ، الاتصال بوزارة الشؤون الخارجية لمدهم بجميع المعلومات والمعطيات اللازمة حول وضعية التونسيين الموجودين بمراكز الإيواء والسجون الإيطالية.
وكشفت ابتسام الجبابلي عن وجود لقاء مرتقب بين أعضاء اللجنة و مدير عام الشؤون القنصلية التونسي بمقر وزارة الشؤون الخارجية، مشيرة إلى أن الملف بات يكتسب صبغة عاجلة.
يذكر ، أن كاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية المكلف بالهجرة والتونسيين بالخارج، رضوان عيارة، أكد في جانفي 2017، أنه تم تسجيل تقدم في ملف التونسيين المفقودين في ايطاليا، معلنا عن زيارة سيؤديها قريبا إلى ايطاليا سيجري خلالها مشاورات حول هذا الملف مع وزارتي الخارجية والداخلية الايطالية.
كما أكد عيارة أنّه تم ضبط قائمة للمفقودين التونسيين في ايطاليا والتي تعدّ بين 502 و5099 شخص، مؤكدا أن إحداث بنك جديد للجينات في ايطاليا سيمكن من التحقق من عدد من الهويات التي ظلت إلى حدّ الآن مشكوك في انتماء أصحابها إلى تونس .
وقال كاتب الدولة إنّ الحلّ الأمثل للحدّ من الهجرة السرية، ولتثبيت الناس في مناطقهم، التسريع في التنمية بمختلف مناطق البلاد، مبينا أنه من واجب حكومة الوحدة الوطنية العمل على تعزيز إسهام التونسيين بالخارج، الذين يمثلون 12 في المائة من الشعب التونسي، في التنمية الجهوية والمحلية، من خلال تشجيعهم على الاستثمار في بلادهم، وخصوصا في مناطقهم الاصلية.

زيارة رئيس الجمهوية إلى إيطاليا…جرعة أمل !!
الزيارة التي أداها رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي إلى إيطاليا بدعوة رسمية من نظيره الإيطالي “سيرجيو ماتارالا” لمدة يومين انطلاقا من يوم 8 فيفري الفارط ، علقت عليها عائلات المفقودين آمالا كبيرة في أن يطرح السبسي هذا الملف مجددا لدى السلطات الإيطالية.
ومن بين الخطوات التي قام بها رئيس الجمهورية حينها هي الالتقاء بممثلي الجالية التونسية المقيمة في هذا البلد، ولكن أن يتم الإعلان صراحة عن الجديد في خصوص التونسيين القابعين في السجون هناك.
وفي وقت سابق، طلب رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي من الرئيس الإيطالي “سرجيو ماتاريلا “، خلال زيارته إلى تونس في ماي 2015، أن تقوم السلط الإيطالية بكل ما هو ممكن حتى يتسنى معرفة مآل التونسيين المفقودين مبيّنا أنها قضيّة انسانية ذات أولوية.

منذ الثورة … نحو 22 الف تونسي هاجروا بطريقة غير شرعية:

الفقر والبطالة و التهميش 3 أسباب كافية لدفع أبنائنا من الهرب من أرض الوطن إلى البلدان الأوروبية مهما كان الثمن ومهما كانت الوسيلة، ورغم مخاطر الهجرة غير الشرعية إلا أن الشباب التونسي متمسك بها منذ عشرات السنين وزاد هذا التمسك والإصرار بعد الثورة التونسية، ولعل هذا التمسك يترجم حقيقة وحيدة هو الحلم برغد العيش والثراء الفاحش والحياة الكريم في الدول الأوروبية.

تلك هي الحقيقة التي في أذهان آلاف الشباب العاطلين عن العمل ومن أبناء الفئات المهمشة، لكن الحقيقة الأخرى هي أن أغلب من اختاروا ركوب البحر نحو أوروبا واجههما أمران لا ثالث لهما فإما الموت غرقا أو الترحيل قصرا.
ولعل قرب تونس من السواحل الأوروبية جعلها منطقة جذب لعبور المهاجرين غير الشرعيين، ومنذ الثورة أسالت الهجرة غير الشرعية كثيرا من الحبر، حيث دفع السلطات التونسية إلى الانكباب على إيجاد آليات تهدف إلى الحد من هذه الظاهرة لكن دون جدوى.
وفي وقت سابق، أكد كاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية المكلف بالهجرة والتونسيين بالخارج، رضوان عيارة أن عدد التونسيين من المهاجرين غير الشرعيين “تراوح بين 22 و25 ألفا في السنوات التي تلت الثورة”.
وربط كاتب الدولة حل هذه الظاهرة، التي تودي بحياة عشرات الشباب سنويا، “ببناء الثقة بين الدولة وشبابها وبرمجة الخطط الكفيلة بتوفير الشغل والتنمية خاصة في المناطق الداخلية مع فسح المجال للهجرة القانونية المنظمة”.
وأشار، من جهة أخرى، إلى أن “استراتيجية تتعلق بالتونسيين بالخارج سيتم عرضها قريبا على مجلس وزاري بهدف توجيه تحويلات الجالية إلى استثمارات في المناطق الداخلية”.
وبين رضوان عيارة أنه سيتم فتح ثلاثة منابر “للحوار المجتمعي حول شؤون الشباب وقضاياه” الذي انطلق يوم 1 أكتوبر لينتهي يوم 13 نوفمبر الجاري، في كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا، في انتظار تعميمه على بلدان الإقامة العربية والأوروبية الأخرى.وتمحورت مداخلات شباب السعفات بالخصوص حول ارتفاع ظاهرة الهجرة السرية في منطقتهم وانسداد الآفاق أمامهم نظرا لغياب التنمية والتشغيل مما زاد في معدلات الانقطاع المبكر عن الدراسة والإدمان والاكتئاب والانتحار، وفق تعبيره.
رغم ذلك، فإن كل هذه الوعود كانت وستظل مجرد حبر على ورق، بينما سيظل شباب تونس متمسك “بالهروب” من بلده إلى الدول الاوروبية لأجل فكره راسخة في ذهنه وهي أن الهجرة إلى اوروبا وحدها من ستنقذه من حياة التهميش والفقر والبطالة.