كتّاب

الجمعة,30 نوفمبر, 2018
خلال اجتماع مجلس الامن القومي:الرئيس و النداء يقصفان النهضة ب”القنابل الصوتية”لليسار

بقلم خليل الحناشي
بدأت الخيوط “المتينة” للانقلاب الذي تحدث عنه سليم الرياحي الامين العام لنداء تونس في التفتت سيما في علاقة الانقلاب بمؤسسة الامن الرئاسي ، ولم يتوقف الامر عند هذا الحد بل تجاوزه الى اتهام رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي بالوقوف وراء” القنابل الصوتية” التي اطلقها الرياحي خلال إطلالته التلفزية على قناة “فرانس 24” و القضية المرفوعة امام انظار القضاء العسكري.
تهمة نتاقلتها اكثر من شخصية سياسية و حقوقية وذلك في محاولة من الباجي لفرض الانضباط على كل من رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي تجازوه في عدة ملفات ،بالإضافة الى حركة النهضة التي لم تعد تدعم الباجي قايد السبسي في حربة على رئيس الحكومة بعد ان بات مقلقا لتطلعات السبسي للحكم من خلال تصدير نجلهم حافظ قايد السبسي كمقدمة سياسية لمرحلة ما بعد الباجي. 
إشارات التقطها الباجي و المحيطون به لتتحول معها البلاد الى رهينة صراع من اجل الحكم ،حكم يرى فيه الباجي أولوية ضمان بقاء ابنه ،مقابل رفض واسع لمساعي التوريث التي كشفتها قيادات حتى من داخل النداء نفسه.
ومع فشل الرئيس في توظيف البرلمان للإطاحة بالشاهد وعجزه عن استعمال الفصل 99 من الدستور لقلة المحيطين به برلمانيا ،دخل فخامة الرئيس المربع الامني و القضائي في محاولة جدية لإلهاء النهضة و دفعها الى رفع يدها عن الشاهد ،و امام اصرار حركة النهضة على دعم الاستقرار السياسي و الحكومي ،تحول التوافق بين الشيخين الى جملة من الملفات الامنية و القضائية لم يتوان فيها الرئيس في استعمال الأسلحة الثقيلة لإستعادة مجد و هيبّة ضاعت في زحام الخلافات بين القصرين (قرطاج و القصبة)
فوبيا الانقلاب
لم تخل مداخلة الناطق الرسمي باسم الادارة العامة لامن الرئاسي على لسان ناطقها الرسمي أنيس المقعدي من التعبير عن استنكارها للتهم التي وجهها سليم الرياحي للامن الرئاسي بالمشاركة و التخطيط للانقلاب على رئيس الجمهورية
وقال المقعدي أثناء حضوره التلفزي على قناة الحوار التونسي امس الاول ان الزج بالامن الرئاسي في خلاف سياسي امر غير مقبول ،معتبرا ان اتهام الرياحي لمدير الامن الرئاسي مراد مرادع حماقة و تصابي
و تعهّد الناطق الرسمي باسم الادارة العامة الامن الرئاسي أنيس المقعدي بمتابعة الشكاية الى النهاية و اتهام جهاز الامن الرئاسي لن يمر مرور الكرام و سنأخذ حقنا من تشويه الرياحي لنا .
اتهام الرياحي لهذه المؤسسة بالتحضير و المشاركة في انقلاب محتمل  سرعان ما عالجته الناطق الرسمي باسم نداء تونس أنس الحطاب التي اعتبرت أن إدراج اسم مدير الامن الرئاسي في قضية الانقلاب إنما جاء كشاهد و ليس كمتهم وهو ما يتعارض مع ماقاله الرياحي على قناة” فرانس 24″
وفي ردها على قضية الانقلاب أفادت وكالة الدولة العامة لإدارة القضاء العسكري بأن وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية الدائمة بتونس أذن بفتح بحث مؤقت وذلك للإطلاع على الشكاية التي تقدم بها المحامين النائبين عن سليم الرياحي
الرياحي قفاز الباجي 
و في الوقت الذي انتظر فيه الجميع ان تتحرك رئاسة الجمهورية ضد من وصموا بالاستعداد للانقلاب  على رئيس الجمهورية ،فاجأ المحامي عماد بن حليمة باتهم الباجي قايد السبسي بالوقوف وراء سليم الرياحي ودفعة لرفع قضية في الايهام “بانقلاب”
و قال بن حليمة ان الامين العام لنداء تونس سليم الرياحي قدم شكاية للمحكمة العسكرية ضد يوسف الشاهد بعد التنسيق مع رئيس الجمهورية .
و أردف قائلا خلال حضوره على قناة التاسعة “مستحيل ان يكون الرياحي قام بتقديم الشكاية من تلقاء نفسه”
الباجي يقصف جبهة النهضة 
لم تكن دعاوى الرياحي القضائية بمعزل عن الخلافات الحاصلة بين الشاهد -الذي “هرب” بالحكم و الرئيس الباجي الساعي لاستعادة هيبته بعد ان فاته “القطار “، العلاقة بالنهضة علاقة توترت بعد محاولات ندائية للإطاحة بالحكومة اثر تمرد رئيس الحكومة ضد تدخلات نجل رئيس الجمهورية حافظ قايد السبسي في شؤون الدولة و الحكم دون صفة بإستثناء انه ابن “مولى الباتيندا”
تدخّل عكر صفو الجو العام للبلاد ،حيث باتت خلافات النداء او هدوءه النسبي عاملا من عوامل استقرار تونس عموما ،لا شيء الا بسبب تدخل الباجي في كل مرة و استعماله للدولة لضمان انتصارات ابنه على حساب خصومه لتنفجر معها كتلة النداء و ليستقيل محسن مرزوق في جانفي 2016 ورضاء بلحاج قبل ان يعود الاخير صاغرا برتبة موظف تحت اسم “منسق عام ” خلاف الباجي مع الشاهد و النهضة و محاولة قصف جبهتها قضائيا و سياسيا جاء في سياق تغيير معطيات في الحكم و البرلمان حيث فقد نداء تونس جزءا كبيرا من انصاره داخل الجهات ،الامر الذي دفع بأبناء النداء في جهة القصرين الى الزحف على المقر الرئيسي بالبحيرة مما استوجب تدخلا امنيا للحيلولة دون “احتلال” المقر لتتهم بعدها حركة النهضة و الشاهد بأنهما محركي تلك الاحتجاجات.
و لأن الباجي بات في قطيعة معلنة مع أبرز طرفي الحكم ،فقد وجد نفسه معزولا خاصة بعدما تأكد من عجزه عن فعل أي شيء امام اصرار الشاهد على تمرير حكومته ،فكان لابد من خلق بدائل او “قوارب نجاة ”  للرئيس لبقاء ضمانه كمعادلة سياسية ،وهو ما عجل بظهور “الغرفة السوداء” و عودة ملف الشهيدين شكري بلعيد و محمد البراهمي الى أروقة قصر قرطاج بما هو خط مواز للقضاء ،فالباجي يدرك ان اليسار لن يسكت عن حق شهيديه فعاد ليقدم قضية بلعيد و البراهمي على أنها من أولوياته و الحال أنها مدخل للانتقام من النهضة .
هكذا امر كشفه القيادي السابق للنداء لزهر العكرمي أول امس حيث اعتبر “ان الباجي غضب لهجر النهضة له” ،و اضاف العكرمي خلال استضافته على إذاعة موزاييك “انهم يكيلون التهم للنهضة لأنها رفضت العبث و أسقاط يوسف الشاهد وقد كانوا يمدحونها ويقولون عنها انها حزب مدني ..أما بعد مساندتها لبقاء الشاهد فقد أصبحت حزبا إخوانيا و لها تنظيم سري”
الرئاسة تتحرك 
و لابعاد تهمة الانحياز للجنة الدفاع عن الشهيدين ،قال المستشار نور الدين بن نتيشة في تصريح تلفزي “ان كل تصريحات ضيوف رئيس الجمهورية يتم تنزيلها على الصفحة الرسمية على موقع” فايسبوك ” وذلك في رده على بيان حركة النهضة الذي عبرت فيه عن استغرابها من نشر الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية ما اعتبرته “اتهامات كاذبة و مختلقة صادرة عن بعض الاطراف السياسية بنيّة الاساءة لها و التهجّم على قيادات سياسية وطنيّة من قصر قرطاج “
و أضاف بن نتيشة لدى حضوره في برنامج “بتوقيت تونس”على التلفزة الوطنية ، ان رئاسة الجمهورية كانت قد نشرت سابقا على صفحتها الرسمية تصريحا لرئيس حركة النهضة راشد الغنوشي حول ملف التعويضات للمتمتعين بالعفو التشريعي العام على اثر لقائه برئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي ،مشيرا الى أنه وقع نشر التصريح انذاك على الرغم من انه لا يعبّر على موقف رئاسة الجمهورية من هذا الملف وهو دليل على ان كل التصريحات يتم تنزيلها ولا يعني هذا تبنيها من قبل رئيس الجمهورية على حد قوله
النهضة هددتني 
و من جهته و خلال اجتماع مجلس الامن القومي رد رئيس الجمهورية على بيان حركة النهضة الاخير بعد استقباله للجنة الدفاع عن البراهمي و بلعيد و قال في هذا السياق “حين تطلب منا جهات النظر في ملف ما لا يمكننا التعتيم ..مؤخرا هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد و ابراهمي قامت بزيارتي و انا اقبل الجميع “وقال “مانحكمش شنوة باش يقولو وهذا الى وقع ..و الموضوع أثار حساسية لدى  النهضة “
و شدد رئيس الدولة قائلا”هذوما ناس جاوني وقبلتهم وكلامهم معقول و جابولي مجلد..قالولي هاهي الوثائق الى عنا ،نغمّض عينيا!؟
وأضاف متسائلا”شنوة السر الي فما؟المسألة مفضوحة و العالم الكل تحدث عن الجهاز السري الذي لم يعد سري ..لكن يبدو انه أثار حفيظة النهضة و أصدرت بيانا يتضمّن تهديدا لي ..و انا لا اسمح بهذا”
وقال “إذا يظنوا انو كي يقولو الكلام هذا ما نرقدش في الليل غالطين ..معايا أنا ما تاكلش الامور هذي “وختم قائلا”المحاكم سوف تنظر في المسألة “
و كمحاولة منه للتأكيد على معاقبة حركة النهضة استعمل الرئيس عدد من الكلمات المفاتيح لتخويف الحركة كإستعماله لعبارة “جابولي مجلد عن الجهاز السري”..”المسألة مفضوحة و العالم كل تحدث” وختم الباجي موقفه باستعارة أبيات شعرية للشاعر العربي طرفة ابن العبد حين قال :
“يالك من قنبرة بمعمر..خلا لك الجو فبيضي و اصفري
ونقّري ماشئت ان تنقّري..قد رحل الصياد عنك فابشري
ورفع الفخّ فماذا تحذري..لابّد من صيدك يوما فاصبري
فاستعمال الباجي لقضية عادلة لبلعيد و البراهمي تأكيد واضح على ان الامر يتعدى حدود كشف الحقائق الى الانطلاق الفعلي في حملة انتخابية على قاعدة الاستقطاب و السعي للانتقام ،والا لماذا لم يدخل الباجي قائد البسي قضية الشهيد لطفي نقض ضمن أولوياته؟وهل نجح الرئيس في صيد حركة النهضة ام ان الامر لا يعدو ان يكون إلا مناورة ولكن بالذخيرة الحية ؟