كتّاب

السبت,1 أكتوبر, 2016
لمن يبحثون عن سلم للصعود

في الخمس سنوات و نيف التي تلت الثورة التونسيّة و هروب المخلوع ظل المشهد السياسي و الحزبي خاضعا لإعادة تشكل مستمرّة و أوزان و أحجام متغيّرة حسب الظرف و السياقات و تبدو الصراعات بين الرموز و القيادات و الوجوه الصاعدة و المعروفة سببا من أسباب حالة التغيّر المتواصلة و الحركيّة اللامنتهية التي تميّزت بالبروز و الإختفاء لهذا التيار أو الحزب أو ذاك.

في ظلّ المشهد الحزبي و الأحجام الحزبية و السياسية و حتى الإنتخابية المتغيّرة ظلّت حركة النهضة الحزب الأكثر صلابة بشهادة منافسيه و باقي الأحزاب و حتى المتابعين و المراقبين و حافظت أكثر من غيرها على وحدتها رغم حملات إستهدافها المتكرّرة و تطوّرها السريع و تفاعلها مع المتغيرات الداخلية و الخارجيّة و أصبحت بدون أدنى شكّ الرقم الصعب في المشهد السياسي حتّى أن بقيّة الأحزاب باتوا يعرّفون أنفسهم من خلال العلاقة بالنهضة أو من خلال مقارنة أحجامهم و تموقعهم بحجمها أو تموقعها في الخارطة السياسية و الحزبية.

اقتناص تفكك حركة النهضة

في الفترة الأخيرة عاد مجددا العزف على وتر “صراعات داخل النهضة” و ظل هذا العنوان متداولا بكثرة بين مجموعة من وسائل الإعلام و حتى على شبكات التواصل الإجتماعي مبنيا أساسا على إختلاف ليس بجديد في وجهات النظر الصادر عن هذا القيادي و ذاك ليتعامل الجميع معها من خلال ما ترسّب من مصطلحات و عادات متداولة داخل أحزاب أخرى.

في الواقع، ليس جديدا على حركة النهضة حسن إدارة الإختلاف في داخلها فهي التي حافظت على وحدة الصفّ و حقّ الإختلاف معا طيلة عقود من الملاحقات و المحاكمات و السجون و المنافي و هي اليوم صاحبة مصلحة كبرى في تصدير حسن إدارة الإختلاف بالحوار من داخلها إلى المشهد السياسي برمته عبر آلية التوافق و من هذا المنطلق يبدو إصرار النهضة على التوافق كإستراتيجيّة و قاعدة للعمل السياسي الوطني مقلقا لبعض من يستهدفون التوافق بإستهداف النهضة نفسها.

رغم أن أكثر من خمسة سنوات قد مرّت على القطع مع أسلوب العمل السياسي السرّي و الخروج إلى العلنيّة بفضل الثورة إلا أن بعض الكتاب و السياسيين و المحللين لم يدركوا بعد أن اللعب على وتر “تفجير صراعات و إنشقاقات” في النهضة ميؤوس منه لأسباب باتت ظاهرة أوّلها تاريخي و يتعلّق بتاريخ الحركة و صلابتها التنظيميّة التي مكنتها من الصمود طيلة عقود من الإستبداد و ثانيها سياسي حزبي و يتعلّق بمبدأ الشورى الذي تقوم عليه الحركة منذ نشأتها و ثالثها راهني و يتمثّل في قدرة الحركة على التحرّك في إتجاهات مختلفة و بسرعات مختلفة لتكون ساحة حوار مفتوح أمام كل الفئات و الشرائح التونسيّة الوطنية.

من الإشارات الصحية على سلامة جسم حركة النهضة و صلابته و على وجه الخصوص قابليته للتطور أنه جسم خاضع لثنائية التأثير و التأثر التي حولته إلى إطار أكثر قدرة على استيعاب و إدارة الاختلاف داخله و خارجه ضمن سياقات داخلية و خارجية متغيرة باستمرار لا فقط لكونها راكمت تجربة طويلة و استوعبت من احتكاكها بآخرين و بالدولة نفسها دروسا مهمة بل لكونها أصبحت ملزمة بسياق وطني ديدنه إدارة الاختلاف و التعدد بعيدا عن الشموليات و المرجعيات المنغلقة.

من يحني ظهره للصعود

لم يدرك المراهنون على “عاصفة تهبّ على النهضة فتنزل بها ما إندثرت بسببه أحزاب أخرى” أنّ كل الإختبارات الحالية و المنعطفات التي تمرّ بها البلاد و الحركة نفسها لن تكون أكثر وطأة من وطأة عقود من الإستبداد و لا أكثر تأثيرا فيها من ما خلّفته صائفة 2013 و هي التي دفعت الحركة لسلك المسار الذي لم يكن كل المتربصين بها يعتقدونه و من ثمّة جعلت الحركة، التي صارت أكثر صلابة بسبب تلك الضربات القويّة، من نهج التوافق سقفا وطنيّا صار بعد لقاء باريس و ما ترتّب عنه مظلّة للتونسيين جميعا و هذا بدون شك منجز سياسي للنهضة لا يريده كثير من المشوّشين .

إضافة على تلك “المناعة” التي إكتسبتها النهضة بالتجربة التاريخيّة و السياسيّة فإنّ المراهنين على تأثير محتمل في قراءاتهم و تحاليلهم لتشويشهم عليها و على نهج التوافق فاتهم أنّ المؤتمر الوطني العاشر قد أقرّ لائحته السياسيّة بنحو 90% من المؤتمرين ما يعني أن وحدة الصفّ صلبة أولا فيما يتعلّق بالخط السياسي و هي في نفس الوقت ليست حزبا ستالينيا بالمعنى التنظيمي لوجود آراء أخرى مختلفة و منتقدة، أي أن المراهنين على الـ10% لا يدركون بعد أنهم يراوحون بين الوقوف على يمين النهضة الذي إنتقدوها على الوقوف فيه سابقا و الخوف على يسارها الذي بدأت تستوعبه و تحتضنه بشكل لافت بعد تحرّرها من الجانب الدعوي و إنخراطها في فتح ملفات إجتماعيّة و تنموية و إقتصاديّة كبرى ومن يراهنون على مغادرة بعض الأصوات المعارضة للخط السياسي اي التوافق والبناء على قاعدة المشترك الوطني بعيدا عن تنظيرات التنافي التي حشرت من يطالب حركة النهضة اليوم بالانحناء للصعود على ظهرها مرة أخرى أو امدادها بسلم للنزول تحت سقف التوافق العريض على خط الدستور “النص المؤسس للجمهورية الثانية ” والعودة لتحمل أعباء فشل من تحالفت معهم في السابق ولما لا إيصالهم مرة أخرى لقرطاج ومن ثمة يتوجهون برسالة لمؤتمريهم يحذر من تغول حركة النهضة “الاخوانجية” كما عرفتها إحدى من تحالفت معهم قالتها أثناء المصادقة على المسودة الأولى من الدستور.

لم يفارق العقل السياسي المنتقد للنهضة من خارجها موقع “المعلّم” إلاّ نادرا و ما غادره الاّ و إعترف لها بالتطوّر و الصلابة و التماهي مع السياق الوطني، و لا يزال باحثا لنفسه عن مدخل لفهم جسم متنوّع و متطوّر بسرعات مختلفة ضمن رؤية إستراتيجيّة واحدة، قد يكون السبب تصحّرا سياسيّا لأجيال برمّتها كما يقول كثيرون و لكنه من دون شك ضرب من “الوهم السياسي” الذي يعيشه بعض من لم يجدوا مآلات لتخيلاتهم و قراءاتهم غير البحث عن سقف منخفض للنهضة كما يرونها لا كما هي في الواقع.