ورقات

الأربعاء,14 مارس, 2018
في تشخيصه لواقع الاقتصاد في تونس..مركز “سيدوب”: “بدل المساهمة في نقاش ذكي حول مستقبل الاقتصاد..اتّحاد الشغل ينغمس في الحياة السياسية ! “

نشر مركز برشلونة للشؤون الدولية “سيدوب” ، في شهر مارس 2018، تقريرا مطولا للصحفي والباحث “فرانسيس غيلاس” تطرق فيه إلى واقع الاقتصاد التونسي..
بين الأسباب والنتائج التي جعلته يشهد تدهورا ملحوظا، طرح الكاتب جملة من الحلول الآنية وعلى المدى الطويل للأزمة الاقتصادية التي تعيش على وقعها تونس .
الشاهد اطّلعت على المقال الذي ورد باللغة الانقليزية وترجمته إلى العربية:

” كانت إقالة محافظ البنك المركزي التونسي، في 18 فيفري 2018 إجراءً متأخرًا نوعا ما منذ وقت طويل. إنه تاريخ هام في تاريخ بلد يحاول وضع جذور الديمقراطية في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية المتصاعدة. ولم يكن الشاذلي العياري، الذي كان يبلغ من العمر 84 عامًا، معروفاً بكفاءته.
وقد حلّ محله مروان العباسي، وهو خبير اقتصادي محترم لا يمكن التشكيك في نزاهته والذي شغل مناصب عليا في تونس والبنك الدولي.
اختيار العباسي كان من قبل رئيس الحكومة يوسف الشاهد وبدعم من رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، إضافة إلى حصوله على تأييد أكثر من ثلثي نواب البرلمان، كما هو مطلوب بموجب الدستور الجديد للبلاد.

وقد تعرضت استقلالية أحد الأعمدة الرئيسية للديمقراطية إلى خطر شديد بسبب إقالة مصطفى النابلي، وهو رجل نزيه، الذي أدار البنك المركزي منذ سقوط بن علي في جانفي 2011 وحتى جويلية 2012 عندما أقاله رئيس الجمهورية السابق محمد المنصف المرزوقي.

وكان القرار الذي أصدره البرلمان الأوروبي في 7 فيفري 2018 بإدراج تونس في قائمة الدول الأكثر عرضة لخطر غسيل الأموال وتمويل الإرهاب بمثابة تحذير للبلاد من أجل تشديد سياستها التنظيمية، لا سيما الإخفاقات في الرقابة على المعاملات المالية المختلفة التي يمكن أن يستغلها الأفراد والجماعات لتمويل المنظمات الإرهابية العاملة في شمال إفريقيا ، وهو ما يتطلّب من مروان العباسي بعض العمل للقيام به.

إن الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها تونس اليوم ليست بالأمر المفاجئ، إذ يتطلب الأمر مهارات سياسية كبيرة لاجتياز المياه الغادرة للانتقال الديمقراطي في بلد يعاني من الصراع السياسي وارتفاع معدلات التضخم والمديونية في منطقة مضطربة بسبب الاضطرابات في ليبيا، أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين لتونس وحاضنة للإرهاب الجهادي.

وقد أبدى القادة التونسيون إصرارهم على مكافحة التهديد الإرهابي بعد الهجمات على متحف باردو و أحد المنتجعات في سوسة قبل ثلاث سنوات.
وقد ساعدتهم في ذلك الدول الأوروبية الرائدة، والولايات المتحدة الأمريكية، كما وقفت الجزائر بحزم إلى جانب جارتها الأصغر منذ سقوط بن علي في عام 2011.
واليوم، نلاحظ أن خطر الهجمات الإرهابية يتقلص كثيرا والسياح يعودون إلى شواطئ الحمامات والمنستير.

لقد أثبت نفس القادة أنهم أقل مهارة في معالجة الأزمة الاقتصادية التي هي أسوأ بكثير مما كانت عليه في عام 2015. فقد فشلت الحكومات المتعاقبة في صياغة سياسة متماسكة، وتقديم إصلاحات مجزأة بدلاً من ذلك، أو حتى عكسية إلى حد ما.
وقد تم التعهد بإصلاحات جريئة، ثم أُرجِئت هذه الإصلاحات بسبب الشعور بالإحباط المتزايد في صفوف العديد من مؤيدي تونس في فرنسا، شريكها التجاري الرئيسي ومصدر الاستثمارات الأجنبية، والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

علاوة على ذلك، يبدو أن تعيين العباسي يتيح للحكومة فرصة صياغة مخطط متسق للخروج من هذه الأزمة الاقتصادية التي طال أمدها.
وفي هذا الصدد، يجب على شركاء البلاد الأجانب إقناع أنفسهم بأن مساعداتهم المالية لا تقتصر على توفير عباءة تسمح للقادة التونسيين بتأجيل الإصلاحات إن لم يكن تجنبها من ناحية والتصدي للفساد المستشري من ناحية أخرى.

إن شركاء تونس الأجانب لا يتحملون اللوم على الطريقة التي كشف بها التاريخ الحديث في تونس. فقد قام البنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي والرؤساء الفرنسيون المتعاقبون بترويج البلاد كنموذج للتنمية الشاملة الحديثة، حتى سقوط بن علي. ومن فضل البنك الدولي أنه، في تقريره في مارس 2014، كانت لديه الشجاعة للاعتراف بسوء تقديره للمعطيات؛ بينما لم يعتذر البنك الأوروبي للاستثمار و المشجعون الأوروبيون لبن علي أبدًا للشعب التونسي من أجل المصادقة على نظام “خانق بفساده”، والذي كانت عائلته الحاكمة الموسعة تستحوذ على “21.3٪ من الأرباح الصافية للقطاع الخاص” وفقًا لنفس التقرير.

بعض الأرقام توضح مدى خطورة الأزمة؛ فقد تضاعف الإنفاق العام وفاتورة الأجور في الخدمة المدنية ليبلغ 32 مليار دينار تونسي و 14 مليار دينار على التوالي منذ عام 2011.
وهذا المعدل في الزيادة، إذا استمر دون مراقبة، فإنه سيتسبب في كارثة. بينما معدل النمو الاقتصادي يقترب من 2٪ لأن المحركات الرئيسية للنمو تتعثر: الصناعة والسياحة والفسفاط والأسمدة والطاقة كلها تواجه أوقاتا عصيبة. ومع تعثر صادرات السلع والخدمات، تضاعف العجز في التجارة الخارجية ليصل إلى 12 مليار دينار (4 مليار يورو)، مما أدى إلى انخفاض احتياطي العملات الأجنبية بشكل كبير، التي تغطي قيمة الواردات لمدة ثلاثة أشهر. وانخفضت الصادرات في العام الماضي مما أدى إلى تفاقم عجز الحساب الجاري. ونتيجة لذلك، خسر الدينار 40٪ من قيمته منذ عام 2010.

هناك ثلاثة أمثلة من بين أمثلة عديدة توضح مدى تعقيد الأزمة التي تتخبط فيها البلاد. وفي كل حالة، تعود الصعوبات إلى ما قبل عام 2011، وأحيانًا إلى القرن العشرين؛ حيث انخفض الإنتاج في قطاع صخور الفسفاط والأسمدة بنسبة الثلثين بينما ازدادت اليد العاملة ثلاثة أضعاف في السنوات الست الماضية حتى عام 2017، وهو ما يعني انخفاضًا في الإنتاجية بنسبة 90٪. وغطى الإنتاج التونسي من النفط الخام والغاز 93٪ من احتياجات البلاد في عام 2010، ولكنه لم يتجاوز 50٪ فقط اليوم. وفي الوقت نفسه، هناك العديد من الفنادق فارغة، والحكومة قد فشلت في بيع معظمها حيث أن أصحابها يطالبون بأسعار التي لم تعد تعكس القيمة الأساسية للممتلكات.

ويمضي التاريخ الحديث إلى حدٍ ما لشرح سبب صعوبة إجراء مناقشة مستنيرة حول إعادة هيكلة هذه القطاعات. وقد تم إطلاق وتنفيذ سياسات جريئة لتحديث قطاع الفسفاط والأسمدة وربط رأس المال الأجنبي بهذا الأخير في أوائل ثمانينيات القرن العشرين. ثم خسروا قوتهم نظرًا لفشل الحكومات المتعاقبة في خلق فرص العمل، والتي كانت تُفقد في مناجم الفسفاط، في الجنوب الفقير غرب تونس. كما رفضوا منح أولئك الذين أداروا قطاعاً متزايد التعقيد الحرية الإدارية التي حولت، على مدى العقد الماضي، مكتب الشريفي للفسفاط المملوك للدولة في المغرب من جمال نائم إلى لاعب دولي ذكي.

وبحلول التسعينات، أصبح هذا القطاع متورطا في إدارة سيئة وفساد على نحو متزايد. وبالتالي، تراجعت المشاريع المشتركة في نهاية المطاف، مع خروج المستثمرين الأجانب من أوروبا والخليج الذين استثمروا في صناعة الأسمدة من تونس بينما في مناجم الفسفاط، أصبح عدد من قادة الاتحاد العام التونسي للشغل المحلي فاسدين تمامًا. بل إن البعض ذهب إلى حد تأسيس شركات خاصة وظفت عمالة رخيصة، في تحد لمنطق واجباتهم النقابية. وقد أدى ذلك إلى ثورة مريرة في المتلوي في عام 2009 والتي أعطت لمحة عن أحداث عام 2011. الأزمة التي طالت هذا القطاع منذ عام 2011 لها جذور يمكن إرجاعها إلى عقدين من الزمان. ولا يزال العديد من كبار مديري الشركات والقادة النقابيين في تلك الفترة نشطين ويفرضون شكلاً من أشكال العمل الذي يحول دون إجراء نقاشات نزيهة حول كيفية تحديث هذا القطاع.

إن الوضع الصعب الذي يواجهه قطاع الطاقة هو نتيجة حملة التضليل، التي أطلقها في عام 2015 العديد من الأشخاص بما فيهم رئيس الدولة السابق المنصف المرزوقي، الذي زعم تفشي الفساد على نطاق واسع بين أولئك الذين يديرون موارد البلاد من النفط والغاز. كانت العواقب كارثية؛ حيث تراجع الإنتاج وغادرت العديد من شركات النفط الأجنبية تونس دون عودة. وقد روجت حملته بعض المنظمات غير الحكومية في الخارج التي كان هدفها المزعوم زيادة الشفافية في إدارة الموارد الطبيعية. وفي بعض الحالات، كان “خبراؤهم” في تونس مطلعين بشكل سيئ على المسائل التي كانوا يناقشونها ولم يكن لديهم معرفة تذكر بتاريخ هذا القطاع في تونس. وعندما أصبحت الطبيعة المفترسة لعائلة بن علي معروفة لدى العامة، جعلها الكثير من الناس مهمتهم في مطاردة الفساد حتى في المناطق التي لم يكن فيها. ونقلت وسائل التواصل الاجتماعي أكثر القصص فظاعة. وكانت النتيجة إضعاف قطاع اقتصادي رئيسي لطالما أداره رجال النزاهة والكفاءة على الدوام.

القطاع السياحي من جانبه ليس ضحية للإرهاب فحسب، بل لفترة من الزمن قام فيها الذهب الأزرق (السياحة) بإزاحة الذهب الأسود (النفط). وقد شجع النمو السريع للسياحة العالمية في التسعينات على الافتنان بتطوير القطاع السياحي، الذي أصبح في الألفية الماضية أمرًا جنونيًا. كما أنه وفر وسيلة ملائمة للكثير من التونسيين لتبييض أرباحهم السيئة، ومن ثم مضاعفة تلك المكاسب عن طريق المضاربة. وقد تمكن “المستثمرون” ذوو الصلة الجيدة من الحصول على أراضي الدولة بأغنية واقتراض ما يصل إلى 90٪ من الأموال اللازمة لبناء فندق. وكانت هناك مكافأة إضافية تستخدم اليد العاملة لبناء المساكن الخاصة، بل وأحيانا المحلات التجارية لأنفسهم ولأطفالهم على جزء من الأرض. وكثيراً ما كانت القروض غير منفذة وكانت ستغرق مصرفاً مثل البنك المركزي التونسي لو تم الإعلان عنها. وأولئك الذين بنوا الفنادق غالباً ما لا يهتمون بإدارة الفنادق ويتجنبون تدريب الموظفين بشكل صحيح. من جانبه، كان بن علي حريصا على تشجيع السياحة حيث شجع وسائل الإعلام الأجنبية على تقديم صورة للانفتاح التونسي تتناقض مع نظام رقابة داخلية الذي أصبح أكثر صرامة.

وقد عرضت تونس رؤية لما أسماه عالم الاجتماع وليد حزبون بـ “المدينة المتوسطية ما بعد الحداثة”، حيث جمعت عناصر متنوعة من هويات البحر الأبيض المتوسط في تونس في مساحة تعرض لأنظار السياح الدوليين التي تدعمها العملة الصعبة التي تجلبها. هذا الشكل المتناقض من أشكال “الانفتاح” يميز أيضاً أنماط التنمية في مصر والأردن ولبنان والخليج. فالتحدي الذي يفرضه قطاع السياحة متعدد الأوجه: فهو يعني جذب استثمارات جديدة لتحديث الفنادق؛ إيجاد طرق للتسويق للوجهة التونسية في عالم تغيّر في العقد الأخير أو نحو ذلك؛ وتنظيف الميزانيات العمومية للبنوك التونسية الهامة. ولعل مستقبل هذا القطاع يكمن في العديد مما يُعرفُ ب”ديار الضيافة” الممتازة التي انتشرت في جميع أنحاء البلاد في السنوات الأخيرة. كما أن توفير التدريب المناسب لموظفي الفنادق الحاليين سيكون أيضًا استثمارًا حكيمًا للبلاد.

ومن غير المفاجئ أنه في مثل هذه الظروف، كان ينبغي أن تتراجع تونس من المرتبة 40 إلى المرتبة 92 في منتدى دافوس للتنافسية العالمية. وبالفعل في عام 2009، كانت تونس الدولة الأكثر تنافسية في إفريقيا. ومنذ ذلك الحين، تم تخفيض ترتيبها من قبل وكالة موديز. وبشكل مثير للقلق، بدا الحاكم السابق وكأنه يأخذ كل جزء من الأخبار السيئة في خطواته، وفقد أي قدر من المصداقية التي كان يتمتع بها في البداية عندما حاول في عام 2014 أن يمنح نفسه زيادة أربعة أضعاف في راتبه. بينما يبدأ الحاكم الجديد بصفحة نظيفة. وفي الوقت نفسه، يمارس الشركاء الأوروبيون في تونس ضغوطاً قوية على الحكومة لتشديد قواعد المعاملات المالية لتجنب مخاطر تمويل الإرهاب.

غير أنه ليس جميع المراقبين الأجانب متشائمين. فقد قالت رينيسانس كابيتال، وهي شركة استثمارية ومصرفية مملوكة للدولة الروسية، والمتخصصة في الأسواق الناشئة، في الآونة الأخيرة، أن الانخفاض الحاد في الدينار واليد العاملة المتعلمة أتاح للبلد ميزة نسبية في جذب الاستثمار الأجنبي. وهذا يثير التساؤل حول ما إذا كان يمكن للمستثمرين الدوليين المحتملين أن يعتمدوا على الاستقرار السياسي والاجتماعي وعما إذا كانت الحكومة تطبق إصلاحات جريئة.

ما هي السياسة الاقتصادية المطلوبة؟

يجب على القادة التونسيين مواجهة بعض الحقائق غير المريحة، إذ لا يمكن ضمان استقرار أصغر دولة في شمال أفريقيا إذا ما أصبح عدد أكبر من التونسيين فوق خط الفقر، وأصبحت الطبقة الوسطى، وهي أساس النظام منذ الاستقلال، أكثر فقراً. وقد قاد ثورة 2010-2011 الشباب العاطلين عن العمل من المناطق الفقيرة في غرب البلاد حيث تؤثر البطالة على أكثر من ثلث السكان دون سن الرابعة والعشرين. وقد شهدت هذه المناطق انخفاضا ملحوظا في فرص العمل ومستويات المعيشة منذ عام 2011. هنا وفي المناطق الساحلية الأكثر ثراء، امتنع واحد من كل شابين تونسيين عن التصويت في الانتخابات التشريعية والرئاسية عام 2014. وفي الانتخابات البلدية المقرر إجراؤها في ماي المقبل، من المتوقع أن يرتفع معدل الامتناع عن التصويت في هذه الفئة العمرية إلى 75٪. بينما الجيل الأصغر سنا الذي يجب أن يساعد في بناء الديمقراطية هو الذي يعبر صراحة عن سخطه من السياسة كما يجري في الوقت الحاضر.

وما فتئت الاستثمارات العامة التونسية تتراجع منذ الثمانينات، وتمثل الآن نسبة ضئيلة من الإنفاق الحكومي تبلغ 14٪، وتصل فواتير الأجور إلى 41٪ من النفقات، والإعانات 26٪ ، وخدمة الديون 22٪. إلا أن هذا التراجع تسارع بشكل حاد بعد عام 2011، نتيجة الانخفاض الشديد في المدخرات والنمو وحصة السوق من المنتجات التونسية في الاتحاد الأوروبي، وهو السوق الرئيسية التصديرية للبلاد. والعقيدة الليبرالية الجديدة التي ما زالت سائدة إلى حد ما في البنك الدولي وبين الكثيرين في تونس، ترى أن الاستثمار الخاص، ولا سيما من المصادر الأجنبية، يظل منقذ الاقتصاد التونسي. لا شيء يمكن أن يكون أبعد عن الحقيقة. إنها الاستثمارات، وليست الصادرات، التي تقود اقتصاد الصين. إلا أن هذا لا يعني أن الدولة يجب أن تعود إلى أساليبها السابقة وأن تستثمر في القدرة الإنتاجية. بل يجب أن تركز على الاستثمار في التعليم والتدريب المهني، في المستشفيات التي تكون حالتها المتداعية مقلقة وفي البنية التحتية للنقل. ومن شأن تدريب الممرضات والأطباء والمدرسين وتوظيفهم في جميع المناطق أن يعزز الشعور بالشمولية التي تُفتقدُ بشدة في المناطق الفقيرة من البلاد. فمن خلال توظيف 140 ألف موظف مدني جديد في دولة تشهد حالة تضخم بالفعل منذ عام 2011، أعادت الحكومة توزيع الدخل – الذي كان من أهداف أولئك الذين قادوا ثورة 2011.

ولن تستطيع قوى السوق الحرة وحدها ضمان التماسك الاجتماعي للمجتمع التونسي، إذ يجب على الحكومة التوصل إلى صفقة جديدة على طريقة فرانكلين روزفلت، والتي تعطي الأمل للناس العاديين. وهذا وحده من شأنه أن يقدم قدرا من الأمل لبلد محبط للغاية. وستكون الحكومة عندئذ في موقف أقوى لمناشدة المزيد من الدعم من الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي.

إن إعادة بسط سلطة الدولة يعني في المقام الأول محاربة القطاع غير الرسمي. وهذا بدوره يعني إصلاح إدارة الموانئ الرئيسية، وتنظيف الجمارك ومحاربة بارونات الاقتصاد غير الرسمي، مثل شفيق جراية، المسجون منذ الربيع الماضي. إذ تستخدم شخصيات المافيا هذه مكاسبها السيئة لنشر سرطان سياسة الفساد. وعندما يختلطون علانية في المطاعم الذكية في تونس ليراهم الجميع، فإنهم يشجعون الرفض المتزايد “للسياسات الديمقراطية”.
ويتطلب محاربتهم الشجاعة والتصميم. فالدولة تخسر مبالغ مالية كبيرة بسبب نمو الاقتصاد غير الرسمي. ولكنها تفعل ذلك أيضاً لأن الطبقات المهنية تدفع معدل ضريبي ثابت يبلغ حوالي ثلث دخله المعلن على عكس العمال وموظفي الخدمة المدنية الذين يخضعون للضريبة من المصدر. مثل هؤلاء الناس، لا سيما عندما يكونون في السياسة، لا يمكنهم الدعوة إلى الاعتدال في الأجور وإظهار ثرواتهم في نفس الوقت. وفي مثل هذه الأجواء، لا يسع الحكومة إلا أن تقنع التونسيين ومحاوريها الأجانب بأنها جادة في عزمها على جعل البلاد أكثر اندماجا.

ويمكن للحكومة أيضا تعزيز سياسة أكثر جرأة وابتكارًا لتحسين المهارات وتدريب الشباب وإشراك المدارس والجامعات الأجنبية في مشاريعها. الاتحاد الأوروبي – وخاصة فرنسا – هم أكثر استعدادًا للمساعدة على هذا الصعيد. فالموظفون العموميون بارعون في تأخير القرارات وجعل حياة أي رجل أعمال أصعب من اللازم. ويجب إيقاف توظيف الموظفين الجدد لأن المعنويات في الخدمة العمومية تضررت بشكل كبير في السنوات الأخيرة حيث عمل ما يقدر بـ 7000 مسؤول حتى سبتمبر الماضي تحت تهديد الملاحقة القضائية لأعمال الفساد التي ربما ارتكبوها قبل عام 2011. وقد أقر البرلمان قانونا للعفو، لكنه أعاد النظام والروح المعنوية لما يمكن القول بأن أحد أفضل الخدمات المدنية في العالم العربي حتى عام 2011 سيكون شاقًّا.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة التونسية إلى المضي قدمًا، فقد ارتكبت بعض الأخطاء التي يمكن تجنبها. الأول هو الزيادة في الأسعار والتي لم تتم مناولتها بشكل كامل، والإعلان عن ضريبة القيمة المضافة في 1 جانفي. إلا أن هذه الزيادات لم يتم تعليلها وكانت وحشية. إن زيادة العبء الضريبي على الشركات ذات النوايا الحسنة التي تواجه العديد من الصعوبات في إنتاج السلع وتصديرها ليس لها أي معنى اقتصادي. ويجب على تونس أن تغذي قطاع الصناعات التحويلية الذي يُصدِّر كل المنتوجات من الكابلات الكهربائية إلى مكونات السيارات والمستحضرات الصيدلانية حيث تضع هذه الشركات معيارًا للتميز، وتنافس على الصعيد الدولي وتوظف أشخاصًا مدربين جيدًا.

وفي كثير من الأحيان، لا يميز أولئك المنتمون إلى اليسار الذين ينتقدون المؤسسات الخاصة بين الرأسماليين المحبين والمصنعين الحقيقيين للسلع ذات الأسعار التنافسية. ويبدو أن هناك مقاومة قوية للتغيير من جانب أعضاء اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية الذين يعتمدون على عدد لا يحصى من الضوابط البيروقراطية لكي يتمتعوا بالاحتكار الفعلي على إنتاج سلع معينة.

ولاستعادة ثقة مواطنيهم، ينبغي للسياسيين ووسائل الإعلام أن يتذكروا أن الرجال والنساء التونسيين متعلمون بشكل جيد. إنهم يستحقون أن تقال لهم الحقيقة، وليس نصف الحقائق أو الأكاذيب. ولو تم التحقيق مع رئيس الوزراء على شاشة التلفزيون قبيل زيادات الأسعار في جانفي، ولو سُئِل راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة، عن سبب تقديمه الكثير من الدعم للشاذلي العياري لسنوات عديدة، ولو تم عرض المنصف المرزوقي على الحقائق المفزعة بسبب الأضرار التي ألحقتها حملته ضد قطاع الطاقة على الاقتصاد، كان بإمكان مواطنيه أن يفهموا بشكل أفضل سياق الأحداث الأخيرة. كما أن رئيس الوزراء لم يوضح سبب إجبار وزير التعليم العالي الكفء على الخروج من الحكومة بسبب ضغوط النقابات في العام الماضي.

وقد يكون من الأفضل تفادي البت في إحدى المسائل في الظروف الراهنة، وهي مسألة الخصخصة التي يعارضها الاتحاد العام التونسى للشغل بشراسة. هذا على الرغم من قصص النجاح العديدة لهذه السياسة على مدى الثلاثين سنة الماضية. فقد كانت هناك تسع وتسعون شركة حكومية بالكامل أو التي تم خصخصتها جزئياً بين عامي 1987 و 2006، مقابل أكثر من 670 مليون يورو. وكانت سوكومينا، المتخصصة في صناعة السفن على وشك الإفلاس عندما تم بيعها بمبلغ 34 مليون يورو في عام 2005. وقد تضاعف رأس مالها عشرة أضعاف منذ ذلك الحين وتوظف عددا أكبر من العمال والمهندسين الذين يتقاضون أجوراً أفضل. وينطبق الشيء نفسه على شركة أ ام اس ومسبك سوفاميكا، والعديد من مصانع الأسمنت، وأخيرا وليس آخرا، بنك الجنوب الذي تم شراؤه من قبل البنك التجاري المغربي.

الاتحاد العام التونسى للشغل يفشل فى انشاء حزب يساري

بعد انهيار الحزب الديكتاتوري السابق، الذي ساهم فيه أعضاؤه، كانت القوة المنظمة الرئيسية في البلاد، باستثناء الجيش ومجموعة من رجال الأعمال البارزين في القطاع الخاص، هي الاتحاد العام التونسي للشغل. تأسست في عام 1946، لعبت ثاني أقدم نقابة في أفريقيا دورا هاما في الكفاح من أجل الاستقلال حتى عام 1956. وعلى الرغم من حكم الحزب الواحد بعد ذلك، احتفظ الاتحاد العام التونسي للشغل ببُعد سياسي يتجاوز هويته الأساسية كاتحاد عمالي. وشارك في الانتخابات البرلمانية التونسية في ثلاث مناسبات، في الأعوام 1956 و 1981 و 1986، وإن كان ذلك بالتحالف مع الحزب الدستوري الجديد الحاكم، حزب الحبيب بورقيبة. وفي مناسبتين، في عامي 1979 و 1983، واجه الحكومة في أعمال شغب دامية. غير أنه بحلول أواخر سنوات بن علي، شارك بعض قادته بالكامل في ما أصبح يُعرف أسرة حاكمة مفترسة.

وعندما ثار عمال الحوض المنجمي ضد بن علي في عام 2008، انقسمت الفروع المحلية للاتحاد العام التونسي للشغل. ومع انتشار التمرد من المناطق الجنوبية والغربية الأكثر فقرًا في 2010-2011، ألقى العديد من فروع وأعضاء الاتحاد العام التونسي للشغل ثقلهم وراء الشباب الذين كانوا يتحدَّون بن علي. وبعد ثلاث سنوات عندما أوصلت الحكومة البلاد الى وضع غير مستقر، تحالف الاتحاد العام التونسي للشغل مع اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والهيئة الوطنية للمحامين التونسيين والرابطة التونسية لحقوق الإنسان للتوسط في إبرام اتفاق مع الحكومة الفنية الجديدة المكلفة بإعداد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لخريف 2014. للتذكير، فقد فازت المنظمات الثلاث بجائزة نوبل للسلام.

ويرى بعض المراقبين أن أكبر فشل للاتحاد العام التونسي للشغل منذ سقوط بن علي كان رفضه تقسيم الأنشطة النقابية والسياسة ورعاية حزب يمكن أن يوحد قوى اليسار. ولو أنهم فعلوا ذلك في أكتوبر 2011، لكانوا على الأرجح قد رفضوا حصول حركة النهضة على الأغلبية البرلمانية التي فازت بها في تلك المناسبة. إذا كان الأمر كذلك، فمن المحزن أن نرى الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي، يشارك في أسوأ شكل من أشكال الخطابات الغوغائية بدلا من محاولة المساهمة في نقاش ذكي حول مستقبل الاقتصاد. ومما يعيق المناقشة الاقتصادية الذكية أيضا حقيقة أنه لا النهضة ولا الحزب العلماني الذي أسسه رئيس الدولة في 2012، نداء تونس، لديه برامج اقتصادية واضحة أيضاً. وكان بإمكان أي حزب يساري عريض القاعدة أن يعبر عن رؤية واحدة للمستقبل. وللتذكير، فإن نداء تونس هو تحالف علماني من القوى السياسية الذي تم تشكيله لمعارضة النهضة، لكن لم يكن لديه برنامج اقتصادي واضح، في حين أن النهضة، تماشياً مع الأحزاب الإسلامية الأخرى المرتبطة بالإخوان المسلمين، لا تقدم فلسفة اقتصادية تفوق التفضيل المبهم للمشروعات الحرة التي تفوح منها رائحة البازار أكثر من الاقتصاد الحديث.

ومع ذلك، ومع الأخذ في الاعتبار الأجيال التي استخدمتها بلدان مثل فرنسا والمملكة المتحدة وإسبانيا لبناء ديمقراطيات حديثة، للتعبير عن الكنائس الاجتماعية والاقتصادية الواسعة التي سمحت لفلسفات اقتصادية مختلفة أن تتحول إلى برامج سياسية عملية، لا ينبغي للمرء أن يكون كذلك قاسيا على الحكومة التونسية. وقد صاغ مروان العباسي مؤخرًا، مع آخرين في البنك الدولي، تقريرًا واضحًا جدًا عن التحدي الرئيسي الذي يواجه البلاد. ويأمل الكثير من التونسيين أن تكون الخلفية غير السياسية للحاكم الجديد وفهمه العميق للسياق الإقليمي المضطرب الذي تواجهه بلاده في حد ذاتها، ستسمح له بمساعدة رئيس الوزراء في صياغة “اتفاق جديد” ضروري، والذي يمنح الشعب التونسي بعض الضوء في نهاية النفق.

ريحان البعزاوي