تحاليل سياسية

الإثنين,17 يوليو, 2017
“لوفيغارو” الفرنسيّة…تصفية حسابات تحت غطاء الحرب على الفساد في تونس

حملة “الأيدي النظيفة” التي أطلقها رئيس الوزراء تقسم الطبقة السياسية وتفتح الأبواب أمام قراءات على رأسها تصفية الحسابات، وفق ما ورد في تقرير مطول بموقع لوفيغارو الفرنسي اطلعت عليه الشاهد ونقلته إلى اللغة العربية. وفيما يلي نص المقال:
في إطار حملة وطنية للإبلاغ عن حالات الفساد تحمل شعار “أفرح بيا”، لوُحِظ أن الفساد ينخر البلاد. وقد حدّد رئيس الوزراء، يوسف الشاهد القضاء عليه كأولوية عند توليه منصبه في أوت 2016. وفي أواخر ماي، أطلق عملية “الأيدي النظيفة” حيث قام باعتقال أكثر من عشرة أشخاص. خطوة من شأنها أن تقسم الطبقة السياسية حيث تؤكّدأطياف من المعارضة أنها عملية إنتقام.
يوم 24 جوان، السيد فيصل الجدلاوي، محامي شفيق الجراية الذي أُوقِف مؤخرا، نشر وثيقتين على صفحة الفيسبوك. الأولى هي مذكرة مؤرخة في 7 مارس 2016 موجهة من وزير الداخلية الهادي محجوب إلى رئيس الوزراء في ذلك الوقت، الحبيب الصيد. وأما الثانية فهي مذكرة داخلية. وتثير كلا الوثيقتان شكاية ضد يوسف الشاهد، كاتب الدولة للصيد البحري في عام 2015. الشكاية التي رفعت في حقه من قبل جيوماتيكس، الشركة التونسية للملاحة التي فازت بصفقة عام 2004 متعلقة بتركيز منظومة شاملة لمراقبة اسطول الصيد البحري.
وفي شكاية قدمت في الأول من سبتمبر 2015، اتهمت الشركة الشاهد بأنه فسخ العقد في 15 ماي 2015 وقت بدء المرحلة الثانية من المشروع. “إن الشركة الشاكية ترغب في توقيع عقد خاص مع وزارة الفلاحة والصيد البحري، وهو أمر ممنوع منعا باتا. وفي مواجهة هذا الرفض، رفعت الشركة شكوى ضد الوزارة والوزير وكاتب الدولة للصيد البحري. وتم رفض القضية من قبل الهيئة العليا للنظام العام ومن ثم محكمة الجنايات. وعلى العكس من ذلك، فإن هذه القضية هي بمثابة إجراء لمكافحة الفساد الذي قام به يوسف الشاهد بوصفه كاتب الدولة للصيد البحري “، كما يوضح مصدر حكومي.
وقال الهادي محجوب في مذكرته أن جلسة الاستماع إلى المدعي (جيوماتيكس) قد جرت وأعقبها “إغلاق الملف وإحالته إلى العدالة”، في 25 فيفري 2016. وفي المحكمة الابتدائية بتونس، علمت صحيفة لوفيغارو أن الشكاية المقدمة في 1 سبتمبر حفظت رسميا لتُقدّم في اليوم التالي، وذلك قبل ستة أشهر من التحقيق الذي أشار إليه الوزير. وجاءت مبررات الحكومة كالتالي: مذكرات وزارة الداخلية تثير شكاية ثانية قُدِّمت بعد ذلك. إنها مناورة سياسية بحتة ضد حملة الأيدي النظيفة “، كما يندد بعض المقربين من السلطة. وهو في أي حال رد لاذع على الاعتقالات التي كسرت الخطوط السياسية.
وللتذكير، فإن شفيق الجراية كان قد موّل الحملة الانتخابية لنداء تونس وهو الحزب الرئاسي الذي ينتمي إليه يوسف الشاهد. وهو الشخص الذي يتردد على دوائر بن علي وقد أصبح ثريا بعد الثورة بفضل تجارة التهريب. “يوسف الشاهد ليس قادرا حتى على إيقاف عنزة،” كما سخر منه جراية … حتى تاريخ 23 ماي، حيث وضع تحت الاقامة الجبرية. ولجنة المصادرة، التي أنشئت في عام 2011 لإسترجاع المكاسب غير المشروعة التي تم الحصول عليها في ظل النظام السابق، هي التي وضعت قائمة بأسماء خمسة عشر شخصا اعتقلوا منذ أواخر شهر ماي. وأما شفيق الجراية لديه وضع خاص: فهو يحاكم أمام محكمة عسكرية بتهمة “المساس بأمن الدولة والخيانة والتخابر مع جيش أجنبي.” حيث يتهمه أحد الشهود بالتفاوض في سويسرا في ماي المنقضي، على إرسال أسلحة إلى بلد أفريقي. وفي هذا السياق، أعرب السيد فيصل الجدلاوي عن استغرابه وقال: “أن تتهموا موكلي بقضايا فساد، هذا شيء. ولكن هذا ليس خطيرا. فشفيق الجراية صديق لسفيان طوبال، رئيس كتلة نداء تونس في مجلس النواب، وحافظ قائد السبسي، نجل رئيس الجمهورية، الذي أصبح زعيم حزب نداء تونس، والذي دفع في البداية، في عام 2015، العديد من النواب، إلى جعل الحزب الرئاسي يحتل المركز الثاني في التشكيلات السياسية في مجلس نواب الشعب.
غير أن حافظ قايد السبسي والشاهد، أصبحا اليوم منافسين في السباق الرئاسي لعام 2019. “عندما عين رئيس الدولة الباجي قايد السبسي الشاهد، كان يعتقد أنه يخدم ابنه. والليبراليون يخشون من أن الشاهد سيفعل مثل ماكرون”، كما يقول حمة الهمامي، زعيم الجبهة الشعبية، التي هي ائتلاف الأحزاب اليسارية، قبل التنويه إلى أن :” المرء لا يستطيع مكافحة الفساد بنظام فاسد.” وهو ملف مفتوح أمام الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد يتعلق بوزير مستشار. وبصرف النظر عن معسكره، يمكن لرئيس الوزراء الاعتماد على المجموعات البرلمانية الأخرى. ويقول الصحبي بن فرج، النائب عن مشروع تونس والنائب السابق في حزب نداء تونس “نحن نشكّك في هذه الحملة”.
وليس هذا فحسب، إذ تثير حملة “الأيدي النظيفة” أيضا انتقادات من جانب المجتمع المدني، ذلك أن هذه الاعتقالات تستند إلى مرسوم 1978 المتعلق بحالة الطوارئ، والمعمول به منذ نوفمبر 2015. وكما قالت رئيسة جمعية “البوصلة”، شيماء بوهلال “إذا كانت محاربة الفساد خطوة إلى الأمام، فمن الصعب الدفاع عن استخدام قانون غير دستوري يتضمن إجراءات استثنائية. الفساد ليس حالة حرب”.
وينتقد آخرون استراتيجية إعلامية أكثر منها ملموسة في التعامل مع القضية. وبدوره دعا شوقي الطبيب، رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، إلى إصلاح شامل للنظام بما في ذلك إصلاح الإدارة، التي تُعنى بنسبة 90٪ من ملفات الفساد. كما انتقد القانون المتعلق بالهيئات الدستورية، الذي تم اعتماده في 5 جويلية الماضي، والذي يوفر للإدارات الوسائل التي تتيح للهيئات المستقلة منع نشر البيانات الشخصية. ومع ذلك، فإن رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد يدعم مبادرة رئيس الوزراء وقال في هذا الخصوص: “يجب أن نتوقع الحيل القذرة، وقد يتوقف في مساره. ولكن كل خطوة جديرة بأن تخاض.”