أخبــار محلية

الأحد,24 ديسمبر, 2017
رغم اتهامها بـ”إهدار المال العام وتعطيل مسار العدالة الانتقالية”… لا القضاء يردع سهام بن سدرين ولا لجنة مكافحة الفساد تراقبها

يشهد المسار الانتقالي التونسي تباطؤا كبيرا، أرجعه مراقبون الى ما يشهده الوضع العام التونسي من تجاذبات سياسية عطلت تركيز عدد من الهيئات الدستورية من جهة، وتعثر عمل هيئات تم تركيزها من جهة أخرى وتُعد هيئة الحقيقة والكرامة أبرز مثال على ذلك.
هذه الهيئة، التي لا تعد من الهيئات الدستورية الدائمة، والمحدثة بمقتضى أحكام القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها، لئن تقدمت نسبيا في إنجاز المهام الموكولة إليها، سيما على صعيدي جمع وتبويب ملفات ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وإطلاق جلسات الاستماع العلنية للضحايا، إلا أن كثيرا من الجدل مازال يرافق مسار عملها، على خلفية تركيبتها ومنهجية عملها، وخاصة الاتهامات المتعلقة بشبهات فساد تلاحق رئيستها.
وشهدت الهيئة منذ انطلاق أعمالها أزمات متتالية، وخلافات حادّة بين أعضائها وكذلك انسحابات واتهامات متبادلة وصلت حدّ نشر غسيل الهيئة الداخلي، ظل أخطرها شبهات الفساد التي تلاحق رئيستها سهام بن سدرين، واتهامات باهدار المالي العام من قبل أكثر من طرف.
حول الدور الرقابي الذي يمارسه مجلس نواب الشعب، قالت عضو لجنة الإصلاح الإداري و الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد و مراقبة التصرف في المال العام، كلثوم بدر الدين، في تصريحها للـ”شاهد”، أن مسألة الاتهامات التي تلاحق بن سدرين لم تُطرح صلب اللجنة، ولم تتناولها اللجنة ضمن مداولاتها التي قالت إنها لم جلستين، كانت احداهما افتااحية فيما خصصت الثانية الى الاستماع الى رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.
وعن تقدم قرار اربعة اعضاء من الهيئة هم كل من علا بن نجمة وعلي رضوان غراب وصلاح الدين راشد وابتهال عبد اللطيف، أكد صلاح الدين راشد في تصريحه للـ”شاهد”، أن القرار اُلغي بعد ابرام صلح بين الطرفين، على ضوء نقاط لم تتحقق بعد، مشيرا الى إمكانية المضي فيه مرة اخرى.
وفي ما يتعلق بالاتهامات الموجهة لرئيسة الهيئة حول وجود شبهات فساد مالي، رفض راشد التعليق عليها.
وكان الاعضاء الاربعة قد قرروا في سبتمبر الماضي، مقاضاة بن سدرين من أجل ما اعتبروه إشاعات وتشهيرا واتهامات كاذبة وجهتها لعضو الهيئة ابتهال عبد اللطيف.
واعتبروا في بيان لهم أنّ ما اصدرته بن سدرين محاولة يائسة منها لتحويل وجهة الرأي العام عن التجاوزات الخطيرة التي تقوم بها أو تسمح بها داخل الهيئة والتي تضمّنها على سبيل المثال تقرير القاضية عفاف النحالي المنشور بموقع المرصد التونسي لاستقلال القضاء بتاريخ 6 سبتمبر 2017.
من جهتها، وصفت الاستاذة في القانون الدستوري سلسبيل القليبي في حديث للـ”شاهد”، هيئة الحقيقة والكرامة بالمشكلة الكبرى، لأنها لم تخفق فقط في القيام بالمهمة التي بٌعثت من أجلها والمتمثلة في “تصفية الماضي والتصور لمستقبل مشترك”، بل الأخطر أنها أعطت انطباعا سيئا للغاية عن بقية الهيئات وشوهتها لدى عموم التونسيون ولدى السلطة نفسها التي يبدو انها ندمت على بعث مثل هذه الهيئات.
ولفتت القليبي إلى ان رئيسة الهيئة اعتبرت نفسها فوق القانون وفوق المساءلة، وصلت حد رفضها الامتثال لقرارات قضائية، في الوقت الذي كان يفترض بها أن تكون قدوة لبقية الهيئات، داعية إياها إلى دعم الديمقراطية وأن لا تخالف القانون لأنها أعطت رسالة سيئة جدا عن بقية الهيئات”.
وقد أثارت جلسة مناقشة ميزانية هيئة الحقيقة والكرامة جدلًا كبيرًا في البرلمان، حيث اتهم ممثلوا أحزاب الائتلاف الحاكم، رئيسة الهيئة سهام بن سدرين بـ”الفساد” وتقسيم التونسيين وتعطيل مسار العدالة الانتقالية، فيما دعت كل من حركة النهضة وبعض نواب المعارضة إلى التهدئة وعدم اختزال مسار العدالة الانتقالية في ابن سدرين، التي دافعت عن طريق عمل الهيئة متهمة عددا من المؤسسات الحكومية والقضاء بعدم التعاون معها.
هذا واتهمت مكونات من المجتمع المدني تضم جمعيات ومنظمات وطنية على غرار رابطة قدماء الاتحاد العام التونسي للطلبة وجمعية مناضلات تحدين القضبان والرابطة التونسية للحقوق والحريات والجمعية الدولية للدفاع عن المساجين السياسيين، رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة بالفساد المالي والإداري، إذ حمّلتها مسؤولية تعطيل بعث “صندوق الكرامة” الذي يتكفل بصرف التعويضات المادية لضحايا النظام السابق.
و أكدت المنظمات أن بن سدرين تتلكأ في بعث صندوق الكرامة لجبر الضرر المادي من أجل تحقيق أهداف سياسية.
و قد رفضت سهام بن سدرين مشروع القانون بتعلة أنه “لا يحقق تطلعات الضحايا ولا يضمن لهم سبل عيش كريم ولا يهتم بالتنمية وحقوق الضحية” ، و هو ما شككت فيه الجمعيات المشاركة في الندوة الصحافية ، مؤكدة أن المبررات التي سوقتها بن سدرين لرفض مشروع قانون إحداث صندوق الكرامة ليست سوى تعلات واهية، مؤكدة أن رئيسة الهيئة تتعمد التلكؤ وتعطيل الجبر المادي للمتضررين تنفيذا لأجندات سياسية، في ظل خلاف حوله مع وزارة المالية.
و يؤكد مراقبون أن الخلاف بين الهيئة و وزارة المالية يتمحور حول الجهة التي تشرف على الصندوق ؛ إذ في الوقت الذي تتمسك به هيئة بن سدرين بأحقيتها في الإشراف على صندوق الكرامة، ترى الحكومة أنه بما أن عمل الهيئة ينتهي بعد عام من الآن فمن غير الممكن إدارة الصندوق لفترة محددة، إذ أن مبالغ مالية هامة سيتم ضخها له.
و كانت سهام بن سدرين قد وعدت ضحايا الاستبداد بإصدار أمر إحداث صندوق جبر الضرر في شهر مايو الماضي، لكن “تمسكها بخضوع الصندوق لتصرفها حال دون ذلك”.
و استنكرت المنظمات الغاضبة تمتع رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة بالعديد من الامتيازات من بينها سيارة إدارية فاخرة وإنفاق الأموال العمومية على الدراسات والاستشارات والسفر داخل البلاد وخارجها، في الوقت الذي تعطل فيه حصول المتضررين من ممارسات النظام السابق على مبالغ مالية لم تعترض الحكومة على صرفها.