سياسة

الأحد,12 يناير, 2020
صفقات سياسية وملفات تحت الطّلب.. قضايا الفساد وسيلة للضّغط والمُناورة

قبل 48 ساعة من جلسة التصويت على حكومة الجملي، وجّهت الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفاسد مراسلة لرئيس الحكومة المكلف تقول إنّ بعض أعضاء الحكومة المقترحين عليهم شبهات فساد وبعضهم ثبت ضلوعه في ملفات فساد.

هذه المراسلة أثارت آنذاك جدلا واسعا كما كانت عنصرا مباشرا ومن مسبّبات إسقاط حكومة الجملي، حيث ان اتّهام اعضاء حكومة الجملي بالفساد كان السمة البارزة في مداخلات النواب، الذين استدلوا في مداخلتهم ببيان الهيئة المذكورة، التي اختارت بعناية فائقة توقيت التدخّل، ولكن مع ذلك تساءل الكثيرون عن أسباب عدم ذكر الهيئة لهذه الملفات قبل ذلك الوقت، ولماذا استكانت وتكلم رئيسها قبل يومين من عقد جلسة منح الثقة، ولماذا لم يتدخل شوقي الطبيب قبل ذلك الوقت؟ ولم يمنح وقتا اكثر للحبيب الجملي لتعديل تركيبته الحكومية والوقوف على هذه الملفات ومدى مصداقيتها، فهل جاء تقرير الهيئة لتوضيح الرؤية للجملي أم لإسقاط حكومته؟

من جانبه، أوضح شوقي الطبيب أن الحبيب الجملي عندما اجتمع به طلب منه التقصي والتثبت من مختلف الأسماء، مشيرا إلى أنه كان من المبرمج أن يرسل الجملي في طلبها لكن عندما تأخر التوقيت ولم تتصل مصالح رئاسة الحكومة لأخذ التقرير النهائي للتقصي الذي طلبته من الهيئة تم ارساله تلقائيا من قبل الهيئة، حسب تعبيره.

وأكد الطبيب أن التقصى في الشخصيات المرشحة لمناصب عليا في الدولة عرف معمول به وقد تم مع حكومة الحبيب الصيد حكومة يوسف الشاهد كذلك.

وشدد على أن الهيئة من مسؤوليتها التقصي في شبهات الفساد في القطاع العام والخاص والاتصال بالجهات المعنية في مرحلة أولى ثم إحالة الملفات إلى القضاء

وكان شوقي الطبيب قد وجه مراسلة للحبيب الجملي حول شبهات فساد تحوم حول عدد من المرشحين لحقائب وزارية وكتابات دولة، مشيرا إلى أن عدد المعنيين بالمراسلة 5 وزراء.

في المقابل، تتعرض هيئة مكافحة الفساد ومنذ سنوات لانتقادات كبيرة حيث اعتبر كثيرون أن دورها بات يقتصر على تحرير تقارير أشبه بالعمل الصحفي، لعبت فيها الهيئة دور التطبيع مع الفساد بل حتى تبييضه من خلال تثبيت تفشي الفساد في كل القطاعات وتغوّله دون رادع، في الوقت الذي لم تثبت فيه الهيئة أي عمل جدّي في مكافحة هذا الداء، بل أصبح استعمال الملفات وسائل ضغط سياسية، إذ لم يتأخر شوقي الطبيب رئيس الهيئة، في قلب الطاولة على الحبيب الجملي مستندا بذلك على ما قال إنه شبهات، وذلك ما دفع كثيرين إلى التأكيد أن ما يكشفه الناشط السياسي عماد الدايمي، بمفرده، يتجاوز بمراحل عمل هيئة مكافحة الفساد التي تغضّ النظر عن ملفات خطيرة، بل يشتبه في كونها أباحت تعريض حياة المبلغين عن الفساد إلى الخطر، والانتقام منهم.

الابتزاز واستعمال ملفات الفساد وسيلة ضغط ظهر كذلك مع رئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد الذي أسال التقاؤه مؤخّرا مع رئيس قلب تونس الكثير من الحبر، إذ أن الجميع يذكر التصريحات النارية التي اطلقها يوسف الشاهد عن نبيل القروي عندما كان منافسه في الانتخابات الرئاسية، إذ لم يتردد الشاهد آنذاك في وصف القروي بمرشّح المافيا، بل ذهب إلى ابعد من ذلك حينما اكد ان انتخاب القروي يمثّل خطرا وتهديدا لتونس.

ولا ننسى كيف خاض نبيل القروي حملته الانتخابية من وراء القضبان، متّهما يوسف الشاهد بالزجّ به في السجن وافتعال قضايا ضدّه في محاولة لتوريطه في مسار قضائي متشعب وإعدامه معنويا.

لكن ها نحن اليوم نشاهد تصالح الإخوة الأعداء كأن شيئا لم يكن، كما لو أنّ يوسف الشاهد لم يحذّر من انتخاب نبيل القروي وكما لو أن نبيل القروي لم يُزجّ به في السجن بتدخل مباشر وواضح من يوسف الشاهد، وها هو “محارب الفساد” يتصالح مع “الفساد” في إطار صفقة سياسية تضمن لكليهما نفوذا أقوى ومصلحةً دائمة.