ورقات

الجمعة,16 نوفمبر, 2018
حقائق من الوثائق.. ما علاقة “الرَّمز” صالح بن يوسف بالتطبيع مع الكيان الصّهيوني؟

عاد جدل التطبيع مع الكيان الصهيوني خلال الفترة الأخيرة إلى تصدّر الواجهة بقوة، لاسيّما منذ اقتراح رئيس الحكومة يوسف الشاهد تقليد حقيبة وزارة السياحة لروني الطرابلسي الذي زعمت وسائل إعلامية صهيونية أنه يحوز الجنسية “الإسرائيلية”، رغم تفنيده .

 

وقد أثار قرار تعيينه بلبلة واسعة في وسائل الإعلام وعلى منصات التواصل الاجتماعي باعتبار أن تعيين حامل للجنسية الإسرائيلية في منصب وزاري بالجمهورية التونسية -التي تقرّ برفضها التطبيع مع الكيان الصهيوني- خرقًا لمبادئ الدولة وبدايةَ تطبيعٍ معلنٍ وصريحٍ مع دولة الاحتلال، الأمر الذي دفع نشطاء من التيار القومي إلى الاحتجاج يوم 11 نوفمبر 2018 بشارع الحبيب بورقيبة، ثم أمام مجلس نواب الشعب بباردو يوم 12 نوفمبر 2018 رافعين شعارات على غرار «على الاراضي التونسية لا سياحة صهيونية»..

 

وقُبيل الضجة التي أثارها قرار تعيين الطرابلسي وزيرا للسياحة بأيام معدودة، جدل واسع أثير عقب تداول أنباء حول فرضية مشاركة وفد اسرائيلي في الملتقى العالمي لسفراء الحوار بين الأديان الذي نظمته “الكشافة التونسية” مع الاتحاد العالمي للكشاف المسلم من يوم 4 إلى يوم 8 نوفمبر 2018.

وتحت ضغط منظمات حقوقية، أصدرت الدائرة الاستعجالية في المحكمة الابتدائية في تونس يوم 2 نوفمبر 2018 حكماً استعجاليا يقضي بمنع دخول الوفد الإسرائيلي إلى البلاد للمشاركة في ملتقى الحوار بين الأديان.

 

كما تدخّل “الاتحاد العام التونسي للشغل” مرتين على التوالي في 2017 في قضايا لها علاقة بالتطبيع، الأولى عندما رفض رسوّ سفينة إسرائيلية تجارية في ميناء رادس في 18 أوت 2018، تصدّياً لما وصفه وقتها بـ”التطبيع المغلّف”، والثانية بتاريخ 21 سبتمبر 2018 عندما منع باخرة تجارية إسرائيلية أخرى من الرسوّ في ميناء صفاقس التجاري، وجدد حينها دعوته إلى ضرورة التعجيل بسن قانون يجرّم التطبيع مع الكيان الصهيوني.

وإلى جانب ذلك جمّد، منذ أيام، حزب المسار عضوية عميد كلية الآداب بمنوبة الأسبق الحبيب القزدغلي، على خلفية نشاطه في الفرع التونسي للمنظمة الصهيونية الفرنسية “الرابطة العالمية لمكافحة العنصرية ومعاداة السامية”.

وتَكاد بعض التيارات القومية تحتكر موضوع تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني، وتقدم نفسها على أنها الحاملة والحامية للقضية الفلسطينية في تونس، بيد أن أحد الرّموز التاريخية الذي ينتسبون إليه تكشف وثائق أنه قد يكون أول المطبعين مع الكيان الصهيوني في تونس.

 

في دراسة مطوّلة نشرها مركز البحوث الشاملة في الشؤون الدولية في 7 جوان 2000 تحت عنوان “إسرائيل والمغرب العربي في أوج الصراع العربي الاسرائيلي: 1950-1970 ” (Israel and the Maghreb at the Height of the Arab-Israeli Conflict: 1950s-1970s ) ، كشف أولى عمليات التطبيع بين تونسيين و”إسرائيليين” تاريخيا.

يعود ذلك إلى خمسينيات القرن الماضي في ذروة مرحلة اتّجاه تونس نحو الاستقلال .

ونوّهت الدراسة بأنه في نيويورك في 1951-1952 تقرب وفد تونسي من البعثة “الإسرائيلية” إلى الأمم المتحدة، بدفعٍ أمريكي.

ولفت مركز البحوث إلى أن من بين مبعوثي الحزب الدستوري الجديد الذين التقوا بمسؤولين إسرائيليين، الباهي الأدغم، وهو عضو بارز في المكتب السياسي للحزب الحر الدستوري الجديد وأحد المقربين من الرئيس السابق الحبيب بورقيبة.

 

وفي 25 جوان 1952، عقد الأدغم اجتماعا مع “جدعون رافائيل” أحد مبعوثي إسرائيل إلى الأمم المتحدة ، سعى خلاله إلى الحصول على دعم منه لتعزيز مسألة استقلال تونس من الاستعمار الفرنسي لدى الأمم المتحدة ، مطمئنا إياه أن حزبه لم يكن وراء “أعمال الشغب” المعادية لليهود في تونس خلال تلك الآونة.

 

ولم يتوقف احتكاك قيادات من الحزب الدستوري الجديد عند هذا الحد، بل إن الأكثر إثارة للجدل هو أن “الرمز” التاريخيي لدى عدد كبير من قوميي تونس اليوم صالح بن يوسف، كان قد أجرى اتصالات مع اسرائيل خلال تلك الفترة. في 9 فيفري 1953 اقترب بن يوسف من الإسرائيليين للتعبير عن استيائه بسبب عدم دعم إسرائيل لتونس، منوها بأن الدول العربية هي الوحيدة التي عززت جهود استقلال تونس، ملمحا في ذات الوقت بأنه من المحتم أن تونس ستقترب من اسرائيل في المستقبل، وفق مركز البحوث نقلا عن أرشيف وزارة خارجية إسرائيل (18/3043).

المعطيات التي ذكرتها دراسة مركز البحوث تتقاطع مع جملة من الوقائع التاريخية في علاقة ببن يوسف والخلافات صلب الحزب الدستوري من جهة ومع الزيتونيين من جهة أخرى حول ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة والتعاطي التونسي معها.

 

موقف بن يوسف تجاه القضية الفلسطينية منذ بدء أزمة الاحتلال عقب قرار التقسيم الأممي في 1947 ثم مع اندلاع الحرب العربية الاسرائيلية الأولى في ماي 1948 ، خلق جدلا واسعا إبان تلك الحقبة التاريخية نظرا لأنه يتناقض مع التوجه الشعبي المناصر للقضية الفلسطينية ويتعارض مع موقف جزء هام من الدستوريين، فضلا عن الأزمة التي خلقها مع الزيتونيين.

 

وعلى عكس الدور الذي لعبته المجموعة الزيتونية في دعم الشعب الفلسطيني وحشد المال والصفوف لمساندته، كان دور كبار قادة الحزب الحر الدستوري الجديد الذي يمثل أكبر حزب سياسي بالبلاد، ولعلّ أبرزهم صالح بن يوسف، جدّ ضئيل وفاتر تجلى في المساندة الصورية والمحتشمة للفلسطينيين في مرحلة أولى ثم في التملص واعتبار القضية الفلسطينية قضية انسانية ظرفية لا أكثر في مرحلة متقدمة.

 

فهل كان موقف صالح بن يوسف المعارض لدعم “الجهاد الفلسطيني”، من أسباب قرار الإسرائيليين الحوار معه؟

 

في دراسة بحثية للمؤرخ سمير البكوش تحت عنوان “صدى القضية الفلسطينية بتونس وصراع القوى السياسية حولها 1947- 1948 ” الصادرة بمجلة المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية “روافد” في عددها السادس (2001) ، تناول الحديث حول تفاصيل ومجريات الأحداث في تونس في علاقة بما يحدث في فلسطين ، مركزا على ردود أفعال مختلف الفاعلين في المشهد العام التونسي خلال تلك الحقبة التاريخية.

 

بن يوسف، وفق دراسة البكوش، رأى في الالتفاف الشعبي حول المجموعة الزيتونية تهديدا جديا لمكانته وقيمته في صفوف التونسيين، وهو ما من شأنه أن يقلص من حظوته لديهم لصالح الزيتونيين وبالتالي تعزيز صورة الفاضل بن عاشور باعتبارهم يحتكمون إليه، لا سيما بعد تصريح بن يوسف الشهير بجامع الزيتونة في 5 ديسمبر 1947 الذي دعا فيه التونسيين المحتجين عما يحدث في فلسطين إلى “ملازمة الهدوء، وخاصة فيما يتعلق بعلاقتهم مع اليهود” .

 

لم يتوقف بن يوسف عند ذلك الحد، بل عبر عن نيته في توجيه تنبيه إلى كل من الفاضل بن عاشور والشاذلي بالقاضي لطردهم من الحزب، كما عمل على الحد من نشاط المجموعة الزيتونية والحد من دعايتهم لفائدة فلسطين، وهو ما رفضه بن القاضي ومحمد الصادق بسيس اللذين اعتبرا أن القضية الفلسطينية قضية دينية بحتة وليست قضية سياسية.

محمد الشاذلي بلقاضي

ولئن دعا بن يوسف إلى ضرورة التزام الهدوء والتروي، فإن ثلة واسعة من الدستوريين لم تلتزم بتعليماته، وقد أثبته ما جاء في تقرير المراقب المدني بقابس الذي أرسله إلى المقيم العام “ج مونس ” في 12 ديسمبر 1947 حول هذا مسألة مقاطعة التجار اليهود بتونس مع اندلاع الاضرابات في المنطقة احتجاجا على قرار التقسيم الأممي في نوفمبر 1947 ، الذي كتب فيه: “رغم دعوة صالح بن يوسف القواعد الحزبية بملازمة الهدوء، فإن الشبيبة الكشفية بفرع “المنزل” بقابس تقوم بعمل كبير لإنجاح عملية مقاطعة التجار اليهود ويعترض هؤلاء الشبان التجار المسلمين الوافدين على المدينة بطريقة سرية ويحثونهم على عدم التعامل مع اليهود بأي شكل من الأشكال بسبب الأحداث الدائرة في فلسطين”..

وبالإضافة إلى موقفه الفاتر من القضية الفلسطينية، فإن سعي بن يوسف الملحّ إلى الإشراف بشكل مباشر على المداخيل المتأتية من جمع التبرعات، الأمر الذي عارضه الزيتونيون، وهو ما أثبته المقيم العام الفرنسي ك. مونس في مراسلة إلى الخارجية ، جاء فيها ما يلي: ” عند عودة الشاذلي بن القاضي من فلسطين سعى صحبة الفاضل بن عاشور إلى تكوين حلف للدفاع عن استقلالية قرارات المجموعة الزيتونية عن السيطرة التي يريد فرضها الحزب الحر الدستوري الجديد، وقد حظي هذا الاجراء بامتعاض كبير من قبل صالح بن يوسف”.

الفاضل بن عاشور

وما زاد المسألة تعقيدا، موقف الديوان السياسي المعرقل لعملية جمع التبرعات لفائدة فلسطين، حيث لم تكن القيادة الدستورية مقتنعة بجمع التبرعات لفائدة فلسطين بقدر اقتناعها بضرورة توجيه هذه التبرعات لفائدة الحزب الدستوري الجديد وهو ما تجلى في موقف بن صالح الذي دعا الصادق بسيس إلى ايقاف حملاته الدعائية الداعية إلى التبرع لصالح فلسطين.

ومع تنديد أحد قيادات الحزب الدستوري الجديد علنا بحملة جمع التبرعات لفلسطين بدعوى أن التونسيين أولى بهذه التبرعات من الفلسطينيين، وُجهت في وقت لاحق تهم الى الديوان السياسي للحزب بتحويل وجهة التبرعات الخاصة بفلسطين لمآرب خاصة..

 

موقف بن يوسف لم يرد معارضا الزيتونيين فحسب، بل خلق أيضا خلافات وتصدعا صلب الحزب الدستوري، حيث تعارض موقف كل من بن يوسف و محمد الصادق بسيس الذي ينتمي بدوره الى الحزب الدستوري الجديد، ففي حين كان بن يوسف، يريد أن يكون هناك أعضاء معينون في اللجنة المالية للجنة الدفاع عن فلسطين حتى تتم مراقبة المصاريف والأموال المجمعة، فإن محمد الصادق بسيس عارض هذا معتبرا أن اللجنة لها هدف ديني وليست لها علاقة بالمجال السياسي… ”

 

هذا الاختلاف صلب الحزب الدستوري تحول إلى خلاف، وهو ما ألقى بظلاله على سيرورة جمع التبرعات لصالح القضية الفلسطينية.. ليس هذا فحسب، بل كشف هذا التباين هوة الاختلاف بين مجموعتين متناقضتين في وجهات النظر تجاه القضية الفلسطينية؛ ففي حين يرى شق بن يوسف أن القضية الفلسطينية هي قضية ظرفية تتعلق بالفلسطينيين أنفسهم ومساندتهم لا يجب أن تتعدى حاجز التضامن الظرفي، يشاطر عدد من الدستوريين على غرار محمد الصادق بسيس موقف الزيتونيين الذين اعتبروا أن القضية الفلسطينية ذات أبعاد دينية.

 

وقد أثار موقف بن يوسف الداعي الى الهدوء وإلى عرقلة مظاهر التعبير عن تضامن التونسيين مع الفلسطينيين انتقادات واسعة واستنكارا كبيرا، لا فقط في صفوف الأهالي بل أيضا في صفوف الشعب الدستورية ذاتها والمنظمات التابعة للحزب الدستوري الحر حيث كان الموقف السائد آنذاك التضامن اللامشروط مع الأزمة الفلسطينية والتمسك بضرورة القيام بتحركات عريضة لدعم النضال العربي في فلسطين.

 

جل هذه المظاهر دلت إلى حد ما عن عدم اقتناع الدستوريين بما فيهم صالح بن يوسف بالمصير المشترك للأمة العربية، ما جعلهم يضعون  البعد القُطري والقضية التونسية ومسألة النضال من أجل الاستقلال من الاستعمار الفرنسي فوق كل الاعتبارات، وتحجيم القضية الفلسطينية على اعتبار أنها قضية خاصة بالفلسطينيين لا تستوجب أكثر من التضامن الظرفي…

 

بن يوسف الذي يعتبر بطلا قوميا ورمزا من رموز النضال ضد الاستعمار الفرنسي لتونس، خلقت مواقفه تجاه القضية الفلسطينية مفارقة وهوة شاسعة بين ما يروّجه قوميّو اليوم، الذين يعتبرون بن يوسف أيقونتهم، وأنهم حاملو مشعل القضية الفلسطينية منذ الجذور الأولى للصراع، وبين الحقيقة التي تفضح إلى حد ما فتور رموزهم من القضية المركزية وعرقلتهم لجهود دعم تحرير الأراضي المحتلة، وهي المعطيات التي جعلت العدو الإسرائيلي يرى في صالح بن يوسف شخصية مناسبة للحوار والتعاون معه.

هذه المعطيات تطرح السؤال أيضا حول علاقة بن يوسف بالزعيم جمال عبد الناصر، فهل كانت، فقط، استقواءً ظرفيا، على غريمه الحبيب بورقيبة الذي انقلب عليه للسيطرة على الحزب؟