ورقات

الخميس,18 أكتوبر, 2018
حركة 18 أكتوبر.. عندما تتحول معركة النّضال إلى معركة وجودٍ ضدّ حلفاء الأمس!

يُطالعنا الثّامن عشر من أكتوبر محمّلا بذكرى ظلّت، بتفرّدها وأهمّيتها، محطّة استثنائيّة في تاريخ تونس المعاصر، لما صوّرته من فسيفساءٍ جمّعت مختلف الأطياف السياسية من مشارب إيديولوجية متعدّدة حول خيار ضرورة كسر قيد الاستبداد، فصنعت الفارق وخلقت من الاختلاف قوّة ووحدة..

هي “هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات” التي وُلدت من رحم الاضطهاد والاستبداد والتّضييق على الحرّيات خلال العهد البائد رغم الاختلاف، لكن بِاسْمِ هذا الاختلاف وُئدت هذه الهيئة بُعَيْد ثورة “الحرّية والكرامة” …

18 أكتوبر 2005 .. الماضي القريب البعيد

ثمان شخصيات سياسية وحقوقية من مشارب إيديولوجية وفكريّة مختلفة اتّحدت ضدّ نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي ، نصرةً للحقوق والحرّيّات في مرحلة جدّ حسّاسة سياسيًّا وحقوقيًّـا ؛ هم أحمد نجيب الشابي، وحمه الهمامي، ومختار اليحياوي ولطفي حجي وسمير ديلو ومحمد النوري وعبد الرؤوف العيادي والعياشي الهمامي.

 

 

الخطوة الأولى التي اعتمدوها للوقوف في وجه النّظام تمثّلت في خوض إضراب جوع احتجاجا ضدّ بن علي.

وقد مثّلت معركة الأمعاء الخاوية التي خاضها معارضو بن علي صفعة في وجهه ، لاسيّما وقد توسّعت دائرة الهيئة لتضمّ فيما بعد طيفا من الشخصيات الحقوقية والسياسية على غرار سناء بن عاشور والبشير الصيد وجنيدي عبد الجواد وخليل الزاوية..

في بيانها التأسيسي، استنكرت هيئة “18 أكتوبر” الوضع العام في البلاد ودعت إلى “بلورة عهد ديمقراطي يكفل لكل المواطنين والمواطنات المساواة والحريات والحقوق الأساسية غير القابلة للتصرف أو الاستنقاص ويشكل قاعدة للمشاركة السياسية والتداول على الحكم على أساس تنافس البرامج والرؤى وهو عهد من شأنه أن يرتقي بمستوى وحدة العمل إلى إرساء أسس التغيير الديمقراطي”.

وقد شهدت تحركات هيئة 18 أكتوبر متابعة إعلامية ملحوظة، أجبرت النظام على استعمال المزيد من الترهيب الأمني وتكثيف الحصار على الاجتماعات ومقرات الأحزاب.

ومنذ انطلاق حرب الجوع، سارعت مختلف الشخصيات السياسية، اليسارية والإسلامية والقومية والليبرالية، إلى التعبير عن شرعية التحرك وشرعية المطالب، ومساندتها المطلقة لها، وهي المرة الأولى التي اجتمع فيها الطيف السياسي في تونس على مطالب محددة، بدت محرجة جدا للنظام أمام رأي عام عالمي، دأب قبل سنوات من ذلك التاريخ على سماع تقارير حول انتهاكات حقوق الإنسان وقمع التحركات السياسية والنقابية بالبلاد..

تجربة وُئدت قبل أن تشبّ

لم يقدّر لـ”هيئة 18 أكتوبر” التي كسرت كلّ قيود الاختلاف وخلقت الاستثناء في إحدى أهمّ محطات تاريخ تونس المعاصر، أن تزدهر وتمضي قدمًا أكثر من أربع سنوات، إذ سرعان ما اصطدمت بالخلافات والاختلافات التي برزت بين مكونات الهيئة فيما يتعلّق بمسرحية الانتخابات الرئاسية لسنة 2009.

اختلاف وجهات النظر كَمُن في رفض حركة النّهضة وحزب العمّال دعم أي مرشح في المسرحية الانتخابية، في الوقت الذي مدّت به أطراف سياسية معارضة أخرى يدها للمشاركة في سباق الانتخابات على غرار الحزب الديمقراطي التقدمي والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات وحركة التجديد، رغم يقينهم من نتيجة الانتخابات المحسومة مسبقا.

وكان أحمد نجيب الشابي مؤسس الحزب الديمقراطي التقدمي قد أعلن عن ترشحه منذ فيفري 2008 ليقرر الانسحاب في أوت 2009 بعد رفض النظام تعديل قانون يفرض على المرشح أن يكون رئيسا منتخبا في حزبه وهذا مالا ينطبق على الشابي الذي ترك الأمانة العامة لحزبه عام 2006.

فيما قدّم مصطفى بن جعفر، الأمين العام لحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات أحد أهم أعضاء هيئة الدعم للمبادرة ترشحه للمجلس الدستوري في 24 سبتمبر 2009 إلا أنه رفض بسبب كونه لا يستوفي شرط أن يكون قائدا منتخبا لحزبه منذ عامين.

وفي 7 أكتوبر 2009 أعلن الحزب أنّه “يدعم بكل حماس مرشح حركة التجديد أحمد إبراهيم للانتخابات الرئاسية ويدعو مناضلي الحركة إلى مساندته والتصويت لفائدته يوم 25 أكتوبر 2009 “.

الأحزاب الثلاثة التي خيّرت المشاركة في انتخابات 2009 (الحزب الديمقراطي التّقدّمي، التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، والتجديد)، بدت كأنها ارتأت التفاوض مع النظام حول المشاركة في حكومة وحدة وطنيّة لم ترَ النور من الأساس، بينما رفض كلّ من حركة النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية وحزب العمال التعامل مع بن علي وحكومته وأجهزته قطعيًّـا.

الثّورة ومتغيّرات المرحلة

لئن حقّقت ثورة 2011 سقوط النظام المستبدّ وجاءت بالحقوق والحريّات المفتكّة، فإنها -وعلى عكس المتوقّع- لم تتمكن من تجميع مناضلي الأمس. وسرعان ما تغيرت الأجندات السياسية لمكونات هيئة 18 أكتوبر، فقد تم عمليا استحضار المقولات الإيديولوجية، وسجل الصراع الفكري حضوره بشكل شبيه بالتجاذبات الطلابية في السبعينيات والثمانينيات …

وفيما رأى الإسلاميون أن الوقت قد حان لغلق ملف المعركة  مع خصومهم العقائديين التاريخيين، مخيّرين مسلك الانتقاد الذاتي لأنفسهم، اعتبر طيف واسع من اليساريين العودة القوية للإسلاميين إلى الساحة السياسية “خطرا داهما” ، واتخذتها فرصة لإعادة توحيد قوى اليسار من جديد ضد “عدوٍّ مُـشترَك”.

ومع اتساع شعبية حركة النهضة التي سطرت مبادئها و خياراتها بناء على هوية التونسيين، صعَّـدت مختلف الأحزاب من انتقاداتها لحركة النهضة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي التقدمي، موجهة اليها أصابع الاتهام بكونا “مزدوجة الخطاب، وتكرس توجها دينيا غير ديمقراطي”.. وهو ما فنّدته حركة النهضة قطعا، معتبرة أن ما يجري هو “محاولة أقلية سياسية فرض إرادتها على أغلبية شعبية”، كما جاء على لسان عدد من قيادييها.

و من هذا المنطلق، تحولت مبادئ 18 اكتوبر من حركة نضالية ذات وزن سياسي أثقل كاهل النظام السابق وارهق أنفاسه، إلى مجرد ذكرى لم تقع إعادة إحيائها ولو رمزيا بعد ثورة 2011..

وحدها النهضة ، وبدرجة أقل حزب المؤتمر من اجل الجمهورية ، ظلا يذكران ويحفّزان ، وبادرا في محاولات جد يائسة من أجل إحياء المبادرة ، وروح التوافق التي سادت إبان انطلاقها، وأثناء إنجاز وثائقها التاريخية (حول الشروط الدنيا لانتخابات حقيقية، وفي العلاقة بين الدولة والدين، وبيان حول حرية الضمير والمعتقد، وحول حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين)، والتي صدرت في مؤلف واحد تحت عنوان: طريقنا إلى الديمقراطية ( خلاصة الحوار الوطني بين إسلاميين ويساريين وقوميين وليبراليين / رؤية تونسية مشتركة لأسس الدولة الديمقراطية ) (تونس 2010).

وبقيت بيانات وأدبيات هذين الحزبين تتحدث، صراحة وضمنيا عن 18 اكتوبر كحركة تاريخية توافقية جامعة ومبادرة يجب العمل على إحيائها، والاستفادة من إنجازاتها ووثائقها في بناء مرحلة انتقالية تنقل البلاد من وضع الاستبداد إلى عهد الحرية وتحقيق الأهداف التي قامت من أجلها الثورة التونسية، بَيْدَ أن دعواتهما لم تجد صدى لدى حلفاء الأمس، الذين اتخذوا الإسلاميين “عدوّا” لهم، وأضحت معركتهم معه لا معركة دفاع عن الحريات كالتي خاضوها يدا بيد في الأمس القريب، وإنما معركة وجود!