سياسة

الخميس,12 أكتوبر, 2017
في ظل واقع تنموي ضعيف وبنية تحتية رديئة… هل تنجح إصلاحات الشاهد “المؤلمة” وحدها في النهوض بالاقتصاد التونسي؟

“تونس تمر بوضع صعب على جميع المستويات”، خطاب تداول على تكراره أغلب الذين تناوبوا على الحكم ووزرائهم، وخبراء اقتصاد، والمنظمات الشغيلة في البلاد، وجميع السياسيين حتى أصبح وضعا معاشا، ولم تجرؤ الحكومات المتعاقبة على تغييره.

رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد، قرر المغامرة بفرض “إصلاحات مؤلمة”، بحكومة الحرب التي عدّل في فريقها مؤخرا، لكن حربه ستقتصر على إصلاحات اقتصادية بحتة والحال أن أغلب خبراء الاقتصاد، وأصحاب المؤسسات الاقتصادية أكدوا أن تراجع تونس في هذا المجال كان نتيجة منطقية لتردي الأوضاع الاجتماعية وتردي البنية التحتية في تونس.

وتتمثل إصلاحات يوسف الشاهد في فرض مزيد من الاداءات على مختلف مكونات المجتمع، وربما تسريح الاف الموظفين العموميين وتخفيض عددهم بصفة تدريجية من 630 ألف موظف حاليا إلى نحو 500 ألف موظف بهدف الضغط على كتلة الاجور،ويقدر عدد الموظفين الذين يتقاضون رواتب شهرية دون تقديم عمل فعلي وفق تقارير لجهات مختصة بنحو 130 ألف عامل في القطاع العام.

كما تتجه الحكومة الى سد باب الانتداب في الوظيفة العمومية الى حدود 2020.

مناخ اجتماعي لا يشجع على الاستثمار

هذه الاجراءات تبدو حاليا صعبة التفعيل لعدة عوامل أهمها تأزم الوضع الاجتماعي وارتفاع وتيرة الاحتجاجات التي يقودها شباب معطل عن العمل، ذاق ذرعا من سنوات البطالة.

وأكد في هذا الشأن الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر في تصريح لـ”الشاهد”، أن نسق التحركات الاحتجاجية في منحى تصاعدي منذ 2015، نتيجة الفشل الاقتصادي والاجتماعي وعجز الحكومات المتعاقبة على ايجاد بديل أو حلول على الاقل على المدى المتوسط للخروج من الازمة الاجتماعية التي تعيشها البلاد.

مؤسسات اقتصادية تصارع من أجل الاستمرار 

كما يبدو من الصعب أيضا تفعيل إجراءات من شأنها تعطيل عمل المؤسسات الاقتصادية، التي تصارع من أجل الاستمرار بسبب الاوضاع الاجتماعية التي تسببت في عدة مناسبات في تعطل الانتاج.
وكان عضو منظمة الأعراف الحبيب التستوري قد اكد لـ”الشاهد” أن الوضع الاجتماعي الحالي وارتفاع وتيرة الاحتجاجات تسبب في تراجع مساهمة المؤسسات الاقتصادية في العائدات الجبائية، مشيرا الى أن عددا كبيرا من المؤسسات الاقتصادية اُغلقت واخرى افلست بعد الثورة، وأن عددا من المشاريع التي بُرمجت لتونس غيرت وجهتها لعدم توفر مناخ سليم يشجع على الاستثمار.

من جهة أخرى، شدد عضو منظمة الأعراف على أن هذه المؤسسات حافظت على الرأس المال الوطني رغم كل الظروف التي مرت بها البلاد، وان عائداتها الجبائية تضاعفت من 18 مليار دينار الى 36 مليار دينار منذ 2010 الى اليوم.

وانتقد محدث “الشاهد” تضاعف نسبة تداين الدولة في ظرف اربع سنوات، وضخ ما يقارب 6000 مليار دينار في المؤسسات العمومية دون احتساب مبلغ الاجور.

وحذر من إمكانية اندثار هذه المؤسسات لأن ديمومتها في خطر، لافتا الى أن 60% من اقتصاد البلاد بيد المهربين والمتهربين الجبائيين وأن الدولة على علم بذلك.

هذا واعتبر الخبير الجبائي ياسين اسماعيل أن فرض مزيد من الاداءات على المؤسسات، أكبر خطأ قد ترتبكه الحكومة، لان الجباية لا يمكن أن تكون الممول الوحيد والاساسي للدولة، بل هي فقط مكمل والدولة تخطئ بتوجهها نحو خلق توازناتها المالية عبر مزيد من لااداءات.

وأضاف في تصريحه لـ”الشاهد”، أن الضغط الجبائي، أحد أكبر عوائق التنمية باعتباره يمس من الاجور والاداء على الارباح، مشيرا الى أن نشاط المؤسسات الاقتصادية في تونس اليوم متوقف لأن جهاز الانتاج متوقف ولا تملك وسائل لخلق الثروة، ووصف هذا التوجه بالهروب الى الامام.

وأكد اسماعيل أن تداعيات هذه السياسة ستكون وخيمة وستؤثر سلبا على الاقتصاد التونسي.

وأشار من جهة أخرى الى أن فرض مزيد من الأداءات على المؤجرين سيؤثر على المقدرة الشرائية التي تشهد تراجعا وستكون لها تداعيات وخيمة على ظروف عيشه عموما.

مؤتمر تونس 2020 حول الاستثمار.. نجاح مع تأجيل التنفيذ

فلئن نجح مؤتمر الاستثمار الدولي في تونس في الحصول على وعود مهمة لتمويل مشاريع حكومية وخاصة من قبل دول وصناديق استثمار ومؤسسات مالية، أعربت عن عزمها دعم ومعاضدة جهود الحكومة التونسية لإعادة إنعاش الاقتصاد المتأزم، إلا أن تفعيلها تأجل الى أن تستجيب تونس الى شروط هذه الجهات.

وكان رئيس الحكومة يوسف الشاهد قد اكد عقب المؤتمر، ان الندوة حققت أرقاما كبيرة، بحوالي 34 ألف مليون دينار تونسي من بينها 15 الف مليون دينار اتفاقيات وقع إمضاؤها و 19 الف مليون دينار تعهدات.

فأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني قد أعلن عن تخصيص مبلغ 1.250 مليار دولار لتمويل جزء من المشاريع المبرمجة من قبل الحكومة التونسية، لخلق فرص العمل أمام الشباب وتنمية المناطق المحرومة.

من جهته أعلن الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي عن توفير اعتمادات بقيمة 1.5 مليار دولار، لتمويل المشاريع المبرمجة حتى حلول 2020. وأعلنت السعودية عن تمويل مشاريع بقيمة 800 مليون دولار، والكويت عن توفير 500 مليون دولار كقروض ميسرة.
وأعلن البنك الأوروبي للاستثمار عن توفير 2.5 مليار يورو للمشاريع المبرمجة للمخطط الحكومي المقبل حتى 2020، بينما أعلنت فرنسا عن تخصيص تمويلات بقيمة 250 مليون يورو سنويا، وأعلنت تركيا عن منح وديعة للبنك المركزي التونسي بمئة مليون دولار.

كما كان من المنتظر أن يتم تخصيص القروض في تمويل مشاريع البنية التحتية والماء الصالح للشرب والنهوض بالتنمية وتركيز منظومة صناعية متطورة وتمويل المشاريع التنموية وإحداث وحدة سياحية.

وتعليقا على مدى قابلية هذه المشاريع والوعود للتفعيل في تونس، في ظل الوضع الاجتماعي الراهن، أكد الخبير الجبائي ياسين اسماعيل، أنها ستظل مجرد وعود لأن المناخ التونسي لا يشجع على الاستثمار نظرا لارتفاع نسبة البطالة وارتفاع نسبة التضخم، وعدم قدرة البنك المركزي على الحفاظ على سعر صرف الدينار.

وأشار الخبير الاقتصادي، الى ان هذه الوعود تتطلب شروطا معينة “للأسف غير متوفرة في تونس، في ظل سوء تصرف وسوء في إدارة الشأن العام للبلاد.

ضعف البنية التحتية في تونس يعرقل الاستثمار 

في السياق ذاته كشفت نتائج اولية لتقرير اعدته منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بالتعاون مع وزارة النقل، ان البنية التحتية والخدمات اللوجستية لقطاع النقل في تونس وخاصة خدمات النقل البحري لا تتلاءم مع التوجهات العالمية الجديدة كما تشكو من ضعف تنافسيتها وذلك بسبب غياب سياسة متماسكة تنظم القطاع.

واشار التقرير، الذي تمحور حول “النهوض بالاستثمار في مجال اللوجستية لمزيد دعم اندماج تونس في سلاسل القيمة العالمية”، ان خدمات النقل البحري للبضائع لم يتم تعصيرها وهو ما تسبب في فقدان تونس لتنافسيتها في قطاع اللوجستية مقارنة بالدول الناشئة الاخرى.

وأكد معدو التقرير أن نقاط ضعف القطاع اثرت على تنافسية الاقتصاد التونسي لاسيما في القطاعات الاساسية على غرار التوزيع والصناعة والفلاحة وأرجعوا ذلك الى غياب سياسات متناسقة والتأخر في تفعيل جملة من الاصلاحات.