فن

الجمعة,10 مارس, 2017
مبدعو تونس .. تتجاهلهم الدولة و هم أحياء و تتذكرهم بعد مماتهم “شكليًّا ” !

بين الأمس و اليوم ، قصص لفنانين و مبدعين و ممثلين و مغنين و شعراء تونسيين تتكرر .. و لئن اختلفت مجالات ابداعهم و فنهم ، فقد جمعهم تجاهل الدولة و تقاعسها في رد بعض الجميل لهم و هم في مراحل حياتهم الأخيرة في صراعاتهم مع المرض و الافلاس لتتذكرهم بعد مماتهم بالمديح و التمجيد و التكريم حد تنصيب تماثيل لهم و كأنها بذلك كفرت عن ذنبها بغض نظرها عنهم و هم في أمس الحاجة ليد العون منها ..

خديجة بن عرفة الممثلة التونسية القديرة وافتها المنية صباح الخميس 9 مارس الجاري عن سن تناهز الـ68 سنة ، بعد معاناة مع مرض القلب الذي انهكها خاصة في الاسبوعين الاخيرين ، وفق ما كشفته ملاك بودربالة ابنة الفقيدة بن عرفة .

و رغم مرور اسبوعين على تدهور صحتها ، الا ان الممثلة لم تتلق اي التفاتة من منظوري وزارة الشؤون الثقافية و لا حتى عيادتها للاطمئنان على صحتها باعتبارها من اكبر ممثليها و أكثرهم عطاء سواء في التمثيل او في المسرح ..
و اقتصرت الوزارة على نشر بيان مقتضب نعت فيه الراحلة ، الخميس ، أشارت من خلاله الى مساهمة بن عرفة ” منذ ستينات القرن الماضي في صنع مجد فرقة التمثيل بالإذاعة والتلفزة التونسية، وذلك من خلال مشاركاتها في العديد من الأدوار الفنية الدرامية التي تحفظها ذاكرة المشاهدين على غرار “أمي تراكي” و”عمتي عيشة راجل” و”الحاج كلوف”” وفق نص البلاغ.

و ليست بن عرفة الأولى او الوحيدة ممن تجاهلتهم وزارة الثقافة في مراحل حياتهم الاخيرة ، بل و هنالك من كانت جد مجحفة معهم و لم تعرهم بالغ اهتمام رغم استنجادهم بها لرد بعض جميل مقابل ما قدموه طوال مسيرتهم الفنية و اسعافهم في احنك فترات مرضهم ..

ليس بعيدا عن تاريخ اليوم ، فقدت الساحة الفنية اثنين من اكبر ممثليها و اكثرهم اغداقا على الابداع التونسي عموما ، في يوم واحد .. المنصف السويسي و سعيدة السراي..

يوم 6 نوفمبر من العام المنقضي كان يوم حداد بكل ما للكلمة من معنى في الساحة الفنية التونسية ، فقد راجت انباء في اول اليوم عن انتقال المسرحي القدير المنصف السويسي الى جوار ربه ، بعد صراع مع المرض ، وكان قد كشف قبل فترة من وفاته عن إصابته بمرض السّرطان.
ويعد المنصف السويسي من أبرز الممثلين التونسيين وهو ممثل ومخرج مسرحي له العديد من المسلسلات والمسرحيات .

و في وقت لاحق من نفس اليوم ، انتشر ايضا خبر وفاة الممثلة سعيدة السراي بعد صراع مع المرض في إحدى المصحات الخاصة بالعاصمة الفرنسية باريس .

وقد قدمت هذه الفنانة الكثير للساحة الفنية التونسية، إذ شاركت في العديد من الأعمال الدرامية والمسرحية على مدار سنوات وساهمت في الترويج للفن المسرحي والدرامي التونسي خارج أرض الوطن وكانت نجمة من نجمات الشاشة في الأعمال الدرامية الرمضانية ذات المستوى الجيد، وفق تقييمات النقاد والمشاهدين، إلا أن سعيدة سراي لم تجد غير الجحود من وزارة الثقافة التونسية ، فقد أصيبت بمرض” السرطان” منذ بداية سنة 2015، و ظلت تكابد هذا المرض لوحدها دون أن تتدخل وزارة الإشراف بمصاريف العلاج خاصة وأنها تعالج في مصحة خاصة خارج حدود الوطن وما يعنيه ذلك من جسامة المصاريف المادية.

و قبل وفاتها كانت السراي قد كشفت ان وزارة الشؤون الثقافية غير مهتمة بإصابتها، موضحة أنها حاولت منذ شهر من ذلك التاريخ تقديم ملفها الطبي وشرح وضعيتها الى الوزارة ولكن لا حياة لمن تنادي.

وبعد الإنتقادات التي وجهت لسلطة الإشراف حول إهمالها للفنانين التونسيين، تحركت مؤخرا لصالح السراي ، ذلك أن وزير الثقافة محمد زين العابدين التقى يوم 25 أكتوبر 2016 بزوج السراي وتعهد بمتابعة ملفها الصحي غير أن هذه البادرة وصلت متأخرة وسبقها الموت، ورحلت الفنانة السراي.

الممثلة أمال سفطة، أصيبت هي الأخرى بمرض السرطان وظلت تقاوم هذا المرض إلى أن شفيت منه تماما، دون أن تتدخل الوزارة أيضا لإسعافها.

ووجهت سفطة رسالة في هذا الخصوص، عبر حوار أجرته مع “الصباح نيوز” إلى وزارة الثقافة قائلة: “إما أن تعترفوا بنا وتساعدوننا أو أن تعلنوا تخليكم عنّا”.

كما ان ما عانته الفنانة الشعبية فاطمة بوساحة ليس بالهين و لا بالقليل ، اذ ظلت هذه الفنانة طريحة الفراش طيلة اشهر وعلى مرأى ومسمع جميع المسؤولين ولكن كالعادة لم تتدخل وزارة الشؤون الثقافية إلا لتمن عليها بمبلغ مالي صغير ” ألف دينار” وصفه المتابعون بالفضيحة في حق فنانة أعطت للفن والجمهور التونسي الكثير.

قبل أن تغادر الحياة، أكدت بوساحة أن وزيرة الثقافة انذاك لطيفة لخضر لم تكلف نفسها عناء التنقل للإطمئنان عليها، موضحة أن الوزارة صرفت لها مساعدة مالية قصد التكفّل بمصاريف علاجها وشراء دوائها لا تتجاوز 1000 دينار، وهو مبلغ اعتبرته رمزيا لا يسد نفقات العلاج ولا يعكس قيمتها الفنية.

وظلت فاطمة بوساحة على هذه الحالة إلى أن وافاها الأجل يوم 27 أكتوبر 2015.

بدوره ، لم يسلم “شاعر تونس” الصغير أولاد حمد من اجحاف السلطات المعنية ، و هو الذي خلف تركة دسمة من القصائد الشعرية تثري الساحة الفنية..

،توفي الشاعر بتاريخ 5 أفريل 2016 ، وتكريما لروحه أنجز له نصبا تذكاريا بمدينة الحمامات، غير أن هذا النصب أثار تهكم الكثير سيما على مواقع التواصل الإجتماعي إذ ظهر بمثابة المسخ لا التكريم ولا يوجد أي وجه شبه بينه وبين الشاعر…

في المقابل ، وترصد وزارة الثقافة ضمن موازنتها اعتماداً خاصاً منذ سنوات لتغطية حاجات بعض الفنانين الذين يمرّون بأوضاع اجتماعية صعبة، لكنّه مبلغ لا يكفي لتغطية أبسط الحاجيات و المتطلبات ..
كما وتقدّم وزارة الثقافة منحة إلى الفنان ليتجاوز العقبات المادية بحسب وضعه والملفّ الذي يقدّمه، وتتمّ دراسة الملف خلال فترة لا تتجاوز 24 ساعة بالنسبة إلى الحالات العاجلة.

إلا ان ذلك لا يعدو ان يكون اجراء صوريا ليس من شأنه ان يشكل اضافة بالنسبة الى مبدع قدم الكثير الى الرصيد الفني للبلاد ..

و كان قد اطلق ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي في اكثر من مناسبة ، ومع تدهور صحة العديد من الفنانين، حملات تطالب الحكومة بالتكفّل بمصاريف علاجهم، ناشرين صورهم ومذكّرين بأعمالهم، بينما طالب آخرون بتوعية الفنانين إلى ضرورة الانخراط في نظام التغطية الاجتماعية؛ وهم في أوج عطائهم والتفكير منذ صغرهم في “اليوم الأسود”. فيما تبدو النقابات الفنية غائبة كليّاً عن الصورة….