شخصيات الشاهد - كتّاب

الجمعة,30 مارس, 2018
سهام ليست مسار العدالة الانتقالية ..لكن لمسة وفاء مستحقة في شخصها

رامي جبنوني

في ظل كل هذه المهاترات وبعد جلسات مجلس نواب الشعب الصاخبة وتلك الخطب النارية الموجهة من هنا وهناك والجدل العقيم الحاصل بخصوص التمديد لهيئة الحقيقة و الكرامة من عدمه واختزال مسار العدالة الانتقالية والانحراف به لوضعه على الرف أصبح النقاش يحوم حول شخص رئيسة الهيئة لذلك وجب وضع النقاط على الحروف والتذكير من خلال هذا “البورتريه” الذي يعتبر أيضا لمسة وفاء لسهام بن سدرين بمن هي هذه المرأة المناضلة  المشاكسة.

سهام بن سدرين رئيسة هيئة الحقيقة و الكرامة الشخصية الابرز والاكثر اثارة هذه الايام حيث جندت كل القوى التي ناصرت و شاركت في عمليات جلد الشعب من قريب او من بعيد لتشويه صورتها و نفي صفات النضال الذي اتسمت بها طوال سنوات الجمر،علهم يجدون سبيلا لهم كي يتمكنوا من دفن ماضيهم داخل قبور ضحايهم كما قال عنهم بعض نواب البرلمان.

سهام او “المرأة الحديدية” كما يصفها البعض او الايقونة عند البعض الاخر نجحت في تقسيم اعضاء مجلس نواب الشعب الى قسمين متباعدين، قسم مع مسار الثورة ومع معرفة الحقيقة، و قسم ضد كل هذا المسار و يتشدق بالحنين الى زمن الدكتاتورية. .

ويبدوا ان زعيمة مسار العدالة الانتقالية ببلادنا أوجعت من تصفهم في خطاباتها بأزلام النظام السابق حتى ثاروا لازاحتها بكل السبل المشروعة، و خاصة اللامشروعة حيث قاموا بتحدي المشرّع و ضرب فصول دستورية عرض الحائط من اجل عدم التمديد للهيئة التي ترأستها منذ السنوات الاربع التي مضت اي بعد انتخابها من قبل المجلس الوطني التأسيسي في جوان 2014 .

بن سدرين التي واجهت النقد من كل الاطراف السياسية في طريقة ادارتها للهيئة ، نجحت في اعادة التفاف القوى الديمقراطية باختلاف توجهاتهم حول نفس المسار مثل ما فعلوا في ثورة 2011 رغم اختلافهم معها في بعض الملفات.

رغم موقف سهام من قانونية الجلسة المخصصة للتمديد للهيئة من عدمه الا انها حضرت بوقارها و رصانتها غير المعتادة في بعض الاحيان ولم تحرك ساكنا عندما كال لها من تعتبرهم انصار النظام السابق كل تلك التهم وكأن لسان حالها كان يحدثهم في السر ويررد لهم المثل التونسي العامي:”وقتاش نولوا شرفة ..حتى يموتوا كبار الحومة”، لكن احدى نائبات الشعب (منية ابراهيم) قالت وبصوت عال ما اسرته سهام في نفسها .

احتفال نواب النداء (فرح و غناء) بعد مصادقتهم على عدم التمديد للهيئة ب65 صوتا يؤكد لنا ماهي الصورة التي يرون فيها بن سدرين و الخطر الذي يمكن ان يلحقهم جراء الملفات المكدسة في مكتبها بالطابق الخامس في مقر هيئة الحقيقة و الكرامة في نهج لاس في حي مونبليزير تونس العاصمة. !

من هي بن سدرين ؟

بقيت صاحبة الثماني والستين سنة بنفس حماس الماضي و بنفس القوة رغم التجاعيد الواضحة على وجهها لكن قصة شعرها الغربية تبرز تأثر بن سدرين بثقافة فرنسا التي سافرت لها في سن العشرين لمواصلة دراستها في جامعة تولوز ثم عادت من بعد لتصبح ناشطة سياسية ثم “حقوقية” زمانها كما يقال فقد اهتمت ابنة المرسى بمجال حقوق الإنسان بانضمامها للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان سنة 1979 و اصبحت عضوا في هيئتها المديرة عام 1985 لينتهي بها الأمر لتأسيس المجلس الوطني للحريات في تونس في 10 ديسمبر 1998 صحبة ثلة من الحقوقيين أين أصبحت فيه الناطقة الرسمية، هذه المنظمة الجديدة منعتها السلطات ولم تحصل على التاشيرة القانونية الا بعد ثورة 14 جانفي 2011.

عشقت صاحبة هذا البورتريه، الصحافة و اعتبرتها وسيلة من وسائل النضال حيث كانت مراسلة الصحيفة المستقلة لو فار (Le Phare)، وعند توقف صدورها، انتقلت للعمل كمديرة في صحيفتي المغرب العربي (Maghreb) وريالتي (Réalités) و بسبب احداث الخبز توقف صدور صحيفة المغرب العربي …
كل ممنوع مرغوب لدى سهام واصلت المسيرة في مجال الصحافة فاشرفت على جريدة الموقف المعارضة سنة 2000 و بعدها اسست صحيفة كلمة صحبة نزيهة رجيبة (أم زياد) و التي منعها نظام بن علي من النشر انذاك .

اما زوجها الناشط و الصحفي عمر المستيري فكان يدعمها في كل خياراتها و يطمح ان يكون ابناؤهم الثلاثة في نفس هذا النهج.. لم تكن علاقة زوجية روتينية بل رفقة في طريق النضال.

“ان التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الاخبار ولكن في باطنه نظر و تحقيق” كما يقول ابن خلدون…يطول الحديث على مسيرة صاحبة قصة الشعر الغربية لكن ماذا يخبيء المستقبل؟ هل سيرمي بها الى ميادين اخرى للنضال؟ام انه سيعطيها ورقة التقاعد او استراحة المحارب؟ …

السؤال الأهم في تقديرنا وموضوع الساعة هو مستقبل العدالة الانتقالية.هل ستنجح بن سدرين في المحافظة على الهيئة و تتحدى الكل من اجل كشف الحقيقة ؟
ام ستبكي الثورة في الشاشات المحلية و العالمية كما فعل صديقها الرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي بعد فشله في الانتخابات الرئاسية السابقة
ثم يُنسى مسار العدالة الانتقالية الذي حلم به من أعطاها صك على بياض رغم نرجسيتها المبالغ فيها في بعض الأحيان.