أهم المقالات في الشاهد

السبت,5 سبتمبر, 2015
“كرون” والبحث في نشأة الإسلام

باتريشيا كرون، ولدت في الدنمارك عام 1945، حاصلة على الدكتوراه من كلية الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن عام 1974، عملت منذ عام 1997 في معهد الدراسات العليا المتقدمة في جامعة بريستون الأمريكية، تجيد اللغة العربية إجادة تامة، إلى جانب العبرية، واللاتينية، واليونانية، والفرنسية، والألمانية، والدنماركية. لها تسعة كتب منشورة في التاريخ والحضارة الإسلامية، ويعد كتابها هذا «تجارة مكة وظهور الإسلام» الكتاب الرئيس لدراسة التاريخ الاقتصادي العربي قبل الإسلام، في عدد من الجامعات الأوروبية والأمريكية*.

مدينة مكة: محاولة تفسير

كانت مكانة قريش قبل الإسلام من مكانة مكة؛ فهم سدنة الكعبة ومجاوروها، وعلى الرغم من وجود أكثر من كعبة في شبه جزيرة العرب؛ إلا أن كعبة مكة كانت الأهم والأكثر قداسة، حتى إن أبرهة الأشرم، ملك مملكة أكسوم الحبشية، سعى لغزو مكة ومحاولة هدم كعبتها.

فكيف نشأت مدينة مكة؟ وما هي المبررات الاقتصادية والظروف السياسية في ذلك الزمان التي أدت إلى ازدهار مدينة في وسط الصحراء في بيئة قاحلة وصعبة على السكن والاستيطان؟

هناك مذهبان في الإجابة عن هذه التساؤلات: الأول ذو منحى أسطوري، وهو الذي نجده في المرويات والآثار الإسلامية المحفوظة، والتي تشير إلى أن مكة تعد من أقدم المدن في العالم، وأنها تعود إلى زمن إبراهيم. والثاني الذي يدرس ظهور وتحول المدينة، حوالي القرن السادس الميلادي، إلى مدينة تجارية ودينية مهمة، في ضوء عوامل سياسية واقتصادية، حيث يتم ربط صعود مكة كمركز تجاري، مع بواكير انهيار الإمبراطورية الساسانية، وتحول طرق التجارة من البحر الأحمر إلى الطرق البرية في الحجاز، وما رافق هذه التحولات من ظهور مدن القوافل في غرب شبه جزيرة العرب، وهو مذهب مجموعة من المستشرقين والباحثين الغربيين، وفي مقدمتهم: مونتمغري وات، وفيلهوزن، ورودنسون.

أما كرون فهي تخالف كلا المذهبين؛ وهي لا ترى أساسًا أن مكة كانت بتلك الأهمية الدينية أو التجارية، التي تحدثنا عنها الروايات التاريخية، غير الموثوقة بالنسبة إلى كرون، هذه الروايات (كالمرويات التي تتحدث عن رحلة الشتاء والصيف أو عن «الإيلاف») التي اعتمد عليها أغلب المستشرقين، وهو -بحسب كرون- ما أضر بدقة وعلمية أبحاثهم.

وموقف كرون هذا عائدٌ إلى كونها تنتمي إلى مدرسة «الاستشراق الجديد»، أو ما يعرف بالمدرسة الجذرية، أو التصحيحية (Revisionism)، والتي برزت في سبعينيات القرن العشرين، مع المستشرق الأمريكي جون وانسبرو، والبريطاني مايكل كوك، في محاولة لإعادة فهم جذور الإسلام ونشأته عبر التشكيك بوثوقية النصوص الإسلامية، واللجوء إلى مصادر غير إسلامية معاصرة لنشأة الإسلام، من يونانية، وآرامية، وبيزنطية، وأرمينية، وعبرية.

معارضة كرون

تنطلق كرون في بحثها من معارضة أطروحات المستشرقين الذين سلموا بالأهمية التجارية لمدينة مكة عند ظهور الإسلام، حيث يتمحور الكتاب حول مجادلة آراء باحثين كمونتمغري وات، وفيلهوزن، ورودنسون، والتي تركز على دور العوامل الاقتصادية في ظهور الإسلام، وهو ما تذهب كرون إلى مخالفته وتفنيده.

وإذا توقفنا مع مونتمغري وات (1909 – 2006) نجده يحاول، في كتبه: «الإسلام واندماج المجتمع»، و«محمد في مكة»، و«محمد في المدينة»، تفسير ظهور الإسلام من خلال عاملين: العامل الاجتماعي، والعامل الاقتصادي المادي؛ حيث يرى وات أن تحول قريش إلى الاقتصاد التجاري قوّض الوضع التقليدي في مكة؛ وهو ما أدى إلى انهيار الوضع الاجتماعي والأخلاقي، الأمر الذي كانت دعوة محمد استجابة له؛ أي إن الإسلام كان أقرب إلى دعوة للزهد في ظل حالة من الترف. ويذكرنا هذا التحليل بما ذهب إليه العقّاد في نظريته عن «مدن القوافل»، والتي اعتبر فيها أن الأنبياء يظهرون في هذه المدن خاصة؛ حيث إنها تنتج منظومة أخلاق خاصة، تكون دعوة الأنبياء محاولة لتقويمها، ومن ذلك ما جاء على لسان الأنبياء في القرآن من التحذير من الإخلال في الميزان والتطفيف فيه، وغيره.

أما كرون، فلا ترى تلك المكانة التجارية لمكة، التي تحدثنا عنها الروايات والآثار؛ بل ترى أن مكة كانت تتاجر في بضائع متواضعة، وليس في بضائع الترف؛ إذ إنها تتساءل: «ما هي السلعة التي كانت متوفرة للعرب بحيث ينقلونها كل هذه المسافة الطويلة خلال الصحراء القاحلة العديمة الزرع، ومع هذا يبقى هناك -فوق كلفة السلعة والنقل- من الربح، بحيث يكفي لدعم نشوء مدينة مثل مكة وازدهارها خصوصًا وهي مدينة مقفرة وقاحلة؟»، وتضيف موضحةً: «بكلام آخر: إننا نسمع أن العرب كانوا يتاجرون بالعطور، فإذا أضفنا كلفة نقل العطور خلال الصحراء وعلى ظهور الجمال لكل هذه المسافة الطويلة؛ فإن كلفة النقل ستزيد من سعر السلعة أضعافًا، فحتى لو وجد هؤلاء من يشتري منهم فإن هامش الربح سيكون من القلة بحيث لا يكفي لنشوء مدينة في وسط الصحراء».

ولم تكتف كرون بهذه الملاحظة، فذهبت إلى البحث والتدقيق في المواد التي رُويَ أن مكة كانت تتاجر بها، ووجدت أن ست مواد منها أصبحت قديمة وغير صالحة للتجارة مع بداية القرن الميلادي الأول، واثنين منها كانت تجلب عن طريق البحر، واثنين آخرين كانا يستوردان حصريًا من شرق إفريقيا، واثنين آخرين لم يكن من الممكن التعرف عليهما.

وبعد البضائع، بحثت كرون في خطوط التجارة والأسواق التي كانت يتاجر ضمنها تجار قريش، محاولةً نفي الطابع الدولي والواسع لتجارة قريش (والذي تتحدث عنه المرويات، وعبّر عنه القرآن بـ”رحلة الشتاء والصيف”)، وهو ما قادها إلى التشكيك في الإيلاف (والذي فصّل ابن الكلبي في روايته)، وهو الاتفاق التجاري بين هاشم وإمبراطور بيزنطة، والذي منح قريش بموجبه الحق ببيع الجلود والملابس في أسواق سوريا، وقد أضافت إليه قريش سلسلة من المعاهدات التي عقدتها مع القبائل التي في الطريق لضمان أمن وسلامة القوافل.

وبعد التأكيد على الطابع المحلي والمحدود لتجارة قريش، تنتهي كرون إلى ترجيح وجود مركزين لتجار قريش، وليس فقط مدينة مكة! واحد منهما في الشمال الغربي من شبه الجزيرة؛ وذلك حتى يكون أقرب إلى بلاد الشام، انطلاقًا من اعتبار عدم الجدوى الاقتصادية للبضائع التي يتم إنتاجها في بلاد الشام (كمنتجات الاقتصاد الرعوي، مثل: الجلود، أو المواد الغذائية المنتجة من الحيوانات)، والتي لا يمكن نقلها برًا من مكة إلى سوريا دون أن تصبح أغلى من البضائع السورية المناظرة لها.

وبهذا تنفي كرون أن تكون مكة المركز التجاري لتجارة قريش (بعد إثبات محدوديتها)، وهنا تذهب إلى أبعد من ذلك لتفترض أنها لم تكن حتى مقصدًا للحج قبل الإسلام، وهي في هذا تستند إلى كَوْن الأسواق (عكاظ، وذي المجاز، وذي المجنة) كانت تقام خارج مكة، وكذلك شعائر الحج (كما في منى وعرفات).

وتأكيدًا على هذه النتيجة، تضيف كرون ملاحظة عدم ذكر مكة في المصادر القديمة، اليونانية، والرومانية، والتي هي أكثر موثوقية بالنسبة إليها؛ حيث تشير إلى أن: «المصادر الرومية لم تذكر أي شيء عن مدينة اسمها مكة، فإذا كان لها كل هذه الأهمية وكان القرشيون يتاجرون مع بيزنطة، فلماذا لم يذكرها أحد المؤرخين الروم على الرغم من أنهم ذكروا الكثير من المدن الأخرى (ومنها خيبر)؟ وعلى الجهة المقابلة نجد أن الساسانيين ذكروا مدينة يثرب، وذكروا تهامة ولكنهم لم يذكروا مدينة اسمها مكة، على الرغم من أنه بحسب المزاعم الإسلامية ومزاعم المستشرقين فإنه كان من المفترض أن تكون مكة تحتل الذكر الأول عند هذه الإمبراطوريات باعتبارها المركز التجاري والديني الرئيس عند العرب قبل الإسلام».

وتخلص كرون من هذه النتائج إلى خلاصة مترتبة عليها، وهي عدم موثوقية روايات السيرة النبوية، وهذه النتيجة من أصول مدرسة الاستشراق الجديد ومنطلقاتها، وهي في هذا الإثبات لم تنتقد هذه المرويات أدبيًا أو تاريخيًا، و إنما نقدًا ماديًا أركيولوجيًا. وتتبع هذه النتيجة باستعراض مصادر عديدة للسيرة النبوية، مبينةً مدى التضخم الذي لحق بها، بين ما كانت عليه عند ابن إسحاق، إلى ما انتهت إليه عند الواقدي، معتبرةً أن أكثر المعلومات عن ظهور الإسلام، هي من وضع القصاص، وأنها أقرب للأساطير والخرافات.

أطروحة كرون

بالنسبة إلى كرون إذن؛ لم تكن دعوة الإسلام استجابة، أو نتيجة، لظروف مادية واقتصادية، تمثلت في ازدهار مكة وتجارتها. فماذا كانت إذن؟ تجيب كرون: «إن دولة محمد في المدينة، تكونت على يد نبي، وليس على يد رجل علماني، حيث استعان بقوة الدين وليس بالقوة المادية».

إن محمد “نبي”، هكذا تقرر كرون، وهي هنا تثبت له هذه الصفة، وفقًا لما يحمله ويتضمنه مفهوم النبوة عند العرب (ذو الأبعاد السياسية)، وهي علاقة النبوءة بالسياسة (كما عند المتنبئين في بلاد فارس). بالنسبة إلى كرون، إن وظيفة النبوة السياسية كان لها ظاهر ديني، وهو الانتقال من «هُبَل» إلى «الله»، ولكن باطنها كان سياسيًا، وهو توحيد العرب.

بالنسبة إلى كرون، لقد كان محمد رسولًا له مهمة سياسية؛ إن التوحيد الذي دعا إليه أصبح برنامجًا سياسيًا. لقد كانت نقطة التحول الكبرى في حياة محمد عندما قام بمهاجمة آلهة أسلافه من قريش؛ لأنه بهذا العمل هاجم أسس وجود القبيلة، وعندما هاجم آلهة أسلافه أوضح أن إلهه يتعارض مع الانقسام القبلي الذي كان قائمًا لديهم. لقد كان «الله» هو إله إبراهيم، جد العرب الواحد والوحيد، والمعروف أن مجموعات القبائل تتشكل من الناحية التقليدية حول آلهة الأسلاف، وهذا يعني أن جميع العرب ينبغي أن يتجمعوا حول «الله»، وحول «الله» فقط. وهذا هو المضمون السياسي للتوحيد؛ ولذلك فإن رجال قريش قد خونوه وعدوه مثيرًا للفتن السياسية في مكة، أكثر مما عدوه مهرطقًا دينيًا.

وتضيف كرون: «لقد ورط محمد العرب في معتقداتهم سياسيًا؛ فنصرتهم لدين إبراهيم، أوجبت عليهم أن يتوحدوا بالمثل من أجل الغزو»، وهنا، تقدم كرون «الجهاد» كاستمرار لفكرة الغزو. والذي أدى دورًا محوريًا في الدعوة المحمدية؛ فلكي تتلاءم رسالة محمد مع المصالح القبلية، كان لا بد من وجود قضية في برنامجها، لكي يُقدّر لها النجاح في أي فترة من فترات التاريخ العربي؛ فالأساس الجوهري لإنشاء دولة للعرب وقيامهم بالغزو كان موجودًا منذ فترة طويلة، في صميم الثقافة العربية.

ومن المضامين السياسية أيضًا، التي تراها كرون في الدعوة المحمدية، هو أن «الإسلام» جاء كمعبر عن تصاعد الشعور القومي لدى العرب، وذلك بعد وجود الغزو الأجنبي (خاصة مع اعتيادهم التتحرر من أي خضوع لقوى خارجية)، وهي تذهب إلى أنه: «لولا الأطماع الأجنبية من قبل دول فارس وبيزنطة والحبشة لما قدر الصعود لعقيدة الإسلام».

وهكذا، فإن كرون تفسر نجاح وانتشار الديانة الإسلامية تفسيرًا سياسيًا، وأما العامل الاقتصادي فتقول فيه: «ربما قامت “تجارة مكة” بإلقاء بعض الضوء على آلية انتشار الديانة الجديدة، ولكنها لا يمكن أن تشرح لماذا ظهرت ديانة جديدة في بلاد العرب، ولماذا قُدّر أن يكون لها مثل هذا التأثير السياسي العميق».

ملاحظات و نقد

اقتصرت دراسة باتريشيا كرون على منهج واحد، وهو المنهج الذي غلب على المدرسة الأنغلوساكسونية، وهو المنهج المادي الأركيولوجي، منصرفةً عن كل من المنهج المتبع في المدرسة الألمانية، وهو الفيلولوجي التاريخي، أو المتبع في المدرسة الفرنكوفونية، الأقرب إلى المنحى التفكيكي.

أما بشأن الاعتماد على المصادر غير الإسلامية (يونانية، ورومانية، وآرامية، وبيزنطية، ولاتينية، وأرمينية، وعبرية)، فتجدر بنا الإشارة إلى استحالة اعتبار هذه المصادر أكثر تجرّدًا من المصادر الإسلامية؛ فهي نابعة من شهادات من هم في موقع المنخرط في الصراعات الدينية والعسكرية والسياسية مع الحضارة الإسلامية. وإذا كان المستشرقون الجدد يتهمون النصوص العربية بعدم الموثوقية وبكثرة النحل؛ انطلاقًا من دافع بناء الدولة الإسلامية، ومن انتماء واضعي النصوص إلى نخبة متواطئة مع السلطة الحاكمة، ومن حاجة العلماء إلى تقديم صورة مثالية ومتماسكة عن الدين الذي رفع من شأنهم؛ فإنه من الأولى أن يصح الأمر نفسه على النصوص غير العربية، المسيحية واليهودية، المعاصرة لنشأة الإسلام؛ ألا ينتمي واضعوها إلى نخب دينية قد تكون متواطئة مع السلطة الحاكمة المسيحية أو اليهودية المعادية للدين الجديد؟ وألا يمكن اتهامهم بعدم الموثوقية والنحل والتحريف لتشويه الإسلام؟

أضف إلى ذلك التنافر الكبير بين ادعاء المستشرقين الجدد للعلمية، وبين حقيقة الاختيارات المتبعة، من خلال محاولة تطويع المادة التاريخية بحيث تتناسب والنتائج التي يريدون. وذلك ظاهر في عودتهم أحيانًا إلى المصادر العربية -التي يقولون بإقصائها بصفة مطلقة- إذا ما صادف أن وافقت افتراضاتهم! وإن كان منهجهم “علميًا” بالفعل، فأين هم من مبدأ القرب الزمني، عندما يستعملون مثلًا مادة مسيحية تعود إلى القرن العاشر الميلادي، ويتركون المواد التي ثبت “ماديًا” قربها -وتزامنها مع العصر النبوي؟

————

(*): توفيت كرون خلال إعداد هذه المراجعة، في الـ 11 من تموز – 2015.