كتّاب

الثلاثاء,23 يناير, 2018
لولا هؤلاء لسقط الشاهد

صلاح الدين الجورشي

كل من دخل قصر الحكومة التونسية في القصبة بعد الثورة أصبح يفكر في الانتقال إلى قصر قرطاج، أو يثير مخاوف الطامعين. وليس في ذلك سر عظيم، إنما هو إحساس يتملك كل رئيس حكومة بأن الخطوة الموالية في مسيرته السياسية الوصول إلى رئاسة الدولة.

وفي هذا السياق، تواصل حكومة يوسف الشاهد سعيها من أجل استنهاض الاقتصاد المحلي. ولكن على الرغم من ذلك، يتابع قائد السفينة الشأن السياسي بشكل دائم ومن قريب. وكلما اشتد الاحتقان، إلا وبدا متحفزا لاستيعاب الصدمات المتتالية. وقد نجح في ذلك، على الرغم من تجربته السياسية القصيرة. وفي المقابل، تتسع رقعة الذين يروجون أنه “فاشل” أو أنه ليس الرجل الذي يمكن الاعتماد عليه في إدارة شؤون البلاد. وآخر من فك ارتباطه به حركة مشروع تونس التي أعلنت انسحابها من وثيقة قرطاج التي تعتبر الأرضية السياسية للائتلاف الحاكم.

أهم معضلة يواجهها الشاهد أن حزبه، نداء تونس، يستبطن نية التخلص منه، على الرغم من أن الحزب يعلن، ظاهريا، أنه متمسك بالرجل ومدافع عنه. والمطلعون على خفايا الشأن السياسي يلمحون إلى أن سبب التوتر الصامت بين الطرفين يعود إلى محطة 2019. إذ هناك احتمال في أن يفكر الرجل في العمل لحسابه الخاص، من دون الرجوع إلى قيادة الحزب، وبالتالي من غير المستبعد أن يتهيأ للترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، وهي الانتخابات التي يستعد لها أكثر من طرف، وفي المقدمة قيادة “نداء تونس” في حال عدم ترشح الرئيس الباجي السبسي لدورة ثانية.
عندما انطلقت السنة السياسية الحالية، وما تخللها من مناوراتٍ بلغت أخيرا اضطرابات عمت البلاد، وكادت أن تحدث تغييرا على مستوى الحكومة، تبين أن هناك ثلاثة أطراف دعمت يوسف الشاهد، وثبتته في موقعه إلى حين استجلاء المرحلة المقبلة. الأول، حركة النهضة التي تلقت ضربة موجعة من حليفها في السلطة، بعد فشله في الانتخابات الجزئية في ألمانيا. إذ بعدها مباشرة أعلن “نداء تونس” عن فك ارتباطه السياسي بحركة النهضة التي صار يراها منافسا وليست حليفا. وبناء عليه، أصبحت العلاقة بينهما قائمة على الشك المتبادل، مع البقاء اضطراريا في حالة شراكة حكومية. ولهذا، أصبح من الطبيعي أن تستثمر “النهضة” الخلاف الداخلي في “نداء تونس”، لكي تدعم الشاهد، وتعمل على مساندته، بحجة المحافظة على استقرار النظام.

الطرف الثاني، اتحاد الشغل الذي على الرغم من خلافاته المتعددة مع الاختيارات الكبرى لحكومة الشاهد، إلا أنه عبر عن مخاوفه من أن تؤدي الحرب الخفية على رئاسة الدولة إلى خلخلة البلاد، وإدخالها في دوامة عدم الاستقرار. لهذا عجلت قيادة الاتحاد بنوع من التسوية المؤقتة مع الشاهد، والوقوف إلى جانبه في هذه المرحلة، إلى أن تتضح الصورة، في مقابل عدد من الترضيات، منها تأجيل بيع بعض شركات القطاع العام، وتقديم حزمةٍ من الإجراءات لصالح الطبقة الفقيرة.

أخيرا، قدم رئيس الدولة سنده القوي للشخص الذي وفر له فرصة الصعود إلى رئاسة الحكومة. لأن الشاهد بدون الباجي السبسي ما كان له أن يتصدر المشهد مطلقا، فماضيه السياسي محدود جدا مقارنة بغيره، ورئيس الجمهورية حريص على عدم إرباك الوضع العام في البلاد، خصوصا وأن القوى الدولية المؤثرة في تونس أصبحت قلقة من كثرة التغييرات المتتالية التي تشهدها تونس منذ قيام الثورة.

بناء على ما سبق، يكون الشاهد قد تجاوز، مرة أخرى، مرحلة الخطر، ولم يبق أمامه سوى تحقيق نسبة نجاح على الصعيد الاقتصادي، حتى يرسخ أقدامه في اتجاه السير نحو الاستعداد لخوض معركة الوصول إلى القصر الرئاسي، إذا ما اختاره التونسيون، ولم تعترضه عوائق أو منافسون أقوياء. إذا كان غيره سيحاسب فقط على الوعود التي سيقدمها للناخبين، فإنه شخصيا مطالبٌ بنتائج إيجابية على الأرض، تكون مقنعة للتونسيين.

هكذا يتبين أن الانتخابات الرئاسية بدأت منذ وقت مبكر، وأنها عامل مؤثر في المعادلات السياسية والاجتماعية.