كتّاب

السبت,17 ديسمبر, 2016
في ذكرى اندلاع الثورة التونسية: مات “البوعزيزي” ليحيا الوطن

يحيي هذه الايام الشعب التونسي، وسائر الشعوب العربية التائقة الى الحرية والانعتاق من ربقة الانظمة الفاسدة الجاثمة على صدورها، الذكرى السادسة لاندلاع شرارة الثورة التونسية، تلك الشرارة التي أشعل فتيلها الشهيد “محمد البوعزيزي” ذات مساء من مساءات ديسمبر الشتوية الباردة، لكن شتاء ديسمبر 2010 كان دافئا بفعل لفح النيران التي احترق بها “البوعزيزي” فأحرقت جلاديه وجلادي هذا الشعب.
ذات مساء من مساءات ديسمبر الباردة اصطدم ذلك التاجر المتجول بمظهر من مظاهر الفساد الاداري لنظام دولة الاستبداد والفساد، الذي تمثل في مصادرة سلع البائسين من الباعة المتجولين، العاجزين عن دفع الرشاوي لممثلي هذه المنظومة في الأسواق، وزادته الصفعة التي تلقاها على خده نقمة على نظام كان قد آمن كما آمن آلاف الشباب أمثاله بان لا مكان فيه للفقراء والمهمشين، الذين فقرتهم وهمشتهم دولة الاستبداد والفساد في عهديها البورقيبي والنوفمبري. لقد قال الشهيد البوعزيزي لأخته “ليلى” صبيحة استشهاده “ليس للفقراء الحق في العيش في هذا الوطن” قناعة ترسخت لديه ولدى ملايين التونسيين ان هذا الوطن يضيق على مواطنيه بفعل الاستبداد والفساد, وطن حولته آلة القمع البورقيبية والنوفمبرية الى سجن، الداخل اليه مفقود والخارج منه مولود، قناعة ملايين التونسيين الذين اكتووا بنار الاستبداد في صمت فأشعلتهم نبران “البوعزيزي” عزما على القطع مع هذه العصابة وبناء وطن يتسع لابناءه، وطن رحب رحابة أحلامهم، رحابة الأمل الذي لم يذبل في غد مزهر يصنعونه.

لقد كانت الثورة التونسية تتويجا لمسار طويل من الحراك الشعبي، تجلى في عدة مناسبات أهمها أحداث جانفي 1978 وأحداث جانفي 1983 او ما يسمى ب”أحداث الخبز” ، تواصلت المسيرة النضالية لشعبنا أملا في التحرر والانعتاق مع أحداث صائفة 1987، وبدايات التسعينات، وصولا الى أحداث الحوض المنجمي في شتاء وربيع 2008. اذا فالثورة التونسية ليست حدثا مفاجئا ولا مقطوعا في الزمن، بل هي مسيرة توجت في 17 ديسمبر 2010 باندلاع شرارة الثورة من سيدي بوزيد وامتداد لهيبها في اتجاه بقية مناطق البلاد.
من سيدي بوزيد، من الرقاب، من منزل بوزيان، من مدن وقرى وأرياف سيدي بوزيد كانت البداية، من الأرض التي استعصت على البايات وكانت شوكة في حلق المستعمر وحضنا لليوسفيين، من هناك اندلعت شرارة الثورة، ثورة تعدت حدود الجغرافيا التونسية لتمتد الى دول عربية أخرى، انها الثورة التونسية، المثال والنموذج. ان ما يجب أن نؤكد عليه هو ان الثورة التونسية لم تكن بمعزل عن الجسد العربي الذي انهكه الاستبداد والتجويع والتفقير الممنهج، لم تكن تونس سوى عضو اشتكى وانتفض وثار ليتداعى سائر الجسد العربي بالانتفاض والتمرد. ان الثورة التونسية قد كشفت عن واقع كان ملفوفا بعباءة اعلام مزيف للحقائق ملمع للاستبداد والفساد، لكن ما لبثت الثورة التونسية أن عرت الحقائق وكشفت العورات. مثلما كشفت الثورة التونسية عما غطته عباءات الاستبداد كشفت هذه الثورة كذلك عن قابلية المجتمعات العربية للثورة واستعداداتها الكامنة لذلك على خلاف ما كانت تتصوره نخب هذه الاوطان التي رأت في الشعوب العربية خنوعا وركودا ولكن تحت الرماد كانت النيران ملتهبة لينفض عنها “البوعزيزي” الغبار.
ليوم وبعد ستة سنوات من اندلاع شرارتها لاتزال الثورة التونسية تواجه تحديات كبيرة، تحديات بدأت منذ فرار المخلوع، منذ ليلة 15 جانفي و خيوط المؤامرات على الثورة تحاك من جهات عدة وعبر عدة آليات وكانت الماكنة الاعلامية الفاسدة التي خلفها نظام السابع من نوفمبر الاداة الرئيسية في هذه المؤامرة. حيث انبرت المنابر الاعلامية المشبوهة، على مستوى التمويل والاهداف، في تشويه ثورة هذا الشعب وترهيبه من “المستقبل المظلم”. هذا التشويه والتزييف للحقائق الهادف الى صناعة رأي عام مضاد للثورة اتخذ شكلا فاضحا اثر انتخابات 23اكتوبر 2011، والتي افضت الى انتصار حركة النهضة تشكيلها لحكومة ائتلافية جمعتها بحزبي “المؤتمر من اجل الجمهورية” و”التكتل من اجل العمل والحريات”، ائتلاف اعتبر تجربة تاريجية ورائدة في تجارب الانتقال الديمقراطي في العالم جمع ولأول مرة بين تيار اسلامي متمثل في حركة النهضة وتيارين علمانيين وهما “المؤتمر من اجل الجمهورية” و”التكتل من اجل العمل والحريات”.
التحديات التي واجهتها الثورة التونسية وتواجهها الى الآن، اشتركت في صياغتها أطراف محلية وقوى اقليمية ودولية تشابكت مصالحها فتوحدت في سبيل اجهاض التجربة والعودة بالبلاد الى أتون الماضي الاستبدادي.

على المستوى المحلي، سعى المنتمون الى منظومة الاستبداد والفساد ومن لف لفهم من المتربحين من هذه المنظومة، الى افشال الثورة منذ فرار المخلوع بتطبيق الفصل 56 من الدستور، والذي يخول لرئيس الحكومة نيابة رئيس الجمهورية مدة غيابه لطارئ من الطوارئ، وهو ما يتعارض مع واقع مساء 14 جانفي 2011 باعتبار فرار الرئيس المخلوع بفعل ثورة شعبية. هذه المؤامرة الاولى او المحاولة الاولى للالتفاف على ثورة هذا الشعب لم تنجح بفعل المد الشعبي القوي والحماس الثوري الذي كان اقوى من محاولات الردة.

امام نجاح الجماهير الثائرة في فرض واقع الثورة، عمدت قوى الردة الى الاستكانة ظاهريا والرضوخ الى مطالب الثوار ،لكن في الخفاء كانت تعد للملمة شتاتها المتبعثر وانتظار الفرصة للانقضاض على الثورة. هذه الفرصة أتت على طبق من ذهب بتفويض الشعب لقوى صنفت بالثورية لقيادة البلاد وهو ما جعل مصالح المختلفين والمتناقضين من رموز المنظومة القديمة والمتقاطعين معها، تلتقي حول مصلحة وحيدة وهي ضرورة التصدي وتشويه الخيار الشعبي، وهو ما شرعت فيه هذه الاطراف صبيحة 15 اكتوبر 2011. استغلت هذه الاطراف الماكنة الاعلامية المرتبطة بمنظومة الاستبداد وبإعلاميين عرفوا بصلاتهم المشبوهة بالنظام السابق وبرموزه، لتنفيذ مخطط الانقلاب على ارادة الشعب، بتشويه الحقائق وحجب الانجازات وتضخيم النقائص وشيطنة رموز الثورة.

عملت هذه الماكنة الاعلامية الفاسدة ولاتزال تعمل من اجل اعادة شعبنا الى مربع الاستبداد، بنجاح ممثلي المنظومة القديمة في تصدر نتائج الانتخابات التشريعية واحتكارهم لرئاسة المجلس المنبثق عن الثورة مجلس نواب الشعب،. وتعمل الان هذه الماكينة وبكل الطرق المشروعة وغير المشروعة من اجل الدفع بمرشح منظومة الاستبداد والفساد الى رئاسة البلاد. بفضل هذه المنظومة الاعلامية الفاسدة تمكن هذا الاخير من تصدر نتائج الدور الاول من الانتخابات الرئاسية متقدما على مرشح الثورة بقرابة ستة نقاط، واليوم تعمل هذه المنظومة بكل ما اوتيت من قوة ومن دعم مالي ولوجستي مشبوه من اجل ان يتصدر نتائج الدور الثاني وبالتالي اعادة بلد الثورة والثوار الى دائرة الاستبداد من جديد ولكن هذه المرة بتوظيف مكتسب من مكتسبات الثورة وهو الصندوق.
على المستوى الاقليمي، واجهت وتواجه الثورة التونسية تحديات كبرى نتيجة الضغط الذي تمارسه انظمة عربية تقليدية تسبطية، عرفت بعمالتها لأطراف دولية في سبيل محافظة حكامها على عروشهم. وقد عمدت هذه الانظمة المعادية للثورة التونسية الى تمويل الثورة المضادة وعرابيها ودعمها اعلاميا ولوجستيا حتى وصل الامر بأحد المسؤولين الامنيين الاماراتيين الى التلويح بان مصير الثورة التونسية سيكون كمصير الثورة المصرية، ورغم ان الواقع والى الان يكذب هذه التصريحات لكن مع عودة رموز المنظومة القديمة الى واجهة الحياة السياسية في تونس فان مصير الثورة بات مهددا بالخطر .
اضافة الى التحديات المحلية والاقليمية التي واجهتها وتواحهها الثورة التونسية، لم تسلم هذه الاخيرة من التحديات الدولية التي ربطت بين نجاح الثورة التونسية وامتدادها نحو باقي الدول العربية وهو ما يعني توحيد بوصلة الشعوب العربية في اتجاه الارض المحتلة فلسطين، بما يعنيه ذلك من تهدبد للكيان الصهيوني الحامي والحارس لمصالحها في الشرق الاوسط. فنجاح الثورات العربية وتركيز انظمة وطنية هو امر تخشاه القوى الدولية لما فيه من تهديد لمصالحها ومصالح حليفها الاستراتيجي بالمنطقة المتمثل في الكيان الصهيوني.
اليوم وبعد ستة سنوات من تاريخ اندلاع الثورة التونسية، محاولات اجهاضها تتزايد وخطر العودة الى دولة الاستبداد والفساد غير بعيد، هذه المخاوف لا تأتي من سراب، بل هي انعكاس طبيعي لتصريحات رموز الحزب المستنسخ من الحزب المنحل، تصريحات صنفت التونسيين الى “ارهابيين” و”ديمقراطيين”، فغدا كل معارض لعودة المنظومة القديمة “ارهابيا ” وهو ما يعني ان ثلث الشعب التونسي يصنف تحت هذا العنوان، وكل مؤيد للمنظومة القديمة “ديمقراطيا”. تصنيف يحمل في طياته اتهاما يودي بثلث التونسين الى غياهب السجون، ويشرع للتنكيل بهم باعتبارهم ارهابيين، وفيه رسالة واضحة للخارج بان تعامل الحكومة المقبلة مع هذه الفئة سيكون على قاعدة التعامل مع من التصقت به وثبتت عليه تهمة الارهاب.

منتسبو هذا الحزب لا يتركون فرصة تمر دون التلويح بتصريحات تؤكد صحة مخاوف التونسيين، فمن مهدد بإقالة ائمة عرفوا بمعارضتهم لممثلي المنظومة القديمة، ومن تلويح بإعادة النظر في قانون العدالة الانتقالية، وما يعنبه ذلك من ضياع حقوق الالاف التونسيين الذين استشهدوا تحت التعذيب او رميا بالرصاص او هجروا من الوطن وعادوا اليه في صناديق، وضياع حقوق آلاف التونسين الذين سجنوا وحرموا من حق الشغل والكرامة. تتالى التصريحات المريبة وكلما طالب الشعب هؤلاء بالاعتذار عن تصريحاتهم قدموا تصريحات اخطر من الاولى.

من خلال ما سبق يتضح لنا ان الثورة التونسية والتي كانت ملهمة الثورات العربية، تقف اليوم في مفترق طرق، إما استكمال المسار الثوري والانتقال الديمقراطي بما بتضمنه من قطع مع الماضي الاستبدادي ومحاسبة المورطين في تقتيل وتفقير التونسيين وتطبيق العدالة الانتقالية التي هي الهدف الاساسي من أهداف هذه الثورة، او العودة بالبلاد والعباد الى غياهب الماضي، ماضي دولة الاستبداد والفساد، مع اشخاص استكثروا على هذا الشعب الاعتذار عما اقترفوه في حقه من جرائم.

لكن الثابت هو أن طريق العودة قد وضع له البوعزيزي حدا فاصلا، و ان التونسيين الذين قالوا يوما لدولة الظلم والقهر “لا” لن يرضوا بالعودة الى الماضي الاستبدادي، وان حلم ممثلو منظومة الاستبداد والفساد بالارتداد الى ما قبل 17 ديسمبر فان أحلام ملايين التونسيين أقوى، وسيحولون أحلام الطغاة الى كوابيس ولن يكون الوطن إلا لأبنائه الذين سقوه دما وورودا فوهبهم حرية وانعتاقا.