كتّاب

الجمعة,9 نوفمبر, 2018
حكومة النهضة !!!

 

افتيتاحية ،بقلم محمد الحمروني مدير عام صحيفة الراي العام

حالة من الهيستيريا الحقيقيّة تلك التي انتابت الكثير من الأطراف منذ إعلان رئيس الحكومة يوسف الشاهد عن تحويره الوزاري من دار الضيافة تحديدا.. فبعد أقل من دقيقة عن الإعلان تدخل المستشار السياسي لرئيس الجمهورية نور الدين بن تيشة على موجات احدى الاذاعات الخاصة، ليعلن أن رئيس الحكومة لم يُطلع رئيس الجمهورية عن التحوير، وأن هذا الأمر مخالف للذوق العام السياسي الذي دأبت عليه تونس بعد الثورة.. وأن هذه الحكومة و”بغض النظر عن بعض الأسماء فيها هي حكومة النهضة”..

مباشرة بعد ذلك (أقل من نصف ساعة عن التحوير) تدخل الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي، ليؤكد أن الشاهد لم يستشره في التحوير..

بعده مباشرة نقل مقدم البرنامج تصريحا لسعيدة قراش (وللعلم هي أيضا مستشارة لدى الرئيس) قالت فيه أن الأخير يرفض التحوير..

ثم تتالت التصريحات بعد ذلك، وخلاصتها أن الشاهد لم يستشر الرئيس وأن هذا مخالف للدستور أو للعرف الجاري على الأقل.. وأن هذا التحوير لا لون ولا طعم له ، ولكن الجميع ركز على نقطة أساسية تحولت إلى معزوفة يبدو أن بن تيشة (بما يمثله من دولة عميقة) أعطى إشارة انطلاقها وهي أن هذه الحكومة حكومة النهضة..

فهل هذه الحكومة هي فعلا حكومة النهضة؟.. وكيف يستقيم هذا الأمر مع :

أولا – وجود شخصية متحصلة على جائزة نوبل وهو عميد المحامين السابق الأستاذ محمد الفاضل محفوظ وهو شخصية اعتبارية مهمة جدا، على الأقل بحكم حصولها وتكريمها بجائزة نوبل، وهو إلى ذلك كان مكونا رئيسيا من المجموعة التي أدارت الحوار الوطني، إلى جانب الأمين العام السابق لاتحاد الشغل حسين العباسي ووداد بوشماوي رئيسة اتحاد الصناعة والتجارة ورئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان عبد الستار بن موسى.

ومحفوظ شخصية لا يمكن أن تكون محسوبة أو قريبة من النهضة بأي حال من الأحوال.. بل إن الرباعي الراعي للحوار الوطني الذي كان محفوظ جزءا منه، كان متهما بمحاولة إخراج الترويكا والنهضة تحديدا من الحكم.

ثانيا – وجود رجل الأعمال المعروف روني الطرابلسي اليهودي التونسي ضمن التشكيلة الحكومية، الامر الذي يؤكد انفتاح شعبنا على جميع مكوناته دون إقصاء أو تهميش على خلفية الدين أو طائفة.. وهو إلى ذلك تأكيد على أن المشاركة في الحكومة تقوم على شرط أساسي وهو المواطنة، لا على الدين ولا اللّون ولا الجهة أو اللغة..

والنهضة، المتهمة في مدنيتها وتونسيتها، أكدت مرة أخرى أنها لا ترى حرجا في تعيين يهودي تونسي وزيرا في الحكومة طالما أنه مواطن يتمتع بجميعة الحقوق ويقوم بجميع الواجبات التي فرضتها الدولة على جميع مواطنيها..  مثلما بادرت في السابق بترشيح يهودي في قائمتها للانتخابات البلدية في المنستير..

ولكن ذلك لا يعني مطلقا أن روني الطرابلسي نهضاوي مثلما قال البعض في (تخميرتهم) التي تعكس حجم المغالطة التي يمكن ان يذهب اليها البعض بغض النظر عن الحقيقة وعن مصلحة الوطن. والحقيقة أن هذا  الاتهام إضافة إلى كونه اصرار على الهروب إلى الأمام وانخراط في المعزوفة التي أعطى بن تيشة إشارة انطلاقها بُعيد الإعلان عن التحوير مباشرة. هو إلى ذلك محاولة بائسة من القوى التي طالما ادعت الحداثة والتقدمية ورفعت شعار الدفاع عن الأقليات، لإخفاء معارضتها توزير يهودي تونسي. وهي يمكن ان تذهب الى حد اعتباره نهضويا من اجل تبرير موقفها.

ثالثا- وجود شخصية دستورية كبيرة، ووازنة، وهو وزير الدفاع الأسبق كمال مرجان، الذي يعطي انخراطه في الحكومة آفاقا أرحب لها ويوسّع دوائر الالتفاف حولها، بما يمتلكه الرجل من خبرة وعلاقات في الداخل والخارج وبما يمثله من رمزية سياسية تحيل في البعض منها إلى جهة الساحل التي اعتبرت نفسها مستهدفة بعد الثورة، وفي جزء آخر منها إلى النظام السابق، فالرجل كان أحد أبرز وزرائه، وأشرف على واحدة من أهم وزاراته، وانتمى إلى حزب أو منظومة بنت عقيدتها السياسية على مواجهة النهضة ومحاولة استئصالها، لذلك فإنه من العبث السياسي ومن التهريج ومحاولة استغباء الناس الادعاء بأن هذا الرجل يمكن أن ينخرط في حكومة نهضوية، أو أن يكون نهضويا.

والحقائق التي كان يجب أن يلتفت الجميع، هي الامكانات التي يفتحها هذا التحوير لبلادنا، لأنه يعطى نفسا جديدا للعمل الحكومي ويمكن اعتباره بداية لحل الأزمة الحكومية التي بدأت منذ أشهر بمطالبة حافظ قائد السبسي بإقالة الشاهد، رغم أن البعض وفي حالة من السكيوزفرانية السياسية انتقد التحوير واستغرب القيام به قبل أقل من سنة من الموعد الانتخابي القادم، وهؤلاء هم أنفسهم، من كانوا يطالبون بتحوير حكومي كامل لا يستثني رئيس الحكومة نفسه، وهم الذين طالبوا في آخر بياناتهم بحكومة دون حركة النهضة.. وهم الذين كانوا يرفضون اعتراض النهضة وغيرها من مكونات وثيقة قرطاج 2 على المطالبة برحيل الشاهد قبل أقل من سنة من 2019.

وبدل ترديد مثل هذه “الترهات” كان على الطبقة السياسية الانتباه إلى ما تضمنه التحوير من دلالات على غرار وجود حزب مشروع تونس في هذه الحكومة، جنبا إلى جنب مع حركة النهضة، وما يعكسه ذلك من آمال في إنهاء حقبة الصراع الايديولودجي ومن إعلان رسمي أن محاولات الاستئصال باتت من الماضي.. وأن محاولة النداء العودة إلى اللعب على هذه الورقة لم تعد ممكنة.

ونحن رأينا كيف ردت أغلب الأحزاب على البيان الصادر عن النداء الذي وقّعه كاتبه العام الجديد سليم الرياحي، ودعا فيه إلى حكومة دون حركة النهضة.. وحتى محاولة العودة إلى اللعب على مسألة المدنية والادعاء بأن الحركة لم تكن يوما مدنية فهذه مرفوضة أيضا.. فلا يعقل أن الحزب الذي اشتغل مع الحركة وزارها في مقراتها وأماكن سكنى قيادتها، وزارته هي في مقراته وأماكن سكنى قياداته، عشرات المرات لمدة أربع سنوات، لا يعقل أن  يكون  النداء قد اكتشف فجأة أنها غير مدنية  ..

التحوير لا يمكن منطقيا أن يكون تحوير النهضة بل هو على العكس من ذلك يتيح المجال للشاهد للظهور كزعيم أغلبية بعد أن كان في نظر نداء حافظ مجرد منفذ لأوامر القصر والحزب.

والواضح أن ذلك تم  بوعي من قيادة الحركة وتحديدا من المفاوض باسمها والذي ما انفك يثبت أنه يتصرف كداهية في السياسة ولكن بعقل وطني يقدم مصلحة تونس على مصلحة حزبه.

والسؤال الآن هو هل أن الشاهد شريك موثوق مستقبلا؟ وألا يوجد خوف من أن ينقلب على النهضة بعد انتفاء الحاجة إليها خاصة وقد نجح في إحكام قبضته على الوزارات الحساسة والحفاظ على المقربين منه في مواقعهم؟

وأية ضمانة للديمقراطية في تونس إن كان مشروع الشاهد انشاء “حزب الدولة”، وتكليف التجمعي شكري بن حسن ببناء شبكة من الولاة والمعتمدين والعمد لفائدته واستعادة ماكينة التجمع؟

أسئلة لا نظن أنها تغيب عن ذهن زعيم حركة  النهضة الشيخ راشد الغنوشي الذي ما زال يؤجل لحظة الحسم في مصير الشراكة كما التوافق للحظة تبدو قريبة جدا ومناسبة للخيار الذي سار فيه وهو الحفاظ على استقرار منظومة الحكم وبناء شراكة مع الطرف الأقدر على تمثل المفهوم الحقيقي للشراكة.