أخبــار محلية - مختارات

الأحد,24 سبتمبر, 2017
رغم حظر التسوّل في القانون التونسي .. عدد المتسوّلين في الشوارع والمرافق العمومية يتضاعف يوما بعد يوم

يعتبر التسول في تونس من الظواهر الاجتماعية التي ازدادت استفحالا  بعد ثورة 14 جانفي بفعل ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية وتزايد نسب البطالة والفقر، إلى جانب سعي البعض إلى تحقيق الكسب السريع والحصول على “اللقمة الباردة” .

و قد تفشت ظاهرة التسول لتضحي المناطق الحيوية بالعاصمة والمدن الكبرى تعج بالمحتاجين وأصحاب الإعاقة ممن اختاروا طريق التسول مضطرين بحثا عما يسد رمقهم غير أنهم باتوا يعانون منافسة غير متكافئة مع عدد كبير من المحتالين الذين  تدثروا بدثار التسول؛ متسولون مزيفون يتوانون عن استخدام الأطفال والنساء والشيوخ في هذا المجال وهو أيضا ما يسمى بتجارة الفقر..

 و في هذا الإطار ، بيّن الباحث في القضايا الاجتماعية الدكتور أحمد الأبيض، في تصريح اعلامي الجمعة 22 سبتمبر الجاري ، أن زيادة نسب الفقر والخوصصة مقابل تنامي ضغوط العائلة وانتشار عقلية المجتمع الاستهلاكي دفعت بالكثير إلى التسول من أجل توفير حاجياتهم.

من جانب آخر ، نوه الأبيض  باستغلال عديد الاطفال في ‘امتهان’ التسول ، معتبرا اياهم “أطفالا مجبرين على التسول إما من قبل العائلة أو بعض الأشخاص الآخرين الذين يقومون بتوزيعهم في عدة أماكن وخاصة أمام المساجد والمستشفيات ووسائل النقل العمومي حيث توجد تجمعات سكنية”.

بدوره ، أكد الأخصائي في علم الاجتماع محمد الجويلي ان هذه الظاهرة تكون في بعض الأحيان منظمة من قبل مجموعات تسغل بالأساس النساء والأطفال مركدا ضرورة تفكيك هذه الشبكات من أجل مقاومة هذا التيار.

وقد أضاف أن ظاهرة التسول أخذت إثر الثورة التونسية بعدا أكبر لأن المتسولين يرون أن الفضاء العمومي هو ملك للجميع، مبرزا أهمية مراجعة البرامج الاجتماعية التي يجب اعدادها حسب رأيه على أساس علمي بأخذ في الاعتبار أهدافا محددة بعيدا عن اي حسابات سياسية.

 و من جهته ، اعتبر الدكتور في علم الاجتماع وفي علم النفس الدكتور حبيب تريعة ان التسول في تونس قديم لكن النظام القديم كان ضاغطا حتى لا تبرز الصورة وتشوه صورة المجتمع التونس ، . وكي لا تتشوه صورة السياحة في تونس   ، مؤكدا  أن الظاهرة استفحلت بعد الثورة.

وأرجع ارتفاع عدد المتسولين إلى تراجع مستوى المعيشة كما تزايد الطمع والبحث عن الكماليات عند الجميع، واصبح البحث عن الكماليات لا يقترن ببحث عن الجد والعمل والتعب.. فالتسول طريق للربح دون مجهود يذكر.

وأشار إلى ان الاساليب المختلفة التي يستعملها المتسولون منها وجود من يتسول امام الجامع .. وفي محطات النقل وهناك من ينتقل الى مساجد معروفة يوم الجمعة ويكون رصيده اكثر من 150 دينار.

وأضاف قريعة  إن التسول قد اصبح حرفة ومهنة بعيدا عن الحاجة عند البعض. كما اشار الى وجود لوبيات ومافيات وفرق لكل اختصاصه ، معتبرا  ان الدولة لم تهتم بالتسول خاصة بعد الثورة إلى أن اصبحت ظاهرة مستفحلة وعادية وقد انتشرت خاصة في المدن الكبرى وحيث التجمعات السكانية والحركية.

وقد تفشت هذه الظاهرة وفاق عدد المتسولين 39 ألفا وفق احصائيات وزارة الشؤون الاجتماعية لسنة 2013 وحسب ما ورد في دراسة أحد المختصين في علم الاجتماع فإن هذه الظاهرة تعتبر نتاج وضعيات اقتصادية واجتماعية على اعتبار أن الطبقة المهمشة زادت وأصبح التسول أسهل طريقة لتامين القوت اليومي، اما عن ازدياد عدد النساء المتسولات بعد الثورة واختفاء الرجال تقريبا فهو اختيار مدروس الغاية منه استدرار عطف الناس والحصول على قدر كبير من المال.

تجدر الإشارة إلى أن وزارة الداخلية نشرت العديد من البلاغات الخاصة بتوقيف عدد من المتسولين وبحوزتهم مبالغ مالية هامة، خاصة وأن القانون الأساسي المتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص يمنع في فصله الأول استغلال الأشخاص والأطفال في التسول.

و خلال الأسبوع الفارط ، تمكن اعوان مركز الشرطة البلدية بجندوبة بالتنسيق مع الفرقة الجهوية للشرطة البلدية  من ايقاف احد المتسولين 71 سنة وسط المدينة و بتفتيشه تبين ان بحوزته 6451 دينار

 هذا وبمراجعة النيابة العمومية اذنت بإطلاق سراحه وعرضه لاحقا على القضاء وتامين المبلغ المالي المحجوز لدى القباضة المالية بجندوبة .

و لعلّ الحديث عن تفشّي ظاهرة التسوّل في تونس يعيد إلى الذاكرة ما جدّ في معتمدية جبنيانة في ولاية صفاقس في 2016 عقب عثور أهالي المنطقة على عشرات الملايين من المال وعقد ملكية ارض ودفتر ادخار وغيرها من القطع النقدية في بيت امرأة متسولة توفيت بسبب إصابتها بمرض السكري.

و تعود تفاصيل الحادثة إلى تفطّن الجيران  لغياب المراة المسنة التي امتهنت التسول بولاية صفاقس منذ حوالي ربع قرن، فقرروا اقتحام  بيتها الذي اضحت تنبعث منه رائحة كريهو فعثروا عليها جثة هامدة.

وعندما قاموا بتفتيش المنزل عثروا على ثورة تقدر بأكثر من 150 ألف دينار، بعضها لم يكن مستعملا وتجاوزته البنوك، وأخرى مخبأة في قوارير بلاستيكية وأراني المطبخ وغيرها، بالإضافة إلى رسم ملكية لقطع أرض وحساب بالبريد.

وقال أقارب المتسولة الثرية إنها قطعت علاقتها بهم منذ فترة وانطوت على نفسها ببيت صغير أحكمت غلقه في وجه الجميع، فيما قرر الورثة التبرع بجزء من الميراث لصيانة مدرسة بالمنطقة واقتسام الباقي.

هذه المراة تعد مثالا للمتسولين الذين كانوا يمتهنون التسول للمتعة لا غير، فلم تكن بحاجة إلى مواصلة استجداء المال من المواطنين التونسيين الذيم كانوا ربما أقل ثراء منها أو حتى كانوا من البسطاء الذين يسعون لسد رمق العيش بالعمل الشاق والجاد وعدم اللجوء غلى الطرق السهلة لجمع المال.

جدير بالإشارة أن القانون التونسي يمنع التسول ؛  إذ ينص الفصل 171 من المجلة الجزائية على معاقبة كل شخص يوهم ان به سقوطا بدنيا أو إصابات عضوية قصد الحصول على الصدقة بالسجن مدة ستة أشهر ويرفع العقاب إلى سنة لمن يستخدم في التسول طفلا سنه أقل من 18 سنة ويرفع العقاب إلى ضعفه إذا تم الاستخدام في شكل جماعي منظم.