نقابات

الخميس,12 أكتوبر, 2017
علاقة الطرفين النقابي والحكومي بين كرّ و فرّ .. اتّحاد الشغل: “نتعاطى بمرونة كبيرة مع الحكومة لتفادي أي تصادم”

لعلّ الغاية الأبرز من توقيع “وثيقة قرطاج” التي نصت على الأولويات التي ستراهن عليها حكومة الوحدة الوطنية طيلة فترة أخذها بزمام الأمور و تشريك جل الأحزاب و المنظمات الوطنية على غرار المنظمة النقابية الأكثر تمثيلا في البلاد “الاتحاد العام التونسي للشغل” ، هو خلق جو من الإستقرار على الساحة السياسية خال من كل ما من شأنه تنغيص عجلة سير مؤسسات الدولة بعيدا عن الاضرابات والتصدعات …إلا أن الأمور لم تسر كما قد سطر لها ..

و لئن لا يزيد عمر حكومة الوحدة الوطنية عن عام و نيف ، فقد شهدت هذه الفترة القصيرة صراعات متواترة بين المنظمة الشغيلة و الحكومة قطعتها فترات هدوء و استقرار لتتراوح العلاقة بين الطرفين بين كر و فر..

و من الجليّ أن الفترة القادمة لن تقلّ احتدامـا على الساحة الاجتماعية ، في ظلّ جملة الإجراءات الخانقة التي تعتزم الحكومة تنفيذهـا على أرض الواقع من أجل خلق توازن على الصعيد المالي من شأنه أن ينفّسها نسبيّا ، أَقَلَّه في عام 2018 .. إجراءات من شأنها أن تؤثّر بدرجة أولى على الطبقة المتوسطة فأدناها من الموظفين في خضمّ استمرار تدنّي القدرة الشرائية للتونسيين أمام تواصل ارتفاع نسبة التضخّم ..

و بين شدّ و جذب ، تتواصل المفاوضات الإجتماعية بين الطرف الحكومي و الطرف النقابي ممثلا في اتحاد الشغل ، حول أشد المسائل شحنا هذه الأيام من أجل الحفاظ على تماثل كفّتَي الميزان حفاظا على الإستقرار الإجتماعي ..

و قد أكدت المنظمة النقابية مؤخرا أنها “تتعاطى بمرونة كبيرة” مع الحكومة صلب لجنة 5+5 رغم الضغوطات المسلطة عليها لتفعيل الاتفاقيات المعطلة ، و ذلك تفاديا لأي تصادم بين الطرفين في هذه المرحلة الحساسة و الصعبة .

و في خضمّ هذا الشأن ، نوّه الامين العام المساعد للإتحاد العام التونسي للشغل منعم عميرة ، في حديث مع صحيفة المغرب ، أن الاتحاد يروم الاستقرار الإجتماعي في مفاوضاته مع الحكومة ، مشيرا إلى أن المنظمة العمالية لا تتحمّل وحدها وزر ذلك .

و لعلّ أبرز ما يشغل المنظمة الشغيلة هو ملفّ الوظيفة العمومية ، زد على ذلك ملفي التشغيل الهش و إعادة توظيف الأعوان العموميين ؛ ملفات جدّ متشعّبة كانت الدافع لإحداث اللجنة العليا للمفاوضات بين الحكومة وإتحاد الشغل بناء على ما نصّت عليه وثيقة قرطاج من إلتزام الحكومة بتطبيق الإتفاقيات المبرمة بين الطرفين .

و قد لفت عميرة ، في هذا الصدد ، إلى ان المسألة كانت صعبة منذ الانطلاق باعتبار أن عديد الملفات لم تكن جاهزة ، ولكن الإشكال الاكبر هو غياب الوزراء حيث يقتصر الحضور في الغالب على وزير الشؤون الإجتماعية وكاتب عام الحكومة ووزير التشغيل بصفة عامة في مقابل تغيّب وزير المالية الذي يعرقل تقدّم أشغال اللجنة.

و في سياق متصل ، نوه الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل بأنه فيما يتعلق بالاتفاقات المعطلة في الوظيفة العمومية تم التوصل إلى إتفاق بتفعيل حوالي 60 % منذ إحداث اللجنة في 10 مارس في حين تم التطبيق الفعلي لـ20 % من الإتفاقيات التي كانت معطّلة فيما لم يقع بعد تفعيل الـ40 % الأخرى ولكن وضعنا آجالا لتفعيلها داخل اللجنة المضيّقة ، مشيرا في السياق ذاته إلى أن هذه التعطيلات قد أثرت على المناخ صلب عديد القطاعات المعنية .

هذا و لفت في هذا الصدد إلى أن الاتحاد يعيش ضغطا أكثر من الطرف الحكومي ولكن نظرا للوضع المالي الصعب في البلاد ، فإن المنظمة النقابية تسعى الى تجنّب إحتقان اجتماعي وتبدي أكثر مرونة في التعاطي مع الحكومة حتى لا تصل الى التصادم في هذه المرحلة الصعبة.

هذا و شدد المسؤول النقابي إلى ان الاتحاد يفسح مجالا كبيرا للحوار ويستوفي كل مراحله ولكن في حال أوصدت الأبواب فلا خيار له سوى فسح المجال أمام القطاعات للنضال لتحقيق مطالبها.

أما بخصوص ملف الانتدابات في الوظيفة العمومية ، فقد أبرز عميرة أنه يعدّ أحد الإشكالات الدائمة بين الطرفين الحكومي و النقابي ، مؤكدا ، في هذا الإطار ، ان كتلة الاجور غير مرتفعة كما ان الأجور في تونس هي الادنى بين بلدان البحر الأبيض المتوسط، عكس ما أكده صندوق النقد الدولي .

و أشار ، على صعيد متصل ، إلى أن قول الحكومة بان عدد الموظفين العموميين كبير ويصل الى 630 ألف لا يستوي فوزارات التربية والتعليم العالي والدفاع والداخلية يحتكرون حوالي 440 ألف موظف، وهو ما يفسّر مطالب كل الوزارات بالإنتدابات حيث لا توجد أي وزارة لم تطالب بإنتدابات خلال إعدادها لميزانيتها لسنة 2018.

هذا و اعتبر ان ما تضمنه مشروع قانون المالية لسنة 2018 من إجراءات “مجحفة” في حقّ الموظفين العموميين في حين ان مصلحة تونس لا تستوجب مزيد ضرب القدرة الشرائية للموظف العمومي.

عموما ، رغم عديد المسائل و الملفات العالقة ، يحرص اتحاد الشغل على خيار الحوار و مبدإ التوافق مع الطرف الحكومي ، تجنّبا لأي احتدام متوقع ، سيّما في مثل هذه المرحلة الحساسة التي تقتضي تضافر كل الجهود من أجل تحقيق المصلحة العامة .

و كان الناطق الرسمي باسم الاتحاد العام التونسي للشغل سامي الطاهري قد أكد في تصريح إعلامي سابق حرص المنظمة الشغيلة على مبدأ الحوار ، و قال «إن المرحلة الحالية التي تمر بها تونس هي مرحلة انتقالية قد تطول لسنوات أخرى مما يجعل فكرة التوافق مهمة للغاية بالرغم من وجود بعض الأطراف التي تدفع إلى ضرورة الحسم بالأغلبية و بالصندوق باعتباره أحد وجوه تجسيم الانتقال الديمقراطي، لكن يبقى التوافق ضرورة تمليها المرحلة الحالية».

هذا و أكد أن اتّحاد الشغل قد ساهم في الوفاق منذ الحوار الوطني ودعا في كل القضايا الكبرى إلى ضرورة مناقشتها مجتمعيا لتكون فيها رؤى فيها أكثر ما يمكن من إجماع ، مشيرا إلى أن الاتحاد قد نجح في عديد المناسبات و ذلك لانتهاج سياسة الحوار مع الطرف الحكومي .

في المقابل ، ذكر الطاهري أن وثيقة قرطاج باعتبارها ورقة سياسية تضمنت العديد من المضامين التي تصب كلها في مصلحة البلاد ، ولكن هناك عوائق اليوم في بقاء وثيقة قرطاج مؤثرة و سارية المفعول و أبرز هذه العوائق هي عدم التزام الحكومة بها بالمقابل لا توجد أطراف أخرى تساندها و تدعمها بل هناك انسحابات، و بالتالي فإن وثيقة قرطاج اليوم كورقة سياسية لم تعد الوحيدة الكفيلة بإخراج تونس من الأزمة الخانقة التي تعيشها ، وفق تقديره .

و بالتمحيص في شكل العلاقة منذ تسلم حكومة الشاهد لمهامها في 26 أوت 2016 ، فإننا نجد حيادا على الخط بعد يوم واحد من تنصيبها ، فقد أصدر المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل في 27 أوت 2016 بيانا أوضح فيه معارضته لبعض الإجراءات المُعلنة من ضمنها تجميد الانتداب في الوظيفة العمومية والتلويح بالتفويت في المنشآت العامة واتخاذ تدابير استثنائية للحد من النفقات العمومية.

و عبر الاتحاد في ذات البيان عن تحفظه على التركيبة الحكومية، مشيرا إلى أنها ”لم تَخلُ من الترضيات الحزبية وضمّت بعض الأسماء التي لا علاقة لها بطبيعة المرحلة“.

كما جدد الاتحاد التنبيه إلى أن وثيقة قرطاج تعد المرجع الوحيد الذي ينظم علاقته بالحكومة الجديدة.

و لم تمض أيام قليلة على ذلك ، حتى ركن يوسف الشاهد الى التهدئة و استدعى الأمين العام السابق لاتحاد الشغل حسين العباسي انذاك ، ليكون بذلك اول لقاء يجميع رئيس حكومة الوحدة النقابية و الأمين العام لأكبر نقابة بالبلاد يوم غرة سبتمبر 2016 ، وشكلت المعارضة النقابية للبرنامج الحكومي الجديد المحور الطاغي على اللقاء، الذي انتهى بإعلان العباسي التوصل إلى اتفاق مع رئاسة الحكومة بخصوص استئناف الانتدابات في القطاع العام خصوصا الصحة والتعليم.

التراجع الحكومي عن جزء من القرارات المُعلنة عكس توجها نحو التهدئة وتجنّب منطق الفرض منذ البداية ، خصوصا وأن الفريق الحكومي الجديد انذاك مازال يخطو خطواته الأولى…

و على ذلك المنوال ، تواصلت العلاقة بين الحكومة و الاتحاد العام التونسي للشغل بين كرّ و فرّ ، مبنيّة على أساس التوافق ، و تتخللها فترات جدّ مضطربة في ظلّ المتغيرات التي تشهدها البلاد على الساحة الاجتماعية بالخصوص ..