ورقات

الإثنين,29 مايو, 2017
فلسفة الدولة في فكر راشد الغنوشي وطارق رمضان

في أحدث مقالات الباحث الجزائري جلال خشيب والأول باللغة الإنجليزية بعنوان: “أثر الحركة الإصلاحية للفكر الإسلامي المعاصر على أداء الحركات السياسية الإسلامية: فلسفة الدولة في فكر كلّ من طارق رمضان وراشد الغنوشي كدراسة حالة”، نُشر المقال في العدد الأخير لمجلة الدراسات الإسلامية والثقافة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، وهي مجلة تصدر بالإنجليزية وتُعني بحقل الدراسات الإسلامية ويُشرف عليها ثلّة من الباحثين والأكاديميين المسلمين والأجانب من كافة أنحاء العالم. الشاهد اطلعت على المقال وترجمته:

مقدمة

لا يزال موضوع الحركات الإسلامية ينال حظا وافرا من البحث والتنقيب داخل الأوساط الفكرية العربية الإسلامية والأوساط الفكرية الأجنبية على حد سواء، وقد طال البحث فيها زوايا عدة، بعضها ارتبط بالبعد التأصيلي والتاريخي، وبعضها ارتبط بالتنظير، والأخرى ارتبطت بأنماطها وآلياتها، وعلاقاتها الجدلية مع الجهات الداخلية الفاعلة على الساحة الفكرية والسياسية العربية الإسلامية، أو حتى مع الجهات الأجنبية مثل الدول الغربية على حد سواء، ونمط رؤيتها للآخر.

وتحاول هذه الدراسة معالجة هذه الظاهرة المتنامية في علاقتها بالنقاط المرجعية الفكرية القائمة عليها، لقياس حدود التأثير والضعف بين أعمال الإصلاحيين المعاصرين في الفكر الإسلامي السياسي من ناحية والأداء السياسي لهذه الحركات من ناحية أخرى، في ضوء التغيرات الجديدة على الساحتين العربية والدولية. وستركز هذه الدراسة على تأثير كل من المفكرين طارق رمضان وراشد الغنوشي في أداء بعض أهم الحركات كنماذج للدراسة، ولكنها ستقتصر على تناولها فقط موضوع الدولة وأسلوب الحكم بسبب اتساع نطاق موضوع هذه الدراسة.

الإطار النظري للدراسة

في إطارها النظري استندت الدراسة إلى الأعمال التي قدمها الأستاذ طارق رمضان والدكتور يوسف القرضاوي وكذلك الدكتور راشد الغنوشي، وهي تبحث في رؤية كل منهم للمفاهيم السياسية الحديثة والأساسية التي لا تزال موضوع جدل داخل مجتمع الحركات الإسلامية السياسية في العالم الإسلامي، مثل مفاهيم: الدولة الوطنية، والديمقراطية، والانتقال الديمقراطي، والتناوب على السلطة، والأحزاب السياسية، والمعارضة، والشورى، والخلافة، والحكيمية، والقانون الشرعي للإسلام، والعلاقة مع غير المسلمين وغيرهم … وتحاول الدراسة التطرق إلى هذا النموذج النظري لتوضيح أثر الأفكار الإصلاحية لهؤلاء الإصلاحيين على السلوك السياسي والتنقيحات السياسية للحركات الإسلامية السياسية المعاصرة. وسوف تعالج مسألة واحدة فقط هنا، وهي فلسفة الدولة وأسلوب الحكم.

إشكالية الدراسة

تثير هذه الدراسة وتدرس حدود تأثير التأصيل النظري لهؤلاء المفكرين على أداء الحركات الإسلامية السياسية المعاصرة، هل هو السلوك السياسي لهذه الحركات المرتبطة بما يقدمه هؤلاء الباحثون كأعمال أكاديمية نظرية وتفسيرات تعالج المواضيع الخلافية في المدونة الفكرية التي تستند إليها هذه الحركات في أعمالها السياسية؟ هل الفشل السياسي ونجاح هذه الحركات مرتبط بمدى رابطة المعرفة أو الفصل بين ما يقدمه الفكر الإسلامي المعاصر كاجتهادات سياسية وإصلاحات فكرية من جهة والأداء السياسي لهذه الحركات من جهة أخرى؟

هدف الدراسة

تسعى هذه الدراسة إلى إظهار أهمية التفكير النظري والإصلاح الفكري على مستوى المراجع الفكرية لهذه الحركات التي تعتبر العامل الرئيسي الذي يتحكم في نجاح أو فشل هذه الحركات، استنادا إلى إيمان الباحث بأن عالم الأفكار هو الذي يتحكم في كل من عالم الأشخاص والأشياء (على حد تعبير الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي). كما يعتقد الباحث أن الإصلاحات السياسية التي تقوم بها معظم هذه الحركات هي مجرد إصلاحات تجميلية، وأن هذه الحركات لن تستفيد منها على المدى البعيد، حتى تصل هذه الإصلاحات إلى نقاط الانطلاق الفكرية لهذه الحركات، وهذا هو بالضبط الهدف من الدراسة، لجعل هذه الحركات تعلق أهمية أكبر على عملية الإصلاح الفكري في خضمها أكثر من مجرد التركيز على الجانب السياسي العملي اليومي، إذا كانت ترغب في تحقيق قبول جماهيري جيد ونجاح سياسي ووجود حقيقي في المستقبل.

فرضية الدراسة

إن نجاح أو فشل الحركات الإسلامية يعتمد على ما يحققه التجديد والإصلاح الفكري على مستوى المراجع الفكرية لهذه الحركات، ومدى الصلة المباشرة بين هذا التجديد الفكري والسلوك السياسي للقادة السياسيين لتلك الحركات.

أهمية الدراسة

إن أهمية الدراسة تأتي من أهمية هذه الظاهرة في العصر الحاضر، فنحن نعني ظاهرة الحركات الإسلامية بشكل عام والحركات السياسية على وجه الخصوص، فقد أصبحت هذه الظاهرة ظاهرة معقدة بسبب عدة عوامل تجعل من الصعب فهمها ومعرفة أهدافها، فضلا عن محاولة ترشيدها وإصلاحها بالمعنى السياسي والفكري. وتظهر أهمية الدراسة أيضا في التطور الذي حدث في الحركات الإسلامية السياسية وبالتحديد في تفكيرها السياسي منذ حسن البنا وسيد قطب، وأصبح من الواضح وجود معالم فكرية جديدة تحاول مواكبة تطورات العصر. كما أن أهمية الدراسة تظهر بسبب الارتباك الواضح (المتعمد في بعض الأحيان) من قبل بعض الباحثين، ووسائل الإعلام والجمهور وحتى داخل مجتمع الحركة الإسلامية نفسها إزاء الرؤية الأنطولوجية، والرؤية المعرفية والرؤية الأخلاقية والجمالية للإسلام في العالم، ومختلف المفاهيم التي أنتجها المثقفون على مر العصور، لشرح وتفسير هذه الرؤية ولإيجاد الطرق الجيدة لتحقيق هذه الرؤية على أرض الواقع.

 

أولا. عن طارق رمضان وراشد الغنوشي:

  1. الأستاذ طارق رمضان:

الأستاذ طارق رمضان هو مفكر سويسري من أصل مصري، وهو حفيد الشيخ حسن البنا، ولد في جنيف في 26 أوت 1962، وهو الآن أستاذ الدراسات الإسلامية المعاصرة بجامعة أكسفورد، (معهد الدراسات الشرقية، كلية القديس أنتوني)، وأستاذ الأديان وحوار الأديان في كلية الدراسات اللاهوتية في نفس الجامعة. كما يعمل طارق رمضان أستاذا زائرا بكلية الدراسات الإسلامية بقطر، وفي الجامعة الماليزية “بورليز”؛ وباحثا أول في جامعة دوشيشا باليابان، علاوة على منصبه كمدير لمركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق في دولة قطر.

حصل الدكتور طارق رمضان على درجة الماجستير في الفلسفة والأدب الفرنسي، وعلى درجة الدكتوراه في الدراسات العربية والإسلامية من جامعة جنيف بسويسرا.

كما تلقى الدكتور رمضان دروسا مكثفة في العلوم الإسلامية التراثية وطرق قراءتها على الطريقة التقليدية من علماء جامعة الأزهر في القاهرة وحصل من خلالها على الإجازة في سبع تخصصات. وقد أسهم من خلال كتاباته ومحاضراته في إثراء النقاش الدائر حول قضايا المسلمين في الغرب والصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي. وهو شخص فاعل على المستوى الأكاديمي العلمي وعلى مستوى الحراك الشعبي، يحاضر في أنحاء متفرقة من العالم حول قضايا الدين (الفقه ،أصول الفقه، الشريعة) والأخلاق والعدالة الاجتماعية والبيئة وحوار الأديان والحوار بين الثقافات. وهو أيضا رئيس المركز الأوروبي للأبحاث (الشبكة الإسلامية الأوروبية إمن) في بروكسل، وعضو في الاتحاد الدولي للعلماء المسلمين.

صُنِّف الدكتور رمضان عدة مرات من بين 100 مفكر الأكثر تأثيرا في العالم من قبل مجلات أمريكية وأوروبية مثل فورين بوليسي والتايمز.

أهم المنشورات العلمية:

مصادر من الإحياء الإسلامي: من الأفغاني إلى حسن البنا، قرن من الإصلاح الإسلامي. (1998).

أن تكون مسلم أوروبي: دراسة المصادر الإسلامية في ضوء السياق الأوروبي (1999).

الإصلاح الجذري، الأخلاقيات الإسلامية والتحرر (2008).

البحث عن المعنى وتطوير فلسفة التعدد (2010).

الصحوة العربية: الإسلام والشرق الأوسط الجديد (2012).

في خطر الأفكار: الأسئلة الكبرى في عصرنا (مع إدغار مورين) (2014).

من الإسلام ومن المسلمين: تأملات حول الإنسان والإصلاح والحرب والغرب (2015).

مقدمة في الأخلاق الإسلامية: المصادر القانونية، القضايا الفلسفية، الصوفية والمعاصرة. (2015).

  1. الشيخ راشد الغنوشي

راشد الغنوشي هو سياسي ومفكر إسلامي تونسي، ولد في عام 1941، وهو زعيم حركة النهضة التونسية، وقد حُوكم عدة مرات بسبب الدعوة الإسلامية والأنشطة السياسية التي كان يمارسها في عهدي الرئيسان الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي . تحصل الغنوشي على شهادة في أصول الدين من جامعة الزيتونة بتونس، كما تحصل على درجة البكالوريوس في الفلسفة من دمشق عام 1968. وكان يتضامن مع الشخصيات الإسلامية، حيث كان قد قرأ كتب السيد قطب ومحمد قطب وأبو الأعلى المودودي ومحمد إقبال ومالك بن نبي، والغزالي وابن تيمية، وتعرف على مجموعة الدعوة والتبليغ، وكان عضوا نشطا بينهم في شمال أفريقيا. سافر إلى فرنسا وكان نشطا مع الطلاب في حركة الدعوة، وعندما عاد إلى تونس في نهاية الستينيات، بدأ في نشر دعوته بين طلاب وتلاميذ المدارس الثانوية الذين أسسوا فيما بعد حركة الاتجاه الإسلامي، التي سميت فيما بعد باسم حركة النهضة.

وقد ساهم الغنوشي من خلال خطاباته ودروسه ومقالاته وكتبه ومحاضراته في دعم الخط المعتدل للحركة الإسلامية في تونس وفي الخارج وساهم في القضاء على عدد من المعتقدات التقليدية المتعلقة بالمسائل الدينية والفكرية والسياسية وتصحيحها، مثل حقوق المواطنة والحريات العامة، والديمقراطية والعلمانية، وغيرها. عاش الغنوشي ما يقرب من عقدين من الزمن في المنفى في لندن، وأصبح هناك رئيس حركة النهضة في عام 1991، ثم عاد إلى تونس بعد سقوط نظام بن علي في عام 2011، وساهم بحركته في التغلب على عقبات المرحلة الانتقالية بعد فوزها في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، وهو حتى الآن شخصية مؤثرة في العملية السياسية في تونس بعد الثورة.

ومن أهم مؤلفاته نذكر: “حقوق المواطنة في الدولة الإسلامية” و “الحريات العامة في الدولة الإسلامية” و “المرأة بين القرآن وواقع المسلمين”، و “مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني، و “الحركة الاسلامية ومسألة التغيير”. وقد ترجمت بعض كتبه إلى العديد من اللغات الأجنبية، ولا سيما الإنجليزية والفرنسية. وقد حصل الشيخ راشد الغنوشي على جائزة تشاتام هاوس لحرية الفكر والتعبير من قبل المعهد الملكي للشؤون الدولية في بريطانيا في عام 2012، وتلقاها مع الرئيس التونسي المنصف المرزوقي.

ثانيا. فلسفة الدولة في الفكر السياسي لكل من طارق رمضان وراشد الغنوشي من التراث الثيوقراطي إلى الحداثة المدنية:

يسعى هذا القسم إلى استكشاف الأفكار السياسية المبتكرة حول موضوع الدولة والحكم النموذجي وفقا لكل من هؤلاء المفكرين، باعتبارها واحدة من القضايا السياسية المعاصرة المثيرة للجدل مثل مسألة الديمقراطية والعلمانية وتطبيق الشريعة والخلافة والتناوب على السلطة، والعلاقة مع الآخر. لذا، فإن الحركات السياسية الإسلامية المعاصرة تجد نفسها مطالبة بمعالجتها وتشكيل مواقف تجاهها بوضوح، وهنا سنحاول توضيح تأثير أفكار كل من الأستاذ طارق رمضان والشيخ راشد الغنوشي على الاجتهاد الحالي لهذه الحركات.

  1. فلسفة الدولة للمسلمين في العصر الحديث بين النصّيين والعقلانيين:

وقد أدت القراءات المتباينة للنص (القرآن والسنة) إلى تأويلات وتفسيرات متباينة فيما يتعلق بنمط الحكم المطلوب، والذي بدوره يعطي شكل الدولة بين الذين يرون أن الدولة المنشودة هي “دولة دينية” (النصّيين) وأولئك الذين ينظّرون إلى “الدولة المدنية” في الإسلام (العقلانيون)، والفريق الآخر الذين يسعون جاهدين لمواكبة العصر والمحافظة على الأصول، لذلك، فإنهم يدعون إلى دولة مدنية ولكن ذات مرجعية إسلامية، وهو الفريق الذي تطرّق له كل من طارق رمضان وراشد الغنوشي في كتاباتهما ونظرياتهما.

المجموعة الأولى يمثلها تيار متطرف يعترف فقط بدولة الخلافة التقليدية، طالما أنه شاهد في هذا العصر أنظمة الكفر والردّة بوضوح ورأى أنها لا تتماشى مع روح الإسلام مثل مفهوم: الديمقراطية و والتناوب على السلطة، كما رفض مفهوم الشعب، وفي المقابل وافق على مفهوم الأمة، هذا الاتجاه منح حاكم الدولة الإسلامية الصلاحيات المطلقة حتى وإن كان حاكما ظالما، وهذه السلطة يمكن أن تمنعه من العزل أو الثورة ضده ما لم يظهر الكفر صراحة. ومنحت أيضا لعلماء الدين الحق الحصري في التفسير والتبرير والفهم فيما يتعلق بشؤون الدين والسياسة، وهو ما يذكّرنا بمفهوم الدولة الثيوقراطية التي هيمنت على أوروبا في العصور الوسطى المظلمة، حيث كان الحاكم يتمتع بطبيعة إلهية (الله أو ابن الله) أو تم اختياره بشكل مباشر أو غير مباشر من الله بطريقة ما وفقا لما يعرف بنظرية الحق الإلهي، وبالتالي فإنه يتبع أن الحاكم يرقى إلى مكانة عالية لا يمكن أن تُتاح لأي شخص من شعبه، ولا يمكن لأي شخص أن يعترض على أقواله وأفعاله.

وقد أدى هذا الفهم وتلك التصورات من خلال كل من التاريخ الإسلامي والغربي إلى خلق نماذج حكم غير عادلة استعبدت البشر باسم الدين وألحقت الخراب والدمار على الأرض باسم الله، وأنظمة لا تولي اهتماما لمبادئ المساواة بين الناس، ولكنها أرست التمييز بينهم وفقا للمعتقدات. الشيء الأكثر خطورة هنا عندما تجعل الحاكم يتكلم باسم الله، لذلك، لا يمكن أن يُسأل، ولا يجوز لأنه يملك مفاتيح الحق والباطل، والخير والشر، والجمال والقبح والعدالة والظلم، كما لديه القدرة على إعلان الحرب وعقد السلام، لذلك، أصبح هؤلاء العلماء الدينيين في هذا النمط كممثلين لله ووسطاءه على الأرض، الذين يبنون الحق ويحتكرون الحقيقة.

لذلك، وقفوا ضد أي تغيير مفيد وتسببوا في تعطيل وسائل المعرفة العقلية والتجريبية، وأصبحت قوة ردود الفعل تقف ضد التطور والتقدم والحداثة. وبسبب عدة عوامل – التي لا يمكن تفصيلها هنا – عرفت الأمة الإسلامية الصحوة الفكرية في القرن التاسع عشر التي لمست مجالاتها الفكرية والسياسية التي تناولت أصول الحكم “المقدسة” والحوكمة حيث سعى عدد من الإصلاحيين مثل جمال الأفغاني ومحمد عبده، إلى القضاء على الاستبداد السياسي من العقول قبل الساحات، وكانت هذه الصحوة مجرد نقطة بداية لحركة فكرية نشطة في الساحة العربية والإسلامية بشكل عام، تناولت البحث والتنقيب والمقارنة والتفسير والتفكيك في مسألة السلطة الذاتية ونظام الدولة ونظام الحكم فيما يتعلق بالدين و المعضلات التي يشكلها ضوء التحديات الراهنة التي يطرحها العصر، من كتابات علي عبد الرازق إلى أطروحات محمد أركون، وعبد الله العروي، ونصر حامد أبو زيد، وفتحي المسكيني وغيرهم ممن أُطلق عليهم اسم رواد الحداثة العربية.

فكتاباتهم السياسية والفلسفية ومحاولاتهم النظرية لها تأثير كبير على الساحة السياسية العربية ونخبها الجديدة بسبب تحديها للمشاكل الحديثة التي تثيرها جدلية المقدس والمدنس، والدين والسياسة، والتقاليد والحداثة، والسلطوية والديمقراطية، والعلمانية وغيرها من المشاكل، وذلك باستخدام أساليب وأدوات غربية للمعرفة في أبحاثهم وتحليل التراث الإسلامي وتحديات الأمة الحديثة، لذلك شكلوا رؤية متميزة جدا فيما يتعلق بشكل الدولة العربية المنشودة، التي أسموها الدولة المدنية أو الدولة العلمانية التي يمكن أن تتسع لكل الظلال والألوان الأيديولوجية، وخاصة بعد تغيير هيكل المجتمعات الإسلامية في الآونة الأخيرة من حيث التكوين والفكرة والاختلاط الثقافي.

يقول أنصار الدولة المدنية أن مصدر السلطة في الدولة هو الشعب، حيث لا توجد تفرقة أو تمييز بين الأفراد والجماعات على أساس الجنس أو الدين أو الطبقة الاجتماعية، ويقولون أيضا أن كل دولة ليست مدنية سوف تكون في المقابل دولة بوليسية تقوم على القمع والظلم والاستبداد، وبسبب هذا التكوين فإنها لا تستطيع أن تتبنى ديانات وأفكار وحريات مختلفة، وإن الدول التي تبنت فكرة الدولة المدنية قد حرصت علي عدم ادراج أي دين في دساتيرها، إلا أنه اعتبرت دولة مدنية علمانية في المحتوى وليس في الشكل، وأن السياسة تتم على أساس المصلحة والتشريع، الذي يعكس في ختامه تنوع قوانين الدولة. فبعض المفكرين يميزون بين الدولة المدنية والدولة العلمانية بالاعتقاد بأن الثانية مناهضة للدين، في حين أن الدولة المدنية تعترف بحرية الدين وتحترم مختلف الأشخاص في معتقداتهم وتوفر لهم كل ما يلزم لممارسة الحريات الدينية، ولا تقسّمهم على أساس الدين، إذ أن مرجع هذه الدولة يتلخص في وجود دستور يعكس قيم ومعتقدات وعادات الشعب في مختلف الخلفيات الدينية والثقافية والعرقية، حيث تتولى الدولة أمر الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والمساءلة، والتناوب في السلطة، واكتساب الحقوق على أساس المواطنة، وضمان حقوق الإنسان والحريات الأساسية واحترام التعددية والانتقال الديمقراطي السلمي للسلطة من خلال انتخابات حرة.

على الرغم من النبرة الواقعية التي تحاول أن تظهر أنصار هذا الاتجاه، لكنه غالبا ما يسقط بطريقة أو بأخرى في العالم الطوباوي والتجاوز، من خلال تجاهل الهوية والخصائص الثقافية التي تميز المجتمع الإسلامي إلى حد استبعاد خصومهم من الإسلاميين، ووصمهم بالرجعية الفكرية وضيق الأفق، ما كان يسهم في تعميق الاستقطاب السياسي والإيديولوجي الذي تعاني منه هذه المجتمعات، ودفعها إلى التفكير بعيدا عن شواغل ومشاكل الحياة اليومية، مثل قضايا العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.

  1. رمضان والغنوشي، روح الحداثة وأصالة المفهوم. نحو رؤية وسطية معاصرة:

بين تلك الاتجاهات ظهر فكر جديد ألا وهو الاجتهاد، الذي يتوسّط الساحة الفكرية، ويعلن الحرب على الاستقطاب السياسي الأيديولوجي، بقيادة أقطاب فكرية هامة مثل الأستاذ طارق رمضان والشيخ راشد الغنوشي، الذين ألهموا بأفكارهم العديد من الزعماء السياسيين في العالم الإسلامي على غرار أيقونات حزب العدالة والتنمية التركي الذين تمكنوا إلى حد كبير من تحقيق التوازن بين الأفكار الإسلامية الأصيلة من ناحية وما تفرضه التحديات المعاصرة من ناحية أخرى. وفي هذا الصدد، حاول الأستاذ طارق رمضان أن يبيّن أن روح الحداثة تتفق مع روح الإسلام، في محاولة للتنظير لما أسماه روح الحداثة الإسلامية، كما أكد في العديد من الخطابات الفكرية في وسائل الإعلام الفرنسية أن هناك طريقة للتوفيق بين روح الديمقراطية والإسلام، وأن هناك طريقة مناسبة تسمح للإسلاميين العرب بتطوير نماذج حكم ديمقراطية مناسبة لدولهم.

بدلا من “استنساخ” نموذج التجارب الغربية بما في ذلك الثقافة الليبرالية والعلمانية، ودعوتهم إلى التركيز على تحديات التنمية والعدالة الاجتماعية، وبدلا من الوقوع في فخ الاستقطاب السياسي الذي يخدم مصالح القوى الكبرى، ألهمت كتاباته جيلا كاملا من الإسلاميين الجدد في طليعتهم قادة حزب العدالة والتنمية التركي كما قال الدكتور أحمد كورو في إحدى دراساته الهامة، ووفقا له فإنه من الممكن للحزب في الدول العربية أن يكون له مرجعية دينية دون الحاجة إلى إقامة دولة إسلامية، ويرى أن هذا الفهم يسمح للحزب بالعمل في موقع مريح بين العلمانية الإقصائية من جهة والإسلام من جهة أخرى.

ووفقا لهذا المنظور، يمكن للمسلمين – كأفراد أو كجماعات إسلامية – تعزيز آرائهم في نظام ديمقراطي من خلال العمليات التشريعية والمشاركة في المؤسسات السياسية والقضائية والمشاركة مع المجتمع المدني ووسائط الإعلام، وعلى سبيل المثال، يمكن أن تتجلى الأخلاق الإسلامية من خلال مكافحة الفساد أو المحسوبية أو تعزيز العدالة، والأحزاب الإسلامية المتنوعة يمكن أيضا أن تعزز فهمهم للشريعة الإسلامية من خلال هذه العمليات الحرة والديمقراطية، وبهذه الطريقة ليست هناك حاجة للاسم الرسمي للدولة ك “الدولة الإسلامية” – لتجنب بعض الحساسيات الفكرية تجاه خصومها – من أجل تعزيز المبادئ الإسلامية في السياسة. وقبل كل شيء، هناك العديد من ما يسمى ب “الدول الإسلامية” التي فشلت في الواقع في دعم ما يعتقد الكثير أنها “المبادئ الإسلامية” المطلوبة في الحياة اليومية، ويعتقد كورو أن نجاح حزب العدالة والتنمية التركي في ممارسة السياسات ذات المرجعية الدينية دون السعي إلى إقامة دولة إسلامية (الدولة التي لم تذكر في دستورها الشريعة كمرجع) يجعله النموذج المناسب الوحيد للإسلاميين العرب الآن.

في الجانب الآخر، يمكن للعلمانيين أن يكيفوا خطاباتهم السياسية بالطريقة التي لا تخدش الهوية والحساسية الثقافية التي تتحكم في الوعي الجماعي لفئة واسعة من الشعب العربي الذي يتبنى الفكرة الإسلامية، وتجنب، على سبيل المثال، استخدام مصطلح الدولة العلمانية، عندما يزرعون طموحاتهم لإقامة دولتهم المنشودة، وتعويضها بمصطلح الدولة المدنية لأنه أقل تأثير سلبي على الوعي الجماعي للشعب. وقد يبدو هذا السؤال شكليا بالنسبة لشخص ما، ولكن وفقا لنا هو مسألة حساسة جدا، وبسبب ذلك نحن نعرف الآن نموذجا قويا جدا يُسمّى نموذج البناءية الذي يركز في أبحاثه على مسائل الهوية والبعد الثقافي، كما انه يركز على دور الكلام واللغة في بناء الحقائق والأرض. وفي هذا السياق، يتحدث الدكتور محمد عابد الجابري عن ما يسميه إشكالية “تكيف المفاهيم”، قائلا إن جميع المفاهيم المنقولة من الغرب ليست ضرورية أو مفيدة لنا، ويقول أيضا أن المفاهيم الأساسية ينبغي أن يتم اعتمادها من أجل زرعها في الثقافة العربية الإسلامية، ويميز بين المفاهيم التي لديها قابلية للاندماج مثل مفهوم العقلانية وغيرها التي ليس لديها قابلية للاندماج في ثقافتنا مثل مفهوم العلمانية، لأن هذا المفهوم يصدم حساسيتنا الإسلامية، ولا يتفق مع جوهرها، لذلك نحن لسنا في حاجة إليه، ولأنه لا يوجد كهنوت وكنيسة في الإسلام لقبول الفصل المطلق بين الدين والدولة كما فعل الغرب، فهذا أمر مستحيل وغير قابل للتجزئة كما قال الجابري.

ثالثا. نماذج من أثر فكرهم على الحركات الإسلامية المعاصرة:

يبدو أن أطروحات الشيخ الغنوشي تؤثر تأثيرا كبيرا على أداء الحركة الإسلامية في تونس في العديد من المسائل، ولا سيما مسألة العلمانية والعلاقة بين الدين والدولة في تونس، وفي معالجة هذه المسألة يؤكد قبل كل شيء أن العلمانية لديها أنماط مختلفة من الفهم والتطبيق في الغرب، وفقا لخصوصية كل مجتمع، وعلى سبيل المثال تختلف العلمانية الأمريكية في تطبيقاتها عن فرنسا، والتي تختلف بدورها عن جيرانها بريطانيا وألمانيا، ويعتقد أن العلمانية في الغرب عموما جاءت كترتيبات إجرائية لاستعادة التوافق الذي تمزقه الصراعات الدينية. وهنا نأتي إلى هذا السؤال الهام: هل نحن بحاجة إلى العلمانية كترتيب إجرائي؟ لعل الفكرة الأكثر أهمية في ختام هذه الإجراءات هي فكرة الدولة المحايدة، بمعنى أن الدولة يجب أن تكون محايدة تجاه الدين وألّا تتدخل في ضمائر الناس، والفضاء الذي تملكه الدولة هو “المجال العام”، في حين أن فضاء الدين ينبغي أن يكون “المجال الخاص”.

وهكذا، فإن الدولة هي الضامن لكل حرية دينية وسياسية، وينبغي ألا تتدخل لصالح طرف أو آخر. لذلك يتساءل الغنوشي ما إذا كان الإسلام بحاجة إلى مثل هذا الإجراء والذي يتمثل في: حياد الدولة تجاه الأديان. وللإجابة، أرجأ الغنوشي ذلك إلى زمن النبي محمد (عليه الصلاة والسلام)، عندما أقام “دولة المدينة”، كان قائدا دينيا وسياسيا على حد سواء، ومارس السلطة القضائية بين الناس، وكان يقود الجيوش، وأبرم المعاهدات، وتولى القيام بجميع الإجراءات، وما يهمنا في هذا السياق كان سنّ دستور للأمة اسمه: “الصحيفة”. وقد كانت “الصحيفة” واحدة من أقدم الدساتير في العالم، وتضمنت سلسلة من الاتفاقات بين المهاجرين والأنصار من القبائل المختلفة، الذين يُعتبرون أمة، وكذلك القبائل اليهودية لسكان المدينة الذين اعتبروها أمة أيضا، لذلك، هنا نحن لا نتحدث عن أمة الدين، ولكن عن سياسة الأمة.

هنا نقف على أهم المصطلحات التي طرحها المفكرون الإسلاميون الحديثون مثل محمد سليم العوا ومحمد عمارة، ومنها مصطلح “التمييز بين الديني والسياسي” الذي يقابله مفهوم الفصل بين الدين والسياسة في السياق الغربي. من سيرة النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) استنتج الغنوشي أمثلة عديدة حدث فيها التفريق بين مسائل الدين والموضوعات الحياتية.

وكما ذكرنا أعلاه ساهم الغنوشي بخطبه ودروسه ومقالاته وكتبه ومحاضراته في دعم الخط المعتدل للحركة الإسلامية في تونس وفي الخارج، وساهم في القضاء على عدد من المعتقدات التقليدية حول الدين والفكر والسياسة وصحّحها، مثل حقوق المواطنة والحريات العامة والديمقراطية والعلمانية وغيرها. وبعد أن فاز حزب النهضة بالانتخابات في 23 أكتوبر 2011 بتسعين مقعدا في المجلس الوطني التأسيسي من أصل 217 مقعدا، رفض الشيخ راشد الغنوشي الترشح لأي منصب رسمي، وتم ترشيح حمادي الجبالي لرئاسة الحكومة التونسية الجديدة، لأنه يريد أن يضع تونس بعيدا عن أي استقطاب سياسي قد يحدث مع العلمانيين أو القوميين. وقد ساهم الغنوشي من خلال علاقاته وحواراته مع مختلف الأحزاب السياسية التونسية في حل بعض المشاكل السياسية والفكرية المعقدة التي قد تخلط بين الفترة الانتقالية، مثل تطبيق الشريعة كمصدر للقوانين أثناء كتابة الدستور الجديد، الخ. وبفضل اعتداله، فازت حركة النهضة بالمرتبة الثانية بعد “نداء تونس” في الانتخابات التشريعية التي جرت في أكتوبر 2014. ولذلك، تمكنت تونس من النجاة من فوضى “الربيع العربي” وظلت أكثر الدول انسجاما واستقرارا بين الدول الأخرى.

وقبل أيام قليلة أعلن الغنوشي أن حركة النهضة تحولت إلى حزب سياسي متخصص في حل مشاكل المواطنين والنهوض بالبلاد، في حين رأى أن مجال “الدعوة” سيكون من الآن فصاعدا على عاتق منظمات المجتمع المدني، وبالتالي فإنه ينشئ الآن مرحلة جديدة في طريق الحركات الإسلامية التي أقنعت الكثير منهم في نهاية المطاف بأنهم بحاجة إلى إيلاء المزيد من الاهتمام للتحديات العملية التي تواجه الشعوب والمجتمعات مثل الفقر والبطالة والتخلف الاقتصادي وما إلى ذلك، بدلا من الغرق في الصراعات الأيديولوجية مع الآخرين. ولم تكن أفكار الأستاذ طارق رمضان بعيدة عن المشهد الإسلامي والمشهد المغاربي على وجه الخصوص، إلا أن أفكاره تحظى بقبول واسع من قبل المثقفين والنخب السياسية في منطقة المغرب العربي، وتساهم في خلق تنقيحات مستمرة للمعتقدات التقليدية بين الحركات الإسلامية هناك، وفي طليعتهم قادة حزب العدالة والتنمية في المغرب وحركة النهضة في تونس، حيث كان كثيرا ما تتم دعوته هناك لإلقاء محاضرات أو للحضور في إطار تنظيم الندوات الفكرية.

وبفضل الجالية المغاربية الكبيرة المتواجدة في أوروبا التي كانت مُلهَمة بشكل رئيسي بأفكار رمضان، وبسبب المشاكل المشتركة بين الجاليتين (في أوروبا والمغرب)، كانت أفكاره المعتدلة معروفة باهتمام جيد من قبل الإسلاميين في المغرب العربي.

أولئك الذين يتبعون منشوراته أو مناقشاته في وسائل الإعلام الفرنسية يلاحظون أنه تمكن من خلالها من إقامة خطاب إسلامي جديد ومتسامح مع الآخرين، وأنه منفتح على أفكاره وثقافته، ويحاول التركيز على القضايا الإنسانية المشتركة بينه وبين الآخرين. وقد لعبت أفكاره أيضا دورا هاما في مواجهة التطرف الأيديولوجي الذي يأخذ شرعيته من الدين، كما ساهم في الحدّ من الاستقطاب السياسي داخل مجتمع الحركات الإسلامية هناك وفي تركيز معظمها على تحديات التنمية والعدالة الاجتماعية كما يتبين دائما في كتابات الرجل. ولعبت أيضا دورا إيجابيا في تغيير قناعات العديد من المفكرين والمثقفين الذين يؤمنون بالسلطة المقدسة ل”الفقيه” وإمام المسجد وشيوخ الفقه، وغالبا ما يشكل هؤلاء الأشخاص الرأي العام من خلال فتواهم أو حتى مواقفهم السياسية، حتى أنهم يحتكرون الحقائق في بعض الأحيان، مما يضع الباحث والأكاديمي والمتخصص في قضايا السياسة والاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع في الهامش في الوقت الذي ينبغي أن تصل أفكاره إلى المجتمع وتُغذي وعيه. فالعديد من كتابات رمضان تسعى إلى إسقاط هذا المعبود الذي خلقته المجتمعات الإسلامية لأنفسها وتسببت في تقويض حركتها النهضوية على مستوى الأفراد أو الحركات الإسلامية والأحزاب على حد سواء.

الخاتمة

بالتأكيد، هناك عدة عوامل مختلفة تفسّر سيطرة الجهات الفاعلة على أداء الحركات الإسلامية السياسية المعاصرة. فتعدد هذه الحركات والاختلافات القائمة فيما بينها من حيث الجغرافيا والخصوصية الثقافية لتلك الجغرافيا والنتائج المترتبة على ذلك، والظروف السياسية لتلك الحركة في بلد معين، وأثر الظروف السياسية على قناعات القادة السياسيين لتلك الحركة، فضلا عن المنظورات الفكرية المختلفة فيما بينها في بعض الحالات، كلها عوامل تسهم في تشكيل أدائها السياسي. لذلك، من الصعب قياس درجة تأثير مفكر معين على الأداء السياسي لأي حركة سياسية بسبب تعدد العوامل المكونة للعمل السياسي لهذه الحركات. ولكن لا يمكننا أن ننكر أهمية التطور الذي يحدث على مستوى الأفكار والمراجع وأثرها الواضح الذي يُمارس بمرور الوقت في تطور العمل السياسي لهذه الحركات، ولا سيما في عصر العولمة هذا حيث تتحرك الأفكار بسرعة.

لذا، فإننا نقول – أخيرا – أن أي فشل سياسي أو نجاح ستحققه هذه الحركات سيكون مرتبطا حتما بمدى وجود رابطة المعرفة أو الفصل بين ما يقدمه الفكر الإسلامي المعاصر كاجتهاد سياسي، والإصلاحات الفكرية، والتفسيرات السياسية، ومدى تفعيل هذا الإصلاح الفكري على مستوى خطاب وممارسات هذه الحركات.