بالمناسبة

الإثنين,31 يوليو, 2017
صمد المقدسيّون و لم يغلق باب مدينتهم

انتشرت رائحة المأكولات المقدسية، عند تقاطع طريق باب المجلس وعقبة التكية في طريق الواد داخل أسوار البلدة القديمة في القدس، إذ توافد المئات من المرابطين على مخبر أبو زيد الصواف الذي فتح أبوابه لتقديم المعجنات والكعك المقدسي للمرابطين والمصلين على بوابات المسجد من دون مقابل، دعماً لصمود ونضال أهل فلسطين في مواجهة الإجراءات الأمنية التي فرضها الاحتلال على المسجد الأقصى.
 
ويعد مخبز الصواف إحدى علامات البلدة القديمة إذ يعمل منذ أكثر من 40 عاما، وعمد صاحبه إلى فتح أبوابه على مدار الساعة، ليل نهار، خلال فترة رباط المقدسيين، من أجل تقديم الطعام للمرابطين، الذين سرت بينهم حالة عارمة من اللحمة والتكاتف، كما يقول أبو زيد الصواف مالك المخبز، والذي كشف عن تشكيل المقدسيين لجنة جمعت المال واتفقت مع التجار من أجل تقديم كل ما يلزم للمرابطين من طعام وشراب، وحتى اللباس إن لزم الأمر، كما فتح أهالي شارع الواد بيوتهم لكل من احتاج إلى مساعدة، وخصوصاً أثناء الاشتباكات وإطلاق قنابل الغاز والصوت.
 
يقول الصواف :”مخطئ من ظن أن المقدسيين نائمون، نحن مقموعون ومضغوطون، إسرائيل هدّت حيلنا من إجراءاتها كل يوم، ضريبة أرنونا (رسوم الأملاك) وتأمين وضريبة دخل، عدا عن فرض مخالفات مالية متكررة على التجار، ووصل الأمر إلى اعتقال التجار المقدسيين وإغلاق محلاتهم التجارية في عقاب جماعي بحجة عدم تقديم المساعدة لليهود في حال حدوث عمليات داخل البلدة القديمة. البوابات الإلكترونية كانت شرارة للأحداث وعملية آل جبارين ذريعة ليس أكثر، وجاء الوقت حتى نتحرك”.
 
ولا يشعر الصواف بالحزن أو الخوف من أية خسائر مادية، “إذ يمكن تعويض كل شيء، لكن الأقصى من سيعوضنا عنه لو ضاع منا كما ضاع المسجد الإبراهيمي في الخليل، وإذا قبلنا بإغلاق باب حطة اليوم كان سيتم تدريجيا إغلاق بقية الأبواب، كما حصل في باب المغاربة الذي منعنا من الوصول إليه أو الدخول منه لباحات الحرم الشريف” وفق ما قاله الصواف داعيا إلى عدم اقتصار التغطيات الإعلامية على الأحداث الراهنة فقط، قائلا “في كل يوم هناك انتفاضة داخل أسوار القدس، خصوصاً في ظل وجود البؤر الاستيطانية والاحتكاك المستمر، عدا عن تكرار العمليات الاستشهادية في هذا الشارع منذ عملية الشهيد مهند الحلبي”.
 
إصرار على المقاومة رغم الإصابات
 
لم يمنع عنف الاحتلال المفرط الشاب محمد ورفاقه الذين يقل عمر بعضهم عن 12 عاما، من الحضور يوميا للدفاع عن الأقصى، كما يقول، قبل أن يضيف “من ضعفهم جابوا الخيالة يضربونا، إلي نازل على الأقصى وطلب الشهادة مش راح يخاف من دبسة ولا قنبلة غاز ولا صوت، ولو بتصاوب 10 مرات راح اضل هون مرابط بالأقصى أنا وصحابي، الأقصى عمره ما هيتقفل طول ما احنا على قيد الحياة”.
 
وأضاف الشاب الذي رفض ذكر اسمه كاملا خوفا من اعتقاله كونه أحد المصابين خلال فترة الرباط أمام باب الأسباط: “كان لازم نتحرك من زمان، الأقصى يدنس كل يوم حتى صار الأمر عاديا بالنسبة للناس، واقتصرت الأمور أنه ينزل الشاب ويتصور سيلفي ويقول الأقصى خلفي، أما الآن فقد اختلف الوضع كل الشباب اتوحدت لنجدة ونصرة الأقصى لما حسوا إنه راح يروح من بين إديهم”.
 
وسيطرت على أجواء القدس وقت مواجهة الاحتلال حالة تشبه أيام العيد والموالد النبوية، بحسب تعبير محمد، متابعا “الكل نزل على الأقصى رجال نساء أطفال شيوخ، من يصلون ومن لا يصلون، شباب ونساء وأطفالا وشيوخا وشبابا الكل فرحان لما دخلنا الأقصى”.
 
شعور الفرحة بالدخول إلى الأقصى كان رائعا، بحسب ما قالت الحاجة الستينية أم خضر الجعبري والتي تصر على الرباط في المسجد الأقصى منذ 35 عاما قائلة “لم نعتد أن تغلق بوابات الأقصى أمام كبار السن، كل يوم باجي على الأقصى من 35 سنة وفي الأحداث منعوني أدخل، الله جبر خاطرنا واستجاب للمرابطين، نتنياهو طلع على فشوش”.
 
استهداف الصحافيين والمسعفين
 
تعرض الصحافيون والمسعفون الفلسطينيون إلى استهداف ممنهج من قبل قوات الاحتلال أثناء عملهم على تغطية أحداث المسجد الأقصى، ومن هؤلاء مراسلة فضائية القدس رناد الشرباتي، والتي أصيبت الخميس الماضي داخل باحات المسجد الأقصى، عقب إطلاق قوات الاحتلال قنبلة صوت باتجاهها، هي وزملاؤها الذين تم توثيق إصابة 3 آخرين منهم أثناء عملهم، وهو ما يخالف قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلقة بحماية الصحافيين في بؤر النزاعات المسلحة.
 
وتؤكد رناد أن الشارع المقدسي كان متوحدا وهو من قرر ونفذ خطة المواجهة، التي جرت تحت مظلة المرجعيات الدينية، في ظل غياب الفصائلية والحزبية عن الساحة.
 
ووصفت رناد مشاعرها في لحظات فتح بوابات المسجد الأقصى، بـ”المختلطة” بين الفرح والخوف في ذات الوقت، قائلة: “الناس كانوا بالآلاف، ومع ذلك لم تتردد إسرائيل في إطلاق قنابل الغاز وغاز الفلفل الحارق على الجموع المحتشدة”، مضيفة: “كل قنبلة صوت أو غاز كان يتم إلقاؤها كانت تحدث إصابات مباشرة بين 5 أو 7 أشخاص، حتى أنني رأيت مصابين يسعفون مصابين”.
 
وأعلن الهلال الأحمر الفلسطيني، الجمعة الماضية، عن استشهاد ثلاثة فلسطينين وإصابة 377 خلال المواجهات في القدس والضفة الغربية، وعمل المسعف المتطوع في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أحمد الهواش إلى جانب 150 من زملائه المسعفين وضباط الإسعاف وسائقي سيارات الإسعاف، مؤكدا أن قوات الشرطة والجيش لم ترحم أحدا ولم تفرق بين صغير وكبير، رجل وامرأة، حتى أنه وزملاءه رصدوا إصابة أطفال أعمارهم بين ثمانية أعوام و12 عاما، قائلا “في أثناء اشتداد المواجهات كنا نحمل 6 و7 إصابات معاً في سيارة الإسعاف، إذ كانت الشرطة تمنع دخول سيارات الإسعاف في بعض الأوقات ما يضطرنا إلى تكديس المصابين فوق بعضهم بعضاً”.
 
ووزع ضباط الحركة في مواقع المواجهات في محيط المسجد الأقصى الفرق الميدانية من المسعفين، مع التركيز على منطقة باب الأسباط وباب حطة، كما أشار الهواش، موضحا أن قوات الاحتلال حاصرت الإعلام في بعض المناطق مثل باب الأسباط، في حين كان الضرب أشد وأقوى في مناطق مختلفة مثل منطقة متحف روكفلر على حد قوله، مضيفا أن 20 مسعفاً أصيبوا في الميدان، في ظل استهداف واضح لهم من قبل قوات الاحتلال، بالإضافة إلى حالة كسر تعرض لها ضابط مسعف كانت عن سبق إصرار من قوات الاحتلال، “ولكن كل شيء يهون من أجل الأقصى” كما يقول هو ورفاقه المنتشون بسعادة لم تتوقف منذ تراجع الاحتلال أمامهم.