كتّاب

الأحد,8 أكتوبر, 2017
محمد دحلان والأربعين حرامي.. القلب النابض للمؤامرات والثورات المضادة

نشرت صحيفة لوموند الفرنسية تحقيقًا استقصائيًا، أمس الجمعة السادس من أكتوبر، حول رجل الإمارات في المنطقة والقيادي السابق في حركة فتح محمد دحلان. وقد وصف التقرير في افتتاحيته قائد جهاز الأمن الوقائي السابق صاحب الـ57 عامًا، بأنه “في قلب المؤامرات السياسية والمالية في الشرق الأوسط”. حيث يكشف التحقيق الاستقصائي دور محمد دحلان ضمن الحلف الإماراتي المصري في تخريب الثورات العربية وفي محاصرة الإسلاميين، وهو الذي يعيش في منفى “ملكي” في أبوظبي بعد عزله من حركة فتح.

 

فإلقاء نظرة، وفق ما تقول الصحيفة، على تحركات محمد دحلان في آخر ثلاث سنوات تكشف عن حقيقة دوره، لقاءات دورية مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ومفاوضات في الخرطوم لبناء سدّ على النيل، ونقل الأسلحة إلى المشير خليفة حفتر في ليبيا، وعلاقات مشبوهة مع قيادات تونسية معارضة للإسلاميين، والمساهمة في تأسيس لمنصة المعارضة السورية في القاهرة “تيار الجربا”. وحسب إحدى المصادر في فرنسا، حضر دحلان خطاب دونالد ترامب في الرياض في آيار/مايو الماضي إلى جانب 50 زعيم دولة عربية ومسلمة.

رجل محمد بن زايد

محمد دحلان هو مستشار مقرّب من ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، الذي يقود البلاد في غياب أخيه غير الشقيق خليفة بن زايد المُبعد عن السلطة منذ إصابته بجلطة دماغية. ويحوز محمد دحلان على دفتر شيكات مفتوح من الإمارات، وابن زايد يعامله كأخيه، وعليه فإنه حين يُسافر مثلًا إلى باريس، تفتح له السفارة الإماراتية رواق كبار الزوار، وتُرسل له سيارات الليموزين. فهو يعامل كشيخ من الأسرة الحاكمة، وبأكثر مرتبة من أي وزير، هكذا يقول دبلوماسي عربي لصحيفة لوموند.

ويقول صحفي فلسطيني مقيم في رام الله، إن محمد دحلان هو “رجل الإمارات في حربها ضد الإخوان المسلمين”، فهو الوحيد من قيادات الجيل الثاني في فلسطين الذي يتمتع بعلاقات مع شخصيات رفيعة في المنطقة، “إنه أخطبوط حقيقي”، هكذا يصفه.

في أبوظبي، وفي شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2016، وفي مبنى مكوّن من ثلاثة طوابق، توجد شركة أبحاث تُسمى الثريا وهي مركز دراسات اقتصادية، ضمن سلسلة مؤسسات يمارس من خلالها محمد دحلان أنشطته. يقول محمد دحلان بأنه يملك مكتبًا في أبوظبي وآخر في القاهرة وآخر كذلك في أوروبا، ويقول بأنه طوّر لوحده أعماله، وينفي أن يكون مستشارًا لابن زايد، زاعمًا أنه “مجرد صديق للأسرة الحاكمة”. وبالعودة للموقع الإلكتروني لـ”إنترناشيونال كومباني بروفايل”، وهي وكالة تقييم لمخاطر القروض، فإن الثريا هي شركة تابعة لمجموعة “الإمارات الملكية القابضة”، المملوكة لأسرة آل نهيان.

التقى محمد دحلان بنظيره في السن، ابن زايد، فكلاهما من مواليد عام 1961، لأول مرة عام 1993، حينما توجه الزعيم الراحل ياسر عرفات إلى أبوظبي. وقتها كان محمد دحلان مستشارًا شابًا للرئيس الفلسطيني، وكان ذلك قبيل توليه قيادة الأمن الوقائي في غزة، مباشرة بعد انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي، وهو منصب سرعان ما بات مصدرًا للأموال بفرض الضرائب على الشاحنات التي تدخل للقطاع، ولكن المنصب أتاح لمحمد دحلان كذلك تأسيس علاقات مع أجهزة استخبارات، منها جهاز “شين بيت”، وهو جهاز الأمن الداخلي في إسرائيل.

إعجاب من إدارة جورج بوش

الرجل الثاني الذي لم نتحدث عنه بعد هو محمد بن زايد، الذي كان وقتها طيّارًا مقاتلًا، والذي أصبح وريث أخيه غير الشقيق خليفة بن زايد. وعلى طريقة محمد دحلان، اتخذ وقتها الأمير الشاب من مؤسسة للدولة تقوم بإدارة أصول شركات التسليح الأجنبية، ركيزة لصعوده السياسي. فبات الرجلان الثلاثينيان آنذاك، المتعطشان للسلطة، يجتمعان في عديد المناسبات وتكونت بينهما صداقة.

ورغم أعمال العنف التي ارتكبتها قواته في غزة، ومزاحمته مع حماس سنة 2007، واصل محمد دحلان صعوده في فلسطين، إذ تمّ انتخابه في 2009 في اللجنة المركزية لفتح، ثُم فُرض مستشارًا أمنيًا لمحمود عباس. وقد أبدى المحافظون الجدد في إدارة جورج بوش الابن، إعجابهم بمحمد دحلان الذي كان يسخر سرًا ممن يسمون “الحرس القديم” في منظمة التحرير الفلسطينية.

وفي صيف 2011، وخشية من الانقلاب عليه، قام محمود عباس بعزل محمد دحلان، وأثار ضده تتبعات فساد مالي، ليجلأ محمد دحلان على الفور إلى الإمارات، عند “أخيه” محمد بن زايد الذي بدوره أوقف تمويل السلطة الفلسطينية والذي كان يبلغ ما بين 100 و150 مليون دولار في السنة الواحد من سنوات ما بعد 2000.

أبوظبي مركز رموز الثورة المضادة

أبوظبي هي مركز تجمع لرموز من الأنظمة القديمة التي أطاحت بها الثورات العربية، فنجد مثلًا أحمد شفيق رئيس الوزراء المصري الأسبق، ومحمد إسماعيل المستشار الأمني لسيف الإسلام القذافي نجل الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي. إضافةً إلى أحمد صالح، ابن الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح وقائد حرسه الجمهوري.

 

وبذهابه إلى أبوظبي، شرع محمد دحلان في العمل للإطاحة بالإسلاميين الذين كانوا قد فازوا بالانتخابات في مصر وتونس، وذلك باعتماد دبلوماسية سريّة وتحريضية، إذ قام بالتعاون مع ابن زايد بدعم إسقاط الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، بتمويل الاحتجاجات ضدّه في حزيران/يونيو 2013 والتي انتهت بالانقلاب العسكري بقيادة عبدالفتاح السيسي.

حقائب مليئة بالأموال في غزة

استثمر محمد دحلان في وسائل الإعلام المصرية لحساب الإمارات، حيث ساهم في إنشاء قناة الغد التي يديرها عبد اللطيف الميناوي الصّحفي المقرّب من نظام مبارك. في المقابل، تقدم السلطات المصرية خدمات له، على غرار السماح بزوجته جليلة، في نيسان/أبريل 2015، بدخول قطاع غزة عبر معبر رفح، في الوقت الذي أغلقت فيه إسرائيل معبر إيريز بضغوط من محمود عباس. دخلت جليلة دحلان القطاع حاملة حقائب مليئة بالأموال لتمويل زواج جماعي لـ400 غزّاوي، وفي اليوم الموالي، تم تعليق لافتات “شكرًا الإمارات” في شوارع غزة.

ويقول صحفي مصري مقرب من أجهزة الاستخبارات المصرية، للوموند الفرنسية، إنّ “السيسي ليس داعمًا لمحمد دحلان على وجه الخصوص. لكن الأخير ذكي ومفيد بالنسبة للنظام المصري لأن لديه علاقات ويعرف الداخل والخارج من القطاع”.

قوافل أسلحة إماراتية لحفتر

في ليبيا وإضافة للمشير خليفة حفتر، يرتبط محمد دحلان بعلاقات مع قيادات سابقة من نظام القذافي مثل محمد إسماعيل، والملياردير حسن طاطاناكي الناشط في سوق الأسلحة، وكذلك قذاف الدم ابن عمّ الزعيم الليبي السابق معمر القذافي.

وأكدت مصادر متعددة أن هذه الشخصيات ساعدت محمد دحلان على السفر إلى برقة منذ 2012. وكشفت تسريبات للسيسي نشرتها وسائل الإعلام في شتاء 2015، عن سفر دحلان بطائرة خاصة من القاهرة إلى ليبيا. لكن لماذا؟ يؤكد مراقبون أن محمد دحلان هو أحد الفاعلين في مجال نقل الأسلحة الإماراتية لمعسكر حفتر بفضل شبكة البلقان التي يحوزها، والتي تسمح له بلعب دور الوسيط في هذا الجانب.

في السنوات الأولى من الألفية الحالية، حيث زمن الصداقة الجميل بين يوغوسلافيا آنذاك، ومنظمة التحرير الفلسطيني، استطاع محمد دحلان اقتحام عالم رجال الأعمال في هذه المنطقة، وتقرّب تحديدًا من شخصيتين هما ميلو دجوكافويتش، وزير أول الجبل الأسود لأربع مرات بين 1991 و2016 والمشتبه بعلاقاته بالمافيا، أما الرجل الثاني فهو ألكسندر فوشيتش، الوزير الأول السابق والرئيس الحالي لصربيا، والمعروف بالشكوك التي تحوم حول نزاهته.

 

وعبر هذين الرجلين، عقد محمد دحلان عدة صفقات مثل شراء أراض على طول طريق “زغرب بلغراد”، كما ساعد موكّله محمد بن زايد على اقتحام هذا السوق. فبين عامي 2013 و2015، حصلت أبوظبي على عديد العقود الضخمة في صربيا في ظروف مشبوهة، من بينها مشروع في بلغراد بقيمة 3.5 مليار دولار لتجديد المدينة القديمة للعاصمة.

مخازن ضخمة من الأسلحة في البلقان

يملك محمد دحلان جواز سفر صربيًا هو و11 من رجاله، وعبرهم “استطاع ابن زايد مزاحمة خصمه أردوغان في هذه المنطقة”، بتعبير الصحيفة. لكن الاهتمام بالبلقان يرجع لوجود مخازن ضخمة من الأسلحة موروثة منذ الحرب الأهلية في التسعينات. وفي السنة الماضية، نشرت صحيفة الغارديان تحقيقًا أعدته شبكة التحقيقات الاستقصائية في البلقان ومشروع مكافحة الجريمة المنظمة والفساد، كشف أنه خلال 2015، أقلعت ما لا يقلّ عن ثماني طائرات محمّلة بالأسلحة من صربيا إلى أبوظبي.

هل هي صدفة؟ لا يبدو كذلك، إذ إنه في حزيران/يونيو من نفس العام، سافر خليفة حفتر بنفسه إلى بلغراد. وعلى ما يبدو فإن الأسلحة تأتيه من إقليم دارفور في السودان، كما أثبتت تقارير الأم المتحدة، وليس محمد دحلان ببعيد عن ذلك، إذ وفقًا لأحد قادة الجماعات المتمردة في السودان، رفض الكشف عن نفسه للوموند، فإن محمد دحلان اقترح عليه عقد لقاء عام 2016.

 

وفي تسجيل منشور، يظهر رجل مقرّب من رئيس الحكومة الليبية الأسبق محمود جبريل، ينصح زعيم مليشيا، بطلب “مساعدة دحلان”. محمد دحلان هو أحد رجال الإمارات الذي يوفر الأسلحة لحفتر، هكذا قال للوموند خبير في الشأن الليبي رفض الكشف عن اسمه، ويقول بأنه يعمل مع صدام ابن خليفة حفتر، وأنهما شريكان في منجم بالسودان.

حتى تونس لم تسلم

أنشأ محمد دحلان في تونس علاقات مع قيادات من النظام السابق، ومن اليسار “الاستئصالي” المعارضين للإسلاميين، ومن بينهم محسن مرزوق رئيس حزب مشروع تونس والمستشار السابق للرئيس الباجي قائد السبسي، ورفيق الشلي مسؤول سابق في الداخلية زمن زين العابدين بن علي. ويعتبر مراقبون أن محمد دحلان يحاول حثّ حزب نداء تونس على فك تحالفه بحركة النهضة.

ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ، إذ يقول خبير مطلّع للوموند، إن محمد دحلان “يسعى كذلك لإقناع التونسيين بإغلاق الحدود مع ليبيا”، ما يعني التسبب في شح الموارد الغذائية في العاصمة طرابلس، وهو ما يساعد مجموعات حفتر على التقدم.

يد دحلان في سوريا ولبنان

ينشط محمد دحلان كذلك في سوريا، حيث ساهم في آذار/مارس 2016 في بعث تيار الغد بقيادة أحمد الجربا الرئيس السابق للائتلاف السوري المعارض. وقد واكب الحفل شخصيات مصرية ولبنانية وروسية أيضًا، إضافة لشخصيات مؤيدة للأسد وأكراد. ويصف الكاتب والباحث السوري سنان حتاحت أحمد الجربا بأنه “رجل بلا مبادئ، خاضع، وبذلك يمكن استعماله لمعارضة الإسلاميين وتركيا وقطر”.

ويضم تيار الغد مليشيا مسلحة موجودة في مناطق الشرق السوري، تتلقى أسلحة من كردستان العراق. ويقاتل رجالها حصرًا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، دون قتال المليشيات المؤيدة للأسد، حيث تسعى الإمارات لفرض نفسها على الحالة السورية.

ويتواجد محمد دحلان كذلك في لبنان في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، ولديه قوة مالية ضاربة عبر منظمة غير حكومية، وهو ما مكنه من الحفاظ على حركة شبابية، وهي “الحراك الشبابي”، الناشطة على المستوى الاجتماعي، واستطاعت أن تحقق نجاحًا دفع الأحزاب التقليدية إلى إنشاء حركة شبابية تحت اسم “شبابنا”.

 

ويعوّل محمد دحلان كذلك في لبنان على مليشيات منشقّة عن حركة فتح على غرار مجموعة محمد عيسى في مخيم عين الحلوة، وهي مجموعة دخلت في مواجهات عسكرية مع المجموعات النظامية لفتح بين 2011 و2013.

رجل مهمات التخريب

لا يُمكن الحديث عن محمد دحلان دون المرور على أوروبا، ففي خريف 2016 في بروكسل، وخلال الشتاء في باريس، عقد محمد دحلان عدة مؤتمرات مع لاجئين فلسطينيين من بينهم أعضاء في حركة فتح. ووفقًا للوموند فإن دحلان بهذه المؤتمرات واللقاءات يسعى لإنشاء هيكل موازٍ. كما أنه حاول التقارب مع حركات التضامن الفلسطيني والاتحاد الوطني للشباب الفلسطيني وهي نقابة الطلبة الفلسطينيين في الخارج، لكنه لم ينجح مع هذه المنظمات النضالية.

من جانب آخر، يعلم محمد دحلان بأن المعركة مع الإسلام السياسي تتمّ على مستوى الأفكار، ولذلك استثمر في المؤتمرات ومراكز البحث، ويقوم عبر مؤسسته “الثريا للاستشارات والبحوث”، وهي أداة بيد الإماراتيين، بتمويل منصات حوار مثل موقع “فور مينا” المتمركز في بروكسل، والمنتدى المتوسطي الخليجي الموجود في روما، والمركز الدولي للجيوبولتيك والتحليل الاستشرافي الموجود في باريس والذي يديره التونسي المازري الحدّاد، وهو أحد أزلام الرئيس المخلوع بن علي.

 

في النهاية، يُمكن القول إن لمحد دحلان وشبكته يدًا ليست بالهينة في معظم الملفات الهامة في المنطقة. لكنها على الأغلب يد تخريب، أو هكذا يقول الواقع، ليقود هو دفة المؤامرات الإماراتية بتوجيهات وثروة صديقه محمد بن زايد.