ورقات

الأحد,10 مارس, 2019
فساد قطاع الصحة في تونس.. إرهابٌ من نوعٍ آخر

ما فتئ قطاع الصحة في تونس يعاني من مظاهر فساد مستشر أكثر من غيره من القطاعات، وهو ما أظهرته عدة قضايا اختلاس وتزوير وأدوية غير صالحة في السنوات الأخيرة.
و قد شهدت تونس عدة قضايا فساد في مرفق الصحة لعلّ أبرزها قضية البنج “الفاسد” الذي تسبب في وفاة ثلاثة مرضى، وصفقة اللوالب القلبية الاصطناعية غير الصالحة للاستخدام، وآخرها كارثة وفاة 11 رضيعا خلال اليومين الأخيرين في مستشفى الرابطة بسبب تعفن خطير بالدم ناتج عن جرعات مصل غير صالح للاستعمال، الأمر الذي فجّر غضبا كبيرا في صفوف التونسيين الذين لا يزالون بعد تحت وقع الصّدمة.

فاجعة وفاة الرّضّع تكشف المستور

وخلّفت وفاة الرضّع بمستشفى الرابطة غضباً غير مسبوق في صفوف التونسيين قابلها وزير الصحة عبد الرؤوف الشريف بالاستقالة في محاولة فاشلة لتهدئة الرأي العام، في حين شرعت السلطات في التحقيق بالقضية لتحديد المسؤوليات.

وفي هذا الصدد، نوّهت المديرة العامة للصحة العمومية نبيهة بورصالي فلفول بأن “الوزارة كلفت لجنة مختصة تضم فريقا من مختلف الاختصاصات الطبية والصيدلية للتحقيق في أسباب الوفيات المسجلة بمستشفى الرابطة”، مؤكدة أن المعطيات الأولية كشفت أن الوفيات الحاصلة نتجت عن تعفن خطير بالدم (إنتان) وسيتم تحديد الأسباب عبر التحاليل الطبية والصيدلية الجارية.

ولفتت البورصالي إلى أن الوفيات سجلت يومي 7 و8 مارس الجاري، واتخذت الوزارة على أثرها إجراءات وقائية من خلال وقف استعمال كل دفعات الأدوية المستعملة حالياً، واستبدالها بدفعات جديدة من الصيدلية المركزية لتفادي تكرر الإصابات.

وكانت وزارة الصحة قد أعلنت، في بيان نشرته الجمعة 9 مارس، أنه “بأسف شديد تم تسجيل 11 حالة وفاة بين الولدان المقيمين بمركز التوليد وطب الرضيع بالرابطة خلال يومي 7 و8 مارس 2019”.

وأضاف البيان أن “إدارة المركز اتخذت بالتنسيق مع الطاقم الطبي وشبه الطبي التدابير والإجراءات اللازمة، خاصة منها الوقائية والعلاجية، لتجنّب حدوث وفيات أخرى، ولمواساة عائلات الضحايا ومتابعة الوضع الصحي لباقي المقيمين بالمركز بصفة دقيقة لمزيد من التحكم في الوضع”.

كذلك قرّرت الوزارة “فتح تحقيق عاجل في الغرض من قبل لجنة مختصّة للوقوف على الأسباب الحقيقيّة التي كانت وراء وفاة الولدان وتحديد المسؤوليّات. وسيتم الإعلان عن نتائج البحث إبّان انتهاء التحقيق”.

كما جاء في البيان نفسه أن وزير الصحة الدكتور عبد الرؤوف الشريف زار المركز لمساندة جهود الإطار الصحي.

وقال رئيس الحكومة يوسف الشاهد في تصريحات إعلامية على هامش زيارته للمستشفى إنه “تم فتح تحقيق إداري في الحادث وإن النيابة العمومية أيضا تتابع الموضوع وسيتم محاسبة أي مسؤول يحتمل تقصيره”.
وعبر الشاهد عن تضامنه مع عائلات الضحايا. مضيفا أنه أعطى تعليماته إلى الولاة لتقديم الإحاطة المادية والنفسية لهم.

وكان الناطق الرسمي باسم المحكمة الابتدائيّة بتونس سفيان السليطي، أكد في وقت سابق أن النيابة العموميّة فتحت تحقيقا في حادثة وفاة الرضع.

وتحدّث أولياء قدموا إلى القسم لمعرفة ما إذا كان مواليدهم ضمن الضحايا، عن وفاة الرُضع بسبب استخدام مصل منتهي الصلاحية.

وقال متحدّث باسم النيابة إنّه تمّ أيضاً فتح تحقيق قضائي.

من جهتها، دعت الجمعيّة التونسيّة لأطبّاء الأطفال “السُلطات إلى إلقاء الضوء” على ملابسات الحادثة، مذكّرةً بـ”الظروف الصعبة التي يعمل الأطبّاء في ظلّها”.

وأشعلت حادثة وفاة الرضع وسائل التواصل الاجتماعي، فحمل التونسيون الحكومة مسؤولية الوفاة، مطالبين بإقالة وزير الصحة وإرسال فريق من الطب العسكري للتحقيق بما اعتبروه تقصيراً وإهمالاً وشبهات استعمال أدوية ومضادات حيوية منتهية الصلاحية.

ويشكو التونسيون من تراجع الخدمات التي تقدمها الدولة ويقول منتقدو الحكومة إن القطاع العام يعج بالفساد.

وتدهور وضع القطاع الصحّي العمومي، بسبب مشاكل إدارية وتمويل أدّت إلى تراجعه بشكل عام، مع نقص متواتر في توفر الأدوية في الآونة الأخيرة.

وكان وزير الصحة المستقيل قد تطرق إلى الحديث عن ملفات الفساد التي تطوق مرفق الصحة، في جلسة عامة عقدت بالبرلمان في جانفي الماضي، أفاد بأن عديد القضايا في هذا الشأن تم رفعها إلى القضاء الذي سيأخذ مجراه مبينا أن سرية الأبحاث تمنعه من الكشف عن ملابسات هذه القضايا وحيثياتها وأسماء المتورطين فيها.

وفيما يخص شبهات الفساد التي تحوم حول مجال تصنيع الأدوية في تونس، شدد على أنه لا يوجد أي دواء يصنع في تونس دون أن يتحصل على رخصة من وزارة الصحة ودون أن يقع التأكد من مطابقته للمواصفات المطلوبة من قبل المخابر المختصة.

وأقر الشريف في المقابل بتسجيل بعض المخالفات في مجال صنع الأدوية، مؤكدا أن الوزارة بصدد إعداد برنامج جديد ومحكم للتصدي لمثل هذه المخالفات.

عودة إلى قضايا فساد سابقة

وسبق أن كشف وزير الصحة السابق في مارس 2018 و في حوار لمجلة ” موند أفريك ” وجود شبكة مافيا طبية تسيطر على مفاصل وزارة الصحة منذ سنوات تعيق تطبيق أي برنامج إصلاحي في القطاع مؤكدا تعرضه لضغوط كبيرة أقصته في نهاية الأمر من الوزارة، وفق تعبيره.

وقد هزّت مرفق الصحة، في فترة تكليف العايدي بحقيبة وزارة الصحة، كارثتان أصابتا القطاع في مقتل، وهما حادثتا اللوالب القلبية منتهية الصلوحية والبنج الفاسد في مصحات ومستشفيات عمومية ما تسبب في حالات وفاة.
وقد كشفت في 2016، صفقة بنج منتهي الصلاحية استخدمته المصحات والمستشفيات في عمليات جراحية، وقد أثبت الطب الشرعي وفاة البعض جراء ذلك البنج.
وقبل قضية البنج الفاسد انشغل الرأي العام بقضية زرع لوالب قلبية منتهية الصلاحية في عدد من المصحات الخاصة بلغ عددها 14، وأدت تلك العمليات إلى زرع لوالب فاسدة لـ107 مريض.

و عموما، يرى اغلب التونسيين ان الحق في الصحة بتونس لم يرتق بعد إلى مستوى انتظارات وتطلعات الثورة، وهذا الرأي دعمته الجامعة العامة للصحة والنقابة العامة للاطباء والصيادلة واطباء الأسنان حيث وصفت واقع الصحة العمومية بالكارثي محذرين من تواصل تهميش هذا المرفق العمومي الذي يؤم 70% من المواطنين.

و تتراجع جودة الخدمات الصحية يوما بعد يوما، وسط تشكيات المواطن البسيط التي تعتبر صحته من آخر الإهتمامات في ظل غياب حلول للنهوض بالقطاع وترميم الخور التي ينخره.

جدير بالذكر أنه في التقرير الذي أجراه معهد “لجاتوم” بخصوص أفضل الأنظمة الصحية في العالم، جاءت تونس في المرتبة التاسعة عربيا والمرتبة 71 عالميا خلف ليبيا التي جاءت في المرتبة الثامنة عربيا و المرتبة 59 عالميا، وفقا لذات التصنيف.

و قارن المعهد الذي يقع مقره في لندن بين 104 متغيرات للخروج بالمؤشر الموسع لقياس مستوى الرفاهية وقسمه إلى تسعة مؤشرات فرعية منها مستوى الرعاية الصحية.