سياسة

الأربعاء,16 أغسطس, 2017
طبيعة المجتمع…سؤال للإستقطاب الثنائي و الإستثمار السياسي فحسب

قبل أربعة أشهر عن موعد الإنتخابات البلدية ، عادت بعض الأطراف إلى مربع الترويج لثنائية الإستقطاب في الساحة السياسية يظهر ذلك بالأساس في المسافة الفاصلة بين القوى السياسية أي في حجم الخلاف و الإختلاف و عمق الهوة التي تفصل بين مكونين و عندما يزداد حجم الفوارق الى درجة التناقض الكامل ، تصبح المسافة الفاصلة بين القوى السياسة عصية عن التقلص و يصعب حلها بالحوار او التوافق ويصبح الصراع و الإحتدامي في هذه الحال البديل الوحيد.

وعايشت تونس خلال السنوات الماضية ، اشد مراحل الاستقطاب الثنائي في الساحة السياسية ما اوصله الى انفجار ذلك الوضع مع بداية سنة 2013 والدخول في مرحلة تصفية الاخر بدل التحاور معه.

و يقول اليدبلوماسي السابق و المحلل السياسي عبد الله العبيدي ، أنّ الاستقطاب الثنائي في تونس مسترسل و لم يتوقف ، مؤكدا ان كل حركة سياسية تهدف إلى كسب الأنصار وهو ما اعتبره في صميم النشاط السياسي.

و اضاف في حديثه مع ” الشــاهد” ، ان من أسباب إستفحال عملية الإستقطاب أن بعض الدوائر السياسية أصبحت تشعر أنها مهددة بسبب تصرفات زعمائها الذين أصبحوا يبحثون عن تحالفات خارج دائرة وثيقة قرطاج.

و أكد الديبلوماسي عبد الله العبيدي، ان الرؤى قد تتعدد لتسمح بحدوث إستقطاب ثنائي بين رؤيتين و أكثر ، إذ يمكن ان يحدث أستقطاب ثلاثي و ليس ثنائيا فحسب و يمكن ان ينتج ذلك الإنقسام تشتت مجتمعي ، مشيرا إلى ان اللعبة ” الكبرى ” التي يخوضها السياسيون ، تتجاوز في بعدها العام مفهوم الإستقطاب لتفتح جبهة كبيرة على أبعاد كثيرة ستظهر معالمها في المستقبل القريب، على حدّ تعبيره .

الباحث سامي براهم ، اكد بدوره ، ان طرح المواضيع الحساسة في البلاد على غرار مبادرة الرئيس الاخيرة الداعية للمساوة في الميراث بين الرجل و المراة من شانها ان تعمق من حدة الصراعات و تشرع الباب لعودة ما يسمى بالاستقطاب الثنائي.

و حذر في حديثه مع “الشاهد” من تبعات هذه القرارات و التي من شانها ان تخلق فوضى غير متناهية و تعيد للساحة الصراع حول الهوية .

و أكد في ذات السياق ، ان هذه المبادرة لا تغدو سوى حملة انتخابية سابقة لاوانها لصالح أطراف سياسية

و كان لسياسة الإستقطاب التي مورست في تونس في أواخر سنة 2013 تداعيات إلى مختلف القطاعات اذ لم يتضرر القطاع السياسي فقط وانما اثرت على الاقتصاد والمجتمع حيث ان «الحرب» السياسية بين مكونات المشهد الحزبي لم تكتف بالساحة السياسية وانما انتقلت الى كل المجالات.

اليوم عاد خطاب الاستقطاب الثنائي مع اقتراب الانتخابات البلدية بل انه هناك تحالفات تبنى اليوم على هذا الاساس «مع او ضد تحالف النهضة والنداء » (جبهة الانقاذ و آفاق تونس مثالا ) وكذلك «مع او ضد خصم سياسي معين» (مثلما يحصل مع أحزاب المعارضة).

وكان المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي قد أكد أن صعود جبهات على غرار جبهة “الإنقاذ والتقدم” كرقم جديد يحاول ان يفرض نفسه في المعادلات السياسية ويطمح إلى تعديل الكفة مع حركة النهضة فإن درجة الحرارة الإيديولوجية والسياسية ستكون عالية في المرحلة القادمة لذلك سنشهد تصاعدا في لهجة الخطاب وفي تبادل الاتهامات من أجل “تشكيك الكل في الكل” وسعي كل الأطراف إلى كسب ثقة الناخبين الذي تبدوا ثقتهم في الجميع تكاد تكون ضعيفة”.

وتوقع محدثنا في تصريح سابق اتساع هوة هذه التجاذبات التي ستشهد مزيدا من القوة كلما اقترب موعد الاقتراع خاصة وأن الانتخابات التونسية المتتالية قد شهدت حالة من الاستقطاب القوي بحكم وجود حركة النهضة من جهة واليسار التونسي الممثل في الجبهة الشعبية من جهة أخرى.

و لم تقفل الانتخابات التشريعية لسنةَ2014 الباب أمام ازدواجية الإستقطاب ، بقدر ما فتحت نوافذ تشرع لعودة التجاذبات والخلافات معولة بذلك على نعرات السياسين و حبهم اللامتناهي للسلطة و التي ينتهجون في سبيلها كل السبل حتى الميكيافيلية منها .

و هناك من الأحزاب الناشئة في تونس لا تعرف بنفسها من خلال تاريخها النضالي او برنامجها المستقبلي بل من خلال تموقعها كبديل او حليف او معارض موارية بذلك عجز برنامجها او الفكرة المقدمة و حدث هذا تحديدا مع حزب تونس أولا الذي ركزت قياداته في الندوة لصحفية التي خصصت للإعلان الرسمي للحزب ، عن مناهضتهم للنهضة و النداء اكثر من حديثهم عن برنامج الحزب و عن أهدافه .

كثيرة هي مؤامرات الإستقطاب و قليلة هي البرامج الانتخابية ، و لكن الشعب التونسي بلغ من العمر السياسي ما يكيفيه لميز الغث من السمين و الخبيث من الطيب و آن الأوان ان تعرض الاحزاب برامجها الانتخابية بدل ان تتركز على صراعاتها التنحارية.