لقاء خاص

الجمعة,15 فبراير, 2019
حامد القروي لـ”الشاهد”: تونس في حاجة لنظام رئاسي ديمقراطي واعتماد عتبة 5 بالمائة في البرلمان

 

ما حدث في تونس انتفاضة أعادت رجال النظام السابق على رأس الدولة
عبير موسي حوّلت الحزب لصراعات وسبّ وشتم ولم يعد لي أي اتصال بها
بعض التجمعيين تنكّروا لنا بعد 14 جانفي

يعتبر حامد القروي أحد رموز النظام القديم والرجل الثاني في التجمع الدستوري الديمقراطي حتى سنة 2008. لم يدخل الحكومة إلاّ في السنوات الأخيرة لحكم الرئيس الحبيب بورقيبة قبل أن يصبح مديرا للحزب ثمّ وزيرا أوّلا في سنة 1989.
موقع “الشاهد” التقى الوزير الأوّل السابق والمناضل الدستوري حامد القروي والذي تحدّث عن الوضع الراهن في البلاد بعين السياسي الذي خبر السلطة لسنوات طويلة حيث أكّد أنّ عبير موسي توجهت بالحزب الذي أسسه إلى الشتم والسب والصراعات وأطردت “الدساترة” منه.وقال القروي إنّه يجب تغيير نظام الحكم في تونس إلى نظام رئاسي والتنصيص على عتبة 5 في المائة وخصخصة المؤسسات العمومية الخاسرة ومحاربة الفساد وعدم إمضاء اتفاقية “الآليكا” التي ستكون ضربة قاضية للفلاحة.

غبت في الفترة الأخيرة عن الساحة السياسية والإعلامية، ما هو سبب ذلك؟
فعلا ابتعدت على الساحة السياسية والإعلامية منذ فترة، وفي الأصل أنا طبيب أكثر من أن أكون سياسيا، فبعد دراستي عدت إلى البلاد وتعاطيت الطب لمدة 30 سنة. وأنا لست سياسيا ولكن أعتبر نفسي مناضلا لأنه لما كان سنّي 15 سنة كنت أجمع المال للحزب ثم ذهبت إلى باريس ودرست هنالك ثم عدت إلى تونس وأسست اتحاد الطلبة بمعيّة السيد منصور معلّى في سنة 1953.
وفي الأثناء طلب الرئيس بورقيبة أن يعينني وزيرا، حيث كانت له رغبة في أكون معه وزيرا رغم أنني تهربت من المنصب لسنوات طويلة وكان لديّ أولوية في الاشتغال بالطب خاصة مع انتشار مرض السل حيث قمت بحملة كبيرة مع الدكتور العربي عزوز رحمه الله.
في سنة 1986، تم تعيني وزيرا للشباب والرياضة وكان سنّي 58 سنة وكانت مسؤولية سهلة لأني كنت قياديا في الكشافة وترأست النجم الرياضي الساحلي لمدّة 20 سنة حيث كانت لدّي معرفة مسبقة بالرياضة والشباب. ثم تم تعيني مديرا للحزب قبل أن يتسلم بن علي الحكم في 7 نوفمبر وواصلت إدارة الحزب ثم وزيرا للعدل قبل أن أقضي 10 سنوات على رأس الوزارة الأولى ثمّ ابتعدت واعتبرت أن مسيرتي السياسية قد انتهت.
بعد 14 جانفي، تم اتهامي بمعيّة 9 من قيادات حزب التجمع بالاستحواذ على مئات المليارات وتقدمت ضدنا قضية من طرف عدد من المحامين وتم فتح بحث وتكليف 5 خبراء للتحقيق في ممتلكاتنا ولكن بعد أشهر من البحث والتدقيق لم يتوصلوا لأي شيء وتمت تبرئتنا. وكانت هنالك اتهامات حتى ممن اشتغلوا معنا وتنكروا لنا بعد 14 جانفي.
في تلك الفترة تدخلت في إذاعة موزاييك وقلت إننا لم نسرق بل هذه بلادنا حررناها ثم بنيناها ونحن معتزون بذلك وبالعمل الذي قمنا به وتوجهت للدساترة بكلمة “ارفعوا رؤوسكم” وكان لهذه الكلمة صدى كبير.

وما هو تقييمك لما حدث في 14 جانفي؟
كانت انتفاضة، وهي في الأصل خيانة داخل الدولة، وهنالك تدخّل أجنبي، حيث كان هنالك اختلاف مع عديد الدول. ثم الثورة لا تتم بهذا الشكل، فالثورة تزيح نظاما وتضع بدله نظاما جديدا ببرامج أخرى ورجال جدد مثلما حدث في الثورة الروسية حيث تم إزاحة النظام القيصري وتسلم الشيوعيون الحكم أو في الثورة الإيرانية عندما تمت إزاحة نظام الشاه وتغييره بنظام الدولة الدينية ونفس الشيء في الثورة الفرنسية والكوبية، ولكن في تونس قاموا بثورة وتم وضع رجال النظام السابق على رأسها، فلذلك لا يمكن اعتبارها ثورة بل انتفاضة بلا أفكار ولا برنامج ولا قيادة.

ولكن هذه القيادة أصدرت الفصل 15 في المرسوم المتعلق بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي والمتعلق بحرمان كل من تحمل مسؤولية صلب الحكومة في عهد بن علي، باستثناء من لم ينتم إلى التجمع ؟
كان هنالك خطأ كبير بعد الثورة حيث تم سنّ الفصل 15 والذي حكم على كل من عمل مع بن علي بعدم الترشح للانتخابات ووضعت هذا الفصل هيئة عياض بن عاشور والتي تحولت من مجلس تشريعي إلى هيكل قضائي رغم أنها معيّنة وغير منتخبة وتم حرمان تونس من عشرات الآلاف من الكفاءات.

ولكن أثناء حكم الترويكا لم تتم المصادقة على إقصاء التجمعيين؟
إقصاء التجمعيين تواصل حتى في حكومة التوافق بين النداء والنهضة. وبالنسبة إلى الترويكا تسلمت الحكم وكانت تنقصها الخبرة، وللأسف تم انتداب عدد كبير من الموظفين ممّا أثقل كاهل الدولة، وتمت إضاعة أموال كبيرة في عهدها ولم تتحرّك عجلة التنمية في الجهات ولم يتم وضع بنية تحتية كفيلة بتسهيل الاستثمار.

وكيف كانت فكرة تأسيس حزب بعد الثورة؟
لدى حضوري في برنامج إذاعي سألني صحفي هل ستؤسس حزبا الآن، فقلت له كيف ذلك وأنا في هذا السنّ ولكن فيما بعد اضطررت لتأسيس حزب لأنه لا يوجد حزب دستوري حقيقي وحتى الحزب الذي تم تأسيسه لا يعرف نفسها على أنّه حزب دستوري فلذلك تم تأسيس الحزب وكانت بداية طيبة ولكن لم تكن هنالك إمكانيات مادية لأن هنالك خوف من تمويل الحزب، حتى رجال الأعمال الذين جمعوا أموالا كبيرة في عهد بن علي كانوا يخشون من تمويل حزب دستوري.
وبعد فترة من تأسيس الحزب سلمته لعبير موسي رئيسة للحزب وحاتم العماري كاتبا عاما، وكان هدفي أن يتسلم الحزب قيادات شابة لم يتحملوا مسؤوليات كبيرة في السابق وليست لهم طموحات للرئاسة.

وكيف تقيّم مسار الحزب اليوم؟
أعتقد أن المواطنين التونسيين اليوم لا يهتمون بالمعارك والصراعات بين الأحزاب. والتونسيون ينتظرون من سينقذ البلاد ومن له البرنامج الكفيل بتحقيق ذلك. ولكن عبير موسي اتجهت نحو الشتم والسب والصراعات وأطردت “الدساترة” من الحزب وتعتز بذلك لأنها تعتبرهم لم يوافقوها في أفكارها، وفي وقت من الأوقات مررت لها رسائل لأنني لم يعد لي معها أي اتصال وقلت لها إنّ السياسيين الآخرين والأحزاب الأخرى ليسوا أعداء، بل هم منافسون والمطلوب أن تنتصري عليهم ببرامجك ووعودك الثابتة والواقعية، ولذلك جلّ الدساترة لم يعودوا يساندوها.

وما هو سبب عدم تجمّع العائلة الدستورية من جديد؟
الكل يعتقد أنّه هو القادر على تجميع العائلة الدستورية وإلى الآن ولم ينجح أحد.

ما هو رأيك في التوافق الذي حصل بعد انتخابات 2014؟
بعد انتخابات 2014 والتي فاز فيها نداء تونس وتم المضي في سياسة التوافق وكان هنالك خطآن، الأوّل هو المحافظة على الفصل 15 وتم إبعاد كل الكفاءات.
وأمّا الأمر الثاني أن هذا التوافق لم يرتكز على برنامج واضح مثلما يحصل مثلا في ألمانيا، حيث يتم وضع برنامج واضح بين الأحزاب المشكّلة للحكم رغم اختلافها. مثلا في قضية الإمام رضا الجوادي كان هنالك اختلاف بين حركة النهضة ووزير الشؤون الدينية حول عزل الجوادي وهذا يدلّ على عدم توافق أطراف الحكم حول برامج وأفكار واضحة.
وكذلك مجلس النواب لم يكن في مستوى التطلعات وخاصة في تدخله في الأمور المالية حيث أنه لم يترك الحكومة تضع سياساتها في الميزانية للحدّ من المديونية مع تواصل التهرب الجبائي وأصبحت كل المهن تحتج وتذهب لمجلس النواب.
ثم هناك مؤسسات عمومية دون جدوى حيث تعرف ميزانيتها عجزا وهي خسارة للمجموعة الوطنية ولذلك يجب التفريط في هذه المؤسسات الخاسرة، ونحن في السابق لم يتم التفريط في بعض المؤسسات كان هنالك شروط تضعها الدولة للخواص مثل المحافظة على العمّال والأجور لأنّ الدولة لا يمكن أن تكون تاجرا لعدّة أسباب منها أن المتصرفين في المؤسسات العمومية لا يمكن محاسبتهم على الإنتاجية، وبالتفريط في بعض المؤسسات يمكن أن نحدّ من المديونية بالتخلّص من مؤسسات تعتبر عبئا على ميزانية الدولة.
اليوم في الدولة يريدون أن يصلوا إلى الأرقام الذي تحققت في 2010 ونحن في تلك الفترة لم تكن لدينا إمكانيات أفضل ممّا موجود اليوم ولكن اليوم الدولة تعاني من مشاكل في التصرف والإدارة.

وما هو موقفك من اتفاقية “الآليكا”؟
الآليكا هي اتفاقية للتبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي، مبدئيا نحن نعرف أنّه كل ما يأتينا من الغرب ليس في صالحنا بعد أن غيّر الغرب سياسته نحونا بعد أن كان هناك استعمار مباشر اليوم أصبح هناك إرادة لنهب خيرات الشعوب عبر الاتفاقات وتونس في السابق أمضت اتفاقية التبادل الحرّ في الصناعة سنة 1995 وكان اضطرارا لأنّ دول الاتحاد الأوروبي أرادت وضع ضريبة على السلع التونسية هناك ولكن التبادل الحرّ في الصناعة غير مضرّ كثيرا وفي المتناول.
وأما التبادل الحرّ في المجال الفلاحي الأمر مختلفا تماما لأن الفلاحة ستتلقى ضربة قاضية لأنه ليس هنالك أمل في منافسة المنتوجات الأوروبية. في تونس مثلا الحبوب سيكون هنالك انعكاس خطير جدا. في السابق لمّا كنا نضطرّ لتوريد الحبوب كنّا نستورده بسعر أقلّ مما هو عليه في تونس لذلك ستكون تأثيرات سلبية ولن يفلت من هذه الاتفاقية إلاّ التمر والزيت والبرتقال لأنه في تونس الفلاح لا يملك نفس الظروف التي يملكها الفلاح الأوروبي من الأراضي الشاسعة والمناخ والمكننة، لذلك سينهار الإنتاج الفلاحي التونسي الفلاحي. وشخصيا اعتبر أن الفلاحة خطّ أحمر وعلى مجلس النواب رفض المصادقة على هذه الاتفاقية إذا تم إمضاؤها.

ما هي الحلول التي تعتقد أنّها كفيلة بإخراج البلاد من الوضع الاقتصادي الصعب؟

أوّلا الحلّ يكمن في إعادة الشعب للعمل فبسبب الإضرابات وكثرة المطلبية أصبحت الدولة ضعيفة وعمّت الإضرابات وتراجعت سمعة تونس في الخارج وأصبحت متهمة بالإرهاب وتوضع على القائمات السوداء إضافة إلى غلاء المعيشة وتزايد نسب البطالة وارتفاع المديونية وغياب الأمن.
المسألة الثانية هي مقاومة الفساد والتجارة الموازية والتصرّف الجيّد في الموارد البشرية والمالية والاستعانة بخبرات الإطارات التي عملت في السابق وكذلك الإطارات الشابّة والتي لديها كفاءة عالية.
الأمر الثالث هو تغيير النظام السياسي ووضع عتبة 5 في المائة في الانتخابات والتنصيص على النظام الرئاسي كي يتم انتخاب رئيس مسؤول في جوّ ديمقراطي ويتم خلق توازن بين الحكومة والرئاسة ومجلس النواب. صحيح هنالك تخوّف من العودة للنظام الرئاسوي الذي كان في السابق ولكن مع الجو الديمقراطي لا يمكن أن نعود لفترة بورقيبة وبن علي لأنّ بورقيبة حرر البلاد ثم ترأسها واستقوى على النخبة السياسية ثم جاء بن علي فأنقذ البلاد ثم استقوى كذلك. ولكن اليوم تونس ليست في حاجة لا لتحرر وللإنقاذ، وإنما في حاجة لنظام رئاسي ديمقراطي جديد، يعني يجب وضع نظام رئاسي مع الديمقراطية يحكم بمسؤولية كمنتخب من طرف الشعب.