كتّاب

الإثنين,5 مارس, 2018
ما قد تنتجه الانتخابات البلدية في ربيع تونس

نور الدين العلوي

لا يقين من إنجازها بعد. فالوضع الاقتصادي كارثي؛ لا تنفع في تغطيته الضحكات الصفراء لرئيس الحكومة، واحتمال الانهيار الفجائي لا يساوي صفرا، حتى أن مشهد الذهاب إلى الانتخابات في وضع اقتصادي مماثل يقرأ كسريالية سياسية ليست بعيدة عن مشهد الذي يلعق العسل من جبح في فم بئر فيما الأفاعي تتربص به في القاع. ولكن رغم ذلك، سنسترسل في خيال يتعزى خالطا الأمل بالوهم، فنقرأ ما قد تحدثه من فرز سياسي قد يكون فيه بعض خلاص من حالة التردد وغياب الفاعلية التي تطبع عمل الأحزاب التونسية وارتباكها.. سنسهم في السريالية ونقول إنه لو حصلت في موعدها وبشروطها، فإن ما بعدها سيتميز بما يلي:

عود حزب النهضة يشتد

وضع حزب النهضة رهانات سياسة وربحها. كان الرهان الأكبر أن يخرج من وضعية الحزب المطارد من الدولة، ليتحول إلى جزء من الدولة

ما زال هناك في تونس من يقرأ كل حديث لا يدعو إلى استئصال حزب النهضة من المشهد السياسي بأنه خطاب يروج لحزب النهضة. ولكن هذه الفئة من القراء ستزداد عزلة؛ لأن تأثير خطابها يتقلص في المستقبل القريب، وسيتحول بعضه إلى نواح على تونس، ويختم أصحابه جنائزهم اليومية في الحانات الرخيصة؛ لأن رواد الحانات الراقية سيعيدون حساباتهم مع حزب قوي لم يعد يحرم الخمر.

لقد وضع حزب النهضة رهانات سياسة وربحها. كان الرهان الأكبر أن يخرج من وضعية الحزب المطارد من الدولة، ليتحول إلى جزء من الدولة؛ لا فقط جزءا من النظام السياسي المؤقت. لقد صنعت سياسة مهدي جمعة (2014) الذي نفذ برنامج الاتحاد اليساري باستبعاد كل نهضاوي من مفاصل الإدارة؛ عقدة اضطهاد أخرى وأنتجت ما يكفي من القهر الداخلي (ربما أكبر من حجم الألم الذي نتج عن مجزرة ابن علي). استثمر الحزب ذلك بشكل جيد، فتلاحم عناصره وتماسكوا، رغم الخلافات الداخلية التي ظهرت في المؤتمر العاشر. وها هو يدخل الانتخابات البلدية متماسكا، وستزيد النتائج (مهما كانت نسبية) في تماسكه الداخلي ليراهن على التشريعية بقوة، وربما يفاوض على الرئاسية، بما يجعل قصر قرطاج غير معاد له. وهي مرحلة مهمة قبل المراهنة على منصب الرئيس، لكن التطلع إلى القصر لم يعد محرما.

لن يحدث الحزب معجزات تنموية في المستوى المحلي، فالحزب لم يبن كفاءات خارقة بعد، وربما لن يفعل، ولكن المقارنة مع بلديات لا يقودها ستكون لصالحه ولو بعد حين

سيواجه الحزب في البلديات التي سيفوز بها حزب الإدارة المحافظ، ولكن عناصره المنضبطة ستحدث الفارق أمام الناس في حياتهم اليومية سيرون حزبا يعمل، وسيكون الزمن كفيلا بتفكيك حزب الإدارة تلك المعارك اليومية المنتظرة التي يملك لها حزب النهضة الصبر وطول النفس، وهو ما لا يتوفر لغيره. لن يحدث الحزب معجزات تنموية في المستوى المحلي، فالحزب لم يبن كفاءات خارقة بعد، وربما لن يفعل، ولكن المقارنة مع بلديات لا يقودها ستكون لصالحه ولو بعد حين.

ما نقرأه من خطاب الحزب الآن هو أن طرد النهضة من تونس لم يعد ممكنا، ومحقها يتحول عند البعض إلى حلم مستحيل. تحقق رهان البقاء، وسيتضح رهان المشاركة من موقع القوة.

بعض هذه النجاح لا يعود إلى الحزب نفسه بقدر ما يعود إلى تكلس من يعاديه وعجزهم عن ابتكار أساليب منافسة سياسية على غير قاعدة الاستئصال. لقد استأصل الاستئصاليون أنفسهم أمام النهضة، ولم يبق إلا انقلاب يعصف بالبلد قبل أن يعصف بالنهضة. ولكن هل يوجد رجال لإنجاز انقلاب حقيقي؟

اليسار التونسي يخسر

رهان اليسار التونسي بكل أطيافه (بما في ذلك فصائل قومية تصنف نفسها في اليسار) ظل هو نفسه منذ أول الثمانينات. تونس بلا حزب إسلام سياسي

في مقابل رهان البقاء الذي اشتغلت عليه النهضة وحققته بقدر فعال، فإن رهان اليسار التونسي بكل أطيافه (بما في ذلك فصائل قومية تصنف نفسها في اليسار) ظل هو نفسه منذ أول الثمانينات. تونس بلا حزب إسلام سياسي.. لقد تمسك اليسار بهذا المشروع حتى الآن، وهو السبب الرئيسي في خسارته.

فلتحقيق هذا الرهان، نسي اليسار أن ينزل إلى الشارع ويقدم نفسه للناس كخيار اجتماعي بديل. ورغم أن التوافق الحاكم، والذي تعتبر النهضة جزءا منه، قد فشل في تحقيق معجزات اقتصادية بما يمكن معارضا شجاعا ذا رؤية من رقبة التوافق، لكن ذلك لم يتم خلال سنوات الثورة، وخاصة خلال سنوات التوافق الأربع.

اليسار التونسي يكتب نصا واحدا بقلم واحد: نص قتل النهضة. فحتى عندما تتم مهاجمة التوافق، فإن الهجوم يمس فقط شقه النهضاوي، وهو ما أفقد خطاب المعارضة اليسارية كثيرا من المصداقية. وزاد الأمر سوءا أنه عندما يتابع الناس حركة التعيينات يجدون فيها وجوها يسارية كثيرة، فهم يأكلون مع الذئب ويبكون مع الراعي.

بدأت نتائج هذا الموقف الجامد في واقع سياسي يتحرك تظهر عندما وجدت الجبهة صعوبات في تأليف قائمات انتخابية، وسيكون على قوائمها منافسة قائمتين قويتين في كل بلدية، هما قائمة النداء (بوجهه التجمعي الحقيقي المتغلغل في المدن الصغرى والقرى التي أحدثت فيها بلديات جديدة)، وقائمة النهضة ذات الرصيد الشعبي الثابت، والتي قد تكون الملاذ الأخير من التصويت لقوائم النداء (التجمع)، حيث يمكن أن نرى تصويتا عقابيا للتجمع.

كما أن قوتها توازي قوائم بقية الطيف الديمقراطي، مثل حزبي الحراك والتيار اللذين ركزا على بلديات محدودة؛ تجميعا للقدرة المحدودة.

وقبل ذلك، يتذكر الناس أن اليسار يشاهد في التلفزة؛ لا في الشارع حيث يجب أن يكون. فلا اجتماعات شعبية ولا اتصالا مباشرا ولا أطروحات سياسية تستجيب لآمال الناس الذين انتظروا من يرد على التوافق بخطاب اجتماعي؛ لا بخطاب حرب على النهضة. هناك كثير من عوام الناس ليسوا مع حزب النهضة، لكن استئصال النهضة من تونس ليس مطلبهم الشعبي، مهما ركز الإعلام الذي يوجهه اليسار على ذلك. ويتذكر الجيل الذي عاش تحت حكم ابن على بلا نهضة أن من بقي لم يحمهم من ابن علي ولا من عصابة اللصوص التي أحاطت بالبلد فأفقرته.

لاحقا يمكن أن نكتب أن الانتخابات قد حررت الفكرة اليسارية من اليسار، وسيكون هناك يسار جديد يشتغل على الأرض بين الناس. لكن ما زال مبكرا على رؤية ذلك

إن اليسار (وفي مقدمته الجبهة الشعبية) يطرح حتى الآن على الشارع برنامجا سياسيا لا يعنيه، بل يعني الجبهة وحدها، وربما بعض أنصارها من الطبقة الوسطى المرفهة التي بنت وجودها على عالم بلا إسلاميين. إنه برنامج لا ينظف شوارعه من المزابل ولا يتدبر عملا لأبنائه العاطلين. (قد يشك الشارع في قدرة النهضة على ذلك، ولكنه على يقين أن اليسار لن يفعل. وفي حالة الشك هذه، تخرج النهضة رابحة واليسار خاسر).

إحدى النتائج الكبيرة المتوقعة في معركة البلديات هي تقليم أطراف اليسار في الأطراف (المدن الصغرى والقرى الكبيرة)، حيث لم يملك شعبية ولا يمكنه إحداث اختراقات؛ لأنه بكل بساطة لم يعمل على تحقيق ذلك. لاحقا لذلك، يمكن أن نكتب أن الانتخابات قد حررت الفكرة اليسارية من اليسار، وسيكون هناك يسار جديد يشتغل على الأرض بين الناس. لكن ما زال مبكرا على رؤية ذلك.

هذا بعض ما نتوقع ولا يقين، فهناك أمر لم نأخذه بعين الاعتبار؛ هو أن أمر تونس ليس كله بيدها. هناك حزب مطارد قد يضع في برنامجه قصر قرطاج، وهناك تيار عاش في ظل السلطة دهرا قد ينتهي تحت السور يكتب أدبا حزينا. سننتظر أن تنجز الانتخابات ونقرأ النتائج؛ لنكتب بأقل قدر ممكن من أفعال الشك.