كتّاب

السبت,12 مايو, 2018
تونس والطريق الصعب إلى الديمقراطية

بقلم محمد هنيد
 انتهت خلال الساعات الماضية عمليات فرز صناديق الاقتراع في الانتخابات الأهم والأبرز في مسار الثورة التونسية. انتهت مرحلة الانتخابات البلدية التي تؤسس قاعديا للحكم المحلي بما هو أسس العملية الديمقراطية الأصيلة التي تعتمد مبدأ محاربة المركزية في القرار والحكم وتوزيع الثروة والسلطة.

الانتخابات البلدية التونسية هي أول انتخابات بلدية حقيقية في تاريخ الدولة الحديث ومنذ خروج الاحتلال الفرنسي عسكريا. فقد كانت تونس في عهد النظام الاستبدادي الأول عبارة عن سلطة مركزية قمعية تتجمع فيها أدوات الحكم والثروة بيد مجموعة صغيرة متواجدة في العاصمة تونس وفي منطقة الساحل تحديدا وخاصة في مسقط رئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة. أما في عهد الدكتاتورية الأمنية الثانية أي زمن الطاغية بن علي فقد كانت الانتخابات البلدية عبارة عن مسرحية هزلية تحضّر فيها صناديق الاقتراع ليلة الانتخابات وتكون جاهزة لترشيح العصابات الجهوية من أجل ترسيخ منظومة النهب والسطو على الثروات في كامل تراب الجمهورية.

الانتخابات البلدية التونسية هي كذلك أول انتخابات محلية نزيهة في كامل المنطقة العربية سواء منها في الأنظمة الملكية الوراثية أو الأنظمة الجمهورية العسكرية. حيث تعود آخر انتخابات بلدية إلى التجربة الجزائرية في بداية التسعينات من القرن الماضي عندما اكتسح الإسلاميون الدورة الأولى من الانتخابات وحققوا انتصارا كاسحا فما كان من العسكر إلا أن ألغى الدورة الثانية وفرض قانون الطوارئ وأدخل البلاد في مرحلة العشرية السوداء التي ذهب ضحيتها حولي ربع مليون من السكان المدنيين بين قتلى ومفقودين.

هذه التجربة الفريدة والمتميزة تسمح بإبداء جملة من الملاحظات والاستنتاجات الهامة:
أول الاستنتاجات وأهمها إنما تتعلق بتقدير قيمة العملية الانتخابية نفسها فبقطع النظر عن الفائز في العملية فإن القيمة الحقيقية والأهم إنما تتمثل في إجراء الانتخابات نفسها. تنظيم الاقتراع في مناخ تعددي وفي إطار احترام القانون والاندراج في مسار ديمقراطي يسمح بإحلال دولة المؤسسات يمثل انتصارا كبيرا لتونس ولثورتها التي لا تزال تتحسس طريق النجاح والخروج من مناخ الفوضى والاستبداد الذي عشش في البلاد طيلة أكثر من نصف قرن. الإنجاز ليس في هوية الرابح والمنتصر من المسار الانتخابي بل هو يتعلق أكثر بالمسار نفسه الذي كان مهددا بالإلغاء. إن نجاح تونس في تنظيم الاستحقاق الانتخابي يمثل نصرا عظيما للثورة التونسية. الفائز هو ثورة تونس قبل الأحزاب وقبل كل القوى السياسية.

أما ثاني الاستنتاجات فتتعلق بنتيجة الانتخابات التي تمثلت أساسا في انحسار المنظومة القديمة التي تمثلها دولة العمق والأحزاب المرتبطة بها وعلى رأسها حزب نداء تونس الذي يشكل امتداد طبيعيا لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي وهو حزب الرئيس الهارب بن على الذي يمثل بدوره امتدادا للحزب الدستوري حزب المستبد الأول بورقيبة. لا يقتصر هذا الانتصار على نجاح الإسلاميين فقط بل يتجلى كذلك في تقدم القوائم المستقلة وهي في عدد منها قوائم غير حزبية نجحت في التفوق على أحزاب كثيرة تحظى بدعم مالي وإعلامي كبير.

ثالث الملاحظات تتعلق بفشل القوى العربية والدولية التي راهنت على إفشال المسار الانتخابي من ناحية وعلى دعم القوى المضادة للثورة من ناحية ثانية حيث لم تحصل الأحزاب المدعومة من دولة الامارات مثلا إلا على نسب ضعيفة جدا مقارنة بحجم الدعم المالي السخي الذي حظيت به. لقد راهنت القوى الرجعية العربية على إفشال المسار الانتخابي التونسي من أجل أن لا تنتقل العدوى إلى بلدانها ولكي تؤكد لشعوبها وللعالم أن العرب ليسوا أهلا للديمقراطية وهي الحجة الأساسية التي تبرر الاستبداد وتجعل من الحكم الفردي المطلق مصيرا وقدرا للشعوب لا فكاك ولا انعتاق منه. إن القول بأن الشعوب العربية ليست أهلا للديمقراطية وللمشاركة في الحكم يمثل الأرضية التي عليها يتأسس الانفراد بالسلطة والحكم في كل البلدان العربية.

رابع الملاحظات إنما تتمثل في أهمية التجربة التونسية باعتبار طابعها النموذجي سواء على مستوى اندلاع الثورة أو على مستوى المسار الذي انتهجته. تونس هي مهد ثورات الربيع العربي الذي تراجع بشدة في مختلف المجالات التي بلغها سواء في مصر أو سوريا أو ليبيا أو اليمن في حين لا تزال الثورة التونسية ترسم مسارها بسلمية نادرة رغم كل الضربات التي نفذتها الثورة المضادة منذ الثورة.

هذا النموذج الذي تمكن من المصادقة على دستور البلاد ومن انتخاب مجلس نواب الشعب ومن إنجاح انتخابات رئاسية ومن تركيز أسس التداول على السلطة لا يزال يمثل كابوس النظام الرسمي العربي باعتباره قائما على الحكم الفردي وعلى الاستبداد بالسلطة ومنع الجماهير من المشاركة فيها. من هنا تتأتى خطورة المنوال التونسي على بنية المنظومة الاستبدادية العربية ككل حيث تشكل نموذجا يكاد يغادر البنية التي حكمت المنطقة منذ عقود ولا تزال. هكذا تشكل التجربة التونسية حدثا عربيا فريدا يسمح بإنارة الطريق لبقية المنطقة من ناحية ودرسا في إمكانية الانتقال الديمقراطي خارج المنظومات الطائفية والعسكرية التي لم تخلف غير الخراب والموت والفوضى.